منتديات اقصانا الجريح  

العودة   منتديات اقصانا الجريح > المنتــــدى العــــــــــــــــــام > مكتبة اقصانا الجريح الثقافية > شعر / قصص / خواطر / منقولة

الملاحظات

اخر عشرة مواضيع :        

لوحه الشرف

القسم المتميز العضو المتميز المشرف المتميز الموضوع المتميز
الـتـراث رايه التوحيد طيرة قلسطين رتب المثل


 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 28-01-2010, 10:31 AM   #101
نسمة ياسمين
مميز وفعـــال
 
الصورة الرمزية نسمة ياسمين
 
تاريخ التسجيل: 15 / 1 / 2008
الدولة: الـزهــرة
الجنس:    
المشاركات: 1,068
معدل تقييم المستوى: 761
نسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدى
افتراضي رد: رواية (رغد.. انت لي) كاملة من البداية الى النهاية

و كالعادة كانت العشاء لذيذا جدا قد أرضى الضيوف و نال إعجابهم...
" سلمت يداها... أكلتُ كثيرا هذه الليلة "

قال سيف و هو يحتسي الشاي عقب انتهائنا من وجبة العشاء...

قلت بسرور :

" سلّمك الله... بالهناء و العافية يا عزيزي "

قال مازحا :

" و أنا من كان يتساءل ما سر هذه العضلات التي نبتت و تضخمت بشكل سريع و على ذراعيك ! تبدو أكثر ضخامة كلّما التقينا يا رجل ! "

ضحكت لتعليق سيف المرح... حقيقة هي أنني خلال العام المنصرم ربحت عدة كيلوجرامات !

قلت :

" لكني كنت أكثر قوة و أنا أعمل في المزرعة... و أبذل مجهودا عضليا كل يوم "

و لاحت في مخيلتي صورة المزرعة و أشجارها و ثمارها... و العم إلياس... و شعرت بالحنين إليهم...

قال سيف :

" ماذا بشأن المزرعة ؟ ماذا ستفعلون بها ؟ "

قلت :

" كما هي يا سيف... فالعائلة متعلقة بها جدا و لا يمكنهم التفريط فيها... و ها أنا أتنقل بينها و بين المصنع في عناء "

قال :

" و لكن... يجب أن تستقر يا وليد ! ماذا ستفعل بعد زواجك ؟ "

أخذت أحك شعري في حيرة...

" خطيبتي تريد العودة إلى المزرعة و الاستقرار فيها... و ابنة عمّي ترفض العيش فيها تماما... و أنا في حيرة من أمري... مشلول الفكر ! "

تابعت :

" و ليت الخلاف اقتصر على السكن فقط! بل في كل شيء يا سيف... كل شيء و أي شيء! إنني أعود من العمل مشحونا بالصداع فتستلماني و تشقان رأسي نصفين !"

و وضعت طرف يدي على هامتي كما السيف...

سيف ابتسم... و قال :

" إنهن النساء ! "

قلت :

" الجمع بينهما في بيت واحد هو ضرب من الجنون... و الصغيرة صعبة الإرضاء و متقلبة المزاج... و أخشى أن أتحدّث معها فتظن أنني ضقت ذرعا برعايتها... و يُجرح شعورها..."

لم يعلق سيف ... تابعت :

" أنا حائر يا سيف... لا أريد لأي شيء عظيما كان أم تافها أن يعكّر صفو حياتها.. و وجود أروى يثير توترها... و لا يمكنني إرسال أروى و أمها إلى المزرعة و العيش مع رغد هنا وحدنا ! "

قال سيف مباشرة :

" صعب ! "

" بل مستحيل ! "

قال مقترحا :

" و لماذا لا تدعها مع خالتها كما فعلت سابقا يا وليد ؟ "

قلت و أنا أهز رأسي :

" أبدا يا سيف... لا يمكنها الاستغناء عن وجودي و قربي ... "

سيف نظر متشككا ثم قال :

" أو... ربما العكس ! "

حملقنا في بعضنا البعض قليلا... و شعرت بابتسامة حمراء تشق طريقها بين شفتي !

سيف قال مازحا :

" وليد الضخم... بطوله و عرضه و عضلاته المفتولة...تشل تفكيره فتاة صغيرة ؟!"

ابتسمت و أنا أقول :

" و ليست أي فتاة ! "

و بدا الجد على وجه سيف و قال :

" فكّر في الأمر مليا يا وليد... الشرارة و البنزين لا يجتمعان في مكان واحد ! "

كان سيف محقا فيما يرمي إليه...

قلت مغيرا الموضوع مباشرة :

" هل قابلت السيد أسامة ؟ ماذا قرر ؟ "

ابتسم سيف و قال :

" هنيئا لك ! لقد كسبت حب و تقدير هذا الرجل و لذلك وافق على العمل معك ! "

أطلقت صيحة فرح و هتفت :

" آه ... وافق أخيرا ! الحمد لله ! شكرا لك يا سيف "

و كنت قد طلبت من سيف مساعدتي في محاولة إقناعه بالعودة للعمل معي... فقد كنت بحاجة ماسة للمعونة من رجل بمثل خبرته و أمانته... و هذا الخبر أبهجني كثيرا تلك الليلة...
و لم أدرك أنني سأدفع ثمن بهجتي هذه ... عاجلا جدا !



~~~~~~~



احتراما لضيفتنا، تظاهرت بالسرور و أخفيت كل الغضب في داخلي... و شاركت الجميع طعام العشاء الذي أعدته الشقراء و أمها... و كانتا المسؤولتين عن الطهي و شؤون المطبخ... تساعدهما خادمة وظفها وليد منذ فترة...
كانت الشقراء ترتدي بلوزة جميلة عارية الكمين و الكتفين ... و تتزين بعقد ثمين من اللؤلؤ اشترته مؤخرا... و تلون وجهها الأبيض ببعض المساحيق... و تبدو في غاية الجمال و الأناقة... و لا بد أنها أثارت إعجاب ضيفتنا و أبهرتها في كل شيء...

و بعد خروج الضيوف ذهبت هي و بكامل زينتها و مباشرة إلى حيث كان وليد...
أما أنا فصعدت إلى غرفتي لاستبدل ملابسي...

نظرت إلى نفسي عبر المرآة و تخيلت صورتها إلى جواري فشعرت بالحنق و الغيظ... و رغبت في تمزيقها...

لم استطع تجاهل صورتها و هي تعيّرني بأنني أعيش عالة على ثروتها... ولم أتحمّل تخيلها و هي تجلس هكذا قرب وليد...
تملّكتني رغبة ملحة في الذهاب إلى وليد و إخباره عما قالت في الحال... و وضع حد نهائي لحالتي البائسة معها...

فتحت خزانتي و استخرجت جميع المجوهرات التي أنقذتها من حطام بيتنا المحروق... مجوهراتنا أنا و دانة و أمي رحمها الله... و أخذت أتأملها و أشعر بالألم... فهي كل ما تبقى لي...و لم أتصور أنني سأفرط فيها ذات يوم...

جمعتها كلها في علبتين كبيرتين و وضعتهما في كيس بالإضافة إلى البطاقة المصرفية التي منحني إياها وليد و كذلك الهاتف المحمول...

حملت الكيس و خرجت من غرفتي سعيا إلى وليد فوصلني صوت ضحكاته هو و الشقراء... ترن في أنحاء المنزل !!

كدت أصفع الكيس بأحد الجدران و أحطم محتوياته غيظا...

ذهبت إلى غرفة الجلوس ... مصدر الضحكات... و كان الباب مفتوحا و من خلاله رأيت ما زلزني ...

كان وليد شبه مستلق ٍ على المقعد و أروى الحسناء تجلس ملتصقة به... تمد إحدى يديها فوق كتفه و تطعمه المكسرات بيدها الأخرى....
كانا يشاهدان التلفاز ويبدو على وليد المرح و البهجة الشديدين... و هو يمضغ المكسرات... حينما رأياني ابتسم وليد و جلس معتدلا بينما أشاحت هي بوجهها عنّي...

" تعالي رغد "

قال مرحبا ً ... و الدماء الحمراء تتدفق إلى وجهه...

" هذه المسرحية مضحكة جدا ! "

وقفت كالتمثال غير مستوعبة بعد للقطة الحميمة التي رأيتها تجمعهما سوية... أما النار فكانت تتأجج في صدري حتى أحرقته و فحّمته...
لم أتحرّك و لم أتكلّم... و ربما حتى لم أتنفس... فأنا لا أشعر بأي هواء يدخل صدري...
تبادل وليد و أروى النظرات و من ثم نظرا إلى الكيس...

قال وليد :

" أهناك شيء ؟ "

أردت أن أخنق صوته... أقتل ضحكاته... أكسر فكّه الذي يمضغ المكسرات... أن أصفعه... أن أضربه... أن أمزقه بأظافري...

تبا لك يا وليد !

قلت باقتضاب :

" أريد التحدث معك "

قال مباشرة و قد زال المرح و حلت أمارات الجد على وجهه العريض :

" خير؟ تفضلي ؟ "

و الدخيلة لم تتحرك! لا تزال جالسة ملتصقة بوليد تقضم المكسرات...
إنني أوشك على ركلها بقدمي غيظا...

قال وليد :

" ما الأمر ؟ "

تقدّمت نحوه... و الغضب يغلي في داخلي و رميت إليه بالكيس بعنف... و لو لم أتمالك نفسي لربما رميت به على أنفه و هشّمته من جديد...

الكيس استقر تحت قدميه... فنظر إليه بتعجب و سأل :

" ما هذا ؟ "

قلت بانفعال :

" مجوهراتي "

ازداد تعجّب وليد فقلت موضحة :

" أعرف أنها لن تغطّي كل ما أنفقتـَه علي ّ منذ رحيل والدينا... لكن... هذا كل ما أملك "

قبل ثوان كان وليد مسترخ على المقعد و الآن أصبح على أهبة النهوض!

" ماذا تعنين يا رغد ؟ "

قلت بعصبية :

" خذها... حتى لا يعيّرني الآخرون بأنني عالة على ثرواتهم "

و رميت أروى بقنبلة شرر من عيني...و وليت هاربة...

ربما ارتطمت بجدار... أو تعثرت بعتبة... أو انزلقت أرضا... لم أكن أرى الطريق أمامي... لم أكن أرى غير اللقطة الحميمة تجمع بين الحبيبين ...

وليد لحق بي و استوقفني و أنا عند أصعد عتبات الدرج و هو يقول بحدة :

" انتظري يا رغد... افهميني ما الذي تعنينه ؟ "

استدرت إليه فرأيت أروى مقبلة خلفه نظرت إليهما بحدة ثم حملقت في أروى و قلت بعصبية :

" اسألها "

وليد استدار إلى أروى ثم إلي ثم إليها و سأل بحيرة :

" ما الذي حدث؟ افهماني ؟ "

قلت :

" بقي فقط ثمن التذكرة... و سأطلب من خالتي دفعها إليك حالما توصلني إليها... و الآن هل لا أعدتني إلى خالتي ؟ "

زمجر وليد بانزعاج :

" ما الذي تقصدينه يا رغد ؟؟ أنا لم أفهم شيئا... هل لا شرح لي أحد ماذا يحدث ؟ "

و التفت نحو أروى...

أروى قالت :

" أنا لم أعن ِ شيئا مما فهمت ْ "

تقصدني بذلك، فأفلتت أعصابي و صرخت :

" بل تعنين يا أروى... إنك تعيريني لعيشي عالة متطفلة على ابن عمي... لكن اعلمي أنه من أجبرني على الحضور معه... و لو كان لدي أبوان أو أهل أو حتى بيت يؤويني ما اضطرني القدر للمكوث معك ِ أنت ِ تحت سقف واحد "

بدا الذهول طاغيا على الأعين الأربع التي كانت تحدّق بي... ذهول ألجم لسانيهما عن النطق مباشرة...

" لكنهما ماتا... وبيتي احترق... و لم يتبقّ َ لي شيء غير هذه الحلي... خذاها و دعاني أرحل بكرامتي... "

وليد قال منفعلا :

" ماذا أصابك يا رغد ؟ هل جننت ِ ؟ "

قلت بعصبية أكبر :

" أرجوك... أعدني إلى خالتي... إن كانت كرامتي تهمك في شيء "

" أي كرامة و أي جنون...؟؟ "

و التفت إلى أروى بغضب :

" ماذا قلت ِ لها ؟ "

أروى قالت مدافعة مهاجمة في آن معا :

" لاشيء... طلبت منها أن تحترمني... عوضا عن رسمي بتلك الصورة المهينة..."

وليد كرر بغضب و عصبية :

" ماذا قلت لها يا أروى ؟؟ تكلّمي ؟ "

قالت أروى :

" الحقيقة يا وليد... فهي تعيش على ثروتي و عنائك... و لا تقدر و لا تحترم أيا منا "

دار وليد دورة حول نفسه من شدة الغضب و لم يعرف ما يقول... رأيت وجهه يتقد احمرارا و أوداجه تنتفخ و صدره يزفر الهواء بعنف...

ضرب سياج الدرج بقبضته بقوة و صرخ بغضب :

" كيف تفعلين هذا يا أروى ؟ "

قالت أروى بانفلات أعصاب :

" إن كان يرضيك ذلك فأنا لا يرضيني... و إن كنت تتحمّلها لكونها ابنة عمّك فما ذنبي أنا لأتحمّل الإحسان إلى و الإهانة من فتاة ناكرة الجميل ؟ "

هيجتني جملتها أكثر و أكثر و أثارت جنون جنوني... و صرخت بتهوّر :

" أنا لا انتظر الإحسان من أحد... وليد ينفق علي لأنه الوصي علي ّ و المسؤول عن مصروفاتي... و هو من اختار كفالتي بعد عمّي... ألا ترين أنني يتيمة و بلا معيل؟ أنا أهلي لم يتركوا لي إرثا عندما ماتوا جميعا... مثل عمّك... و هذه الثروة التي تعيرينني بها... وليد هو الأحق بها منك ِ أنت ِ و من أي إنسان آخر في هذا الكون "

و توقفت لألتقط بعض أنفاسي ... ثم قلت موجهة خطابي لوليد :

" أخبرها بأنها من حقك أنت "

وليد هتف بانفعال :

" رغد ! "

قلت بإصرار :

" أخبرها "

صرخ وليد :

" يكفي يا رغد "

التفت أنا إلى أروى المذهولة بكلامي و أعلنت دون تردد :

" إنها لن تعوّض ثمن السنوات الثماني التي قضاها في السجن حبيسا مع الأوغاد... بسبب ابن عمّك الحقير الجبان "

" رغد "

انطلقت صرخة من وليد... ربما كان هي المعول الذي كسر السد...
انجرف كلامي كالسيل العارم يأبى الوقوف عند أي شيء...

" و بعد كل الذي سببه الحقير لي... و لابن عمّي... تأتين أنت ِ لتعكري صفو ما تبقى من حياتي... ألا يكفي ما ضاع منها حتى الآن ؟؟ ألا يكفي ما عنيته و أعانيه حتى اليوم؟؟ أنا أكرهك يا أروى ... أكرهك و أتمنى أن تختفي من حياتي... أكرهك ... أكرهك ... ألا تفهمين ؟؟ "

رميت الاثنين بنظرة أخيرة ملؤها الغضب... أروى مستندة إلى الحائط في ذهول رهيب... أشبه بلوحة مذعورة... و وليد عند أسفل عتبات الدرج تتملكه الدهشة و المفاجأة...

" لماذا تجبرني على العيش معها يا وليد ؟؟ لماذا ؟؟... إن كنت تحبّها فأنا أكرهها... و أكرهك أنت أيضا... و لا أريد العيش معكما... أنتما تتعسان حياتي... أكرهكما سوية... أعدني لخالتي... أعدني لخالتي... يا بليـــــــــــــــــد "

فجرت هذه الجملة و انطلقت مسرعة نحو غرفتي
نهايه الحلقه
39
__________________
نسمة ياسمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2010, 10:32 AM   #102
نسمة ياسمين
مميز وفعـــال
 
الصورة الرمزية نسمة ياسمين
 
تاريخ التسجيل: 15 / 1 / 2008
الدولة: الـزهــرة
الجنس:    
المشاركات: 1,068
معدل تقييم المستوى: 761
نسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدى
افتراضي رد: رواية (رغد.. انت لي) كاملة من البداية الى النهاية

* * الحلقة الأربعون * *







~ مُفترق الطرق ~







وقفتُ عند أسفل عتبات السلّم... مأخوذا بهول ما سمعتُ... مشلول الإرادة...
اختفتْ رغد بعدما صرختْ في وجهي ( أكرهكَ يا بليد )
إن أذني ّ لم تسمعا... إنما هو قلبي الذي اهتز بعنف بعد الصدمة...

التفتُ إلى الوراء بجهد فرأيتُ أروى تقف ملتصقة بالجدار محملقة بي تكاد بنظراتها تثقبُ عيني ّ فيما تعبيرات الذهول طاغية على وجهها الملوّن...

كانتْ أمسية جميلة و قد استمتعتُ فيها مع سيف و طفله... ثم سهرتُ مع أروى نشاهد مسرحية فكاهية رائعة... كان كل شيء رائعا قبل قليل...
لماذا يا رغد ؟
لماذا ؟؟

" وليد "

الحروف خرجتْ متقطّعة من فم أروى المصعوقة بما سمعتْ... و بالتأكيد تريد الآن أن تسمع من جديد...

" وليد... وليد... ماذا قالتْ رغد ؟؟ "

ركّزتُ نظري في أروى ... و لم أرد...

أروى اقتربتْ منّي خطوة بعد خطوة ببطء ... كأن قدميها قد ثقلتا فجأة و ما عادتْ بقادرة على رفعهما
و لما صارتْ أمامي أبعدتُ نظري عن عينيها... فقد كانتْ نظراتها قوية جدا... و مركزة جدا إلا أنها سرعان ما مدّتْ يدها إلي و سألتْ :

" وليد ... أنت َ ... أنت َ ... من... قتل عمّار ؟؟ "

سماع اسمه أجبر عينيّ على العودة فورا إلى عينيها المذهولتين

" وليد ...؟؟ أنت ...!! "

أجبتُ أخيرا :

" نعم ... أنا من قتل عمار القذر... ابن عمّك "

أروى رفعتْ يدها بعيدا ثم وضعتْها على فمها و شهقتْ بقوة.. و تجمّدتْ اللحظة ساعة أو عاما أو حتى قرنا من الزمان...

لم أحس إلا بقطرات العرق تسيل على جسمي... و بالحرارة تنبعثُ منه...
و لم استطع تحرير بصري من قيد عينيها...
بدأتْ الآن تهزّ رأسها في عدم تصديق و دهشة ما مثلها دهشة...

" لا ... لا أصدّق ! وليد !"

و التقطتْ بعض أنفاسها و تابعتْ :

" كل... هذا الوقت... و أنتَ ... تخفي عنّي ؟؟ لا أصدّق ! "

و مرّة أخرى حرّكتْ يدها نحوي و أمسكتْ بكتفي

" غير صحيح ! وليد أنتَ ... تمزح "

قلتُ بحزم :

" قتلتُه و دخلتُ السجن... و لستُ نادما... هذه هي الحقيقة... هل عرفت ِ الآن ؟ "

ابتعدتْ أروى عنّي و هي تهتفُ :

" لا ... لا ... "

ثم توقفتْ فجأة و استدارتْ إليّ و قالتْ :

" لماذا ؟؟ لماذا قتلته ؟ "

قلتُ مباشرة :

" لأنه يستحق الموت... ال*****... القذر... الحقير... "

عادتْ تسأل مندهشة مبحوحة الصوت :

" لماذا ؟ "

جوابي كان بضربة سددتُها إلى سياج السلم الخشبي كدتُ معها أن أحطّمُه...

أروى كررتْ :

" لماذا ؟ أخبرني "

و لما لم أجبها أقبلتْ نحوي مجددا و أمسكتْ بذراعي ّ الاثنتين و هتفتْ :

" أخبرني لماذا ؟؟ لماذا ؟؟؟ "

صرخت ُ بانفعال :

" لأنه *****... ألا تعرفين معنى ***** ؟؟ "

أروى تهزُّ رأسها و تقول:

" ماذا تخفي عنّي يا وليد ؟؟ قلْ لي ؟؟ لماذا أخفيتَ هذا عنّي ؟؟ لماذا لم تخبرني لماذا ؟ "

و بدأتْ دموعها بالانهمار...
شعرتُ بأني أختنق... الهواء من حولي لم يكن كافيا لملء رئتيّ... أبعدتُ يديها عني و أوليتُها ظهري و سرتُ متجها نحو مدخل المنزل...

نادتني أروى:

" إلى أين تذهب ؟؟ لا تدعني هكذا يا وليد... قل لي ما الذي تخفيه عنّي ؟؟"

لم أجبها فقد كنتُ من الضيق و الغضب ما يكفي لأن أدمّر مدينة بكاملها...

" وليد إلى أين ؟ "

صرختُ :

" دعيني و شأني يا أروى "

و أسرعتُ نحو الباب و غادرتُ المنزل...

الساعة آنذاك كانتْ منتصف الليل... و لم أكن لأغادر المنزل في مثل هذا الوقت لو أن الضيق لم يصل بي إلى حد الاختناق...
كنتُ أريد أن أهدأ بعيدا...
أعيد عرض الشريط و أركز فيما حصل...
استوعب الحدث و أفكر فيه...

توجهتُ نحو البحر...أرفس رماله و أرجم أمواجه إلى أن أفرغتُ ما في صدري من ثورة في قلبه... و لو كان يتكلم لصرخ صرخة تصدعتْ لها كواكب المجرة من فرط الألم...

و كإنسانٍ مجردٍ من أي اعتبارات... على سجيته و فطرته... أطلقتُ العنان لدموعي... و بكيتُ بألم...
تفقدتُ ساعتي فلم أجدها و تحسستُ جيوبي بحثا عن هاتفي فلم أعثر سوى على سلسلة مفاتيحي... السلسلة التي أهدتني إياها رغد ليلة العيد...
لا أدري كم من الوقت مضى و لكني لمحتُ أول خيوط الفجر يتسلل عبر عباءة السماء...

عندما وصلتُ إلى المنزل... وجدتُه يغط في سكون مخيف...
أردتُ أن أتفقد الفتاتين... وجدتُ أروى نائمة في غرفتها و قد تركتْ الباب مفتوحا و المصابيح مضاءة فاستنتجتُ أنها نامتْ بينما كانت تنتظر عودتي...

توجهتُ نحو غرفتي و توقفتُ عند الجدار الفاصل بين بابها و باب غرفة رغد
و استعدتُ ذكرى الليلة الماضية و اشتعل الألم في معدتي...

أديت صلاتي ثم ارتميتُ على سريري و عبثا حاولتُ النوم... لم أنم و لا لحظة واحدة
و عاصرتُ بزوغ الشمس و مراحل سباحتها في كبد السماء ساعة ً ساعة و حمدتُ الله أنه كان يوم إجازة و إلا لتغيبتُ عن العمل من شدة التعب...
لم أفعلْ شيئا سوى التفكير و التفكير...
و عند نحو العاشرة و النصف سمعتُ طرقا على الباب...

" تفضّل "

لقد كانتْ أروى...
و على غير العادة لم نبدأ حديثنا بالتحية...

" هل استيقظتَ ؟ "

سألتني و وجهها يسبح في الحزن...

" بل قولي : هل نمتَ ؟ "

لم تعلق أروى، ثم قالتْ :

" أيمكننا التحدث الآن ؟ "

" تفضلي "

و بالطبع تعرفون عم سنتحدث...

" أريد أن أعرف... تفاصيل مقتل عمار... و لم أخفيتَ الحقيقة عني... و ما علاقة كل هذا برغد ؟ "

تنهدتُ ثم قلتُ :

" هل... سيغير ذلك شيئا ؟ "

أروى قالتْ بسرعة :

" بالطبع... سيغيّر الكثير... "

و لا أدري ما قصدتْ بذلك... و لم يعد يهمني ما قد يحدث.... في نظري الآن... لا شيء يستحق الاهتمام...

" حسنا يا أروى... لقد سبق و أن أخبرتُك بأنني انتظر الوقت المناسب لأطلعكِ على أمر مهم... و لم يعد هناك معنى للصمت بعد الآن "

" إذن ... اخبرني بكل شيء ... "

تنهّدتُ تنهيدة مريرة... خرجتْ من صدري عجوزا واهنة لم تجد ما تتكئ عليه... و سرعان ما هوتْ في أعماق الذكريات...

" قبل أكثر من تسع سنوات... قتلتُ عمار... و دخلتُ السجن... و هناك تعرّفتُ إلى والدك... بمحض الصدفة... و قبل وفاته أوصاني بكِ و بأمكِ خيرا... و ماتَ و هو لا يعرف أنني... من قتل ابن أخيه أو ربما لا يعرف حتّى... أن ابن أخيه قد قُتِل "

كانتْ أروى تصغي إلي باهتمام...

و عندما توقفتُ نظرتْ إلي بتعجب و قالتْ:

" هذا كل شيء ؟ "

قلتُ بضيق باد ٍ :

" نعم "

هزّتْ رأسها استنكارا و قالتْ:

" لا تخفي عنّي شيئا يا وليد... اخبرني بالحقيقة كاملة "

" ماذا تريدين أن تعرفي ؟ "

" لماذا قتلتَ عمّار "

التزمتُ الصمت

" لماذا يا وليد ؟ "

أجبتُ :

" فيم يهمّك ذلك ؟ "

" بالتأكيد يهمني أن أعرف "

قلتُ :

" لم يكن ذلك يهمّك ... سابقا "

صمِت ّ قليلا ثم قلتُ :

" أتذكرين ؟؟ ارتبطت ِ بي و لم تسأليني لِمَ دخلتُ السجن... و من قتلتُ... و لماذا .."

أروى قالتْ :

" لكن... ذلك كان قبل أن أكتشف أن الضحية كان ابن عمّي "

هيجتني الجملة فهتفتُ منفعلا :

" الضحية ؟؟ تقولين عن ذلك الحقير الضحية ؟؟ "

حملقتْ أروى بي ثم انطلق لسانها مندفعاً :

" هذا ما يثير جنوني... لماذا تنعته بالحقير و القذر؟ ماذا فعل؟ ماذا حصل؟ ما الذي كان بينكما؟ و لماذا قتلته؟ "

لم أجب...

" وليد أجبني ؟ "

أشحتُ بوجهي بعيدا... لكنها حاصرتني من كل الجوانب

" لماذا لا تريد أن تجيب يا وليد ؟؟ بدايةً... أنا لا أصدق أنك يمكن أن تقتل رجلاً مهما حصل... فلماذا قتلتَ ابن عمّي ؟ "

قلتُ منفعلا :

" لا تشيري إليه بـ ( ابن عمّي ) فهذا يثير التقزز يا أروى "

" وليد ! "

قلت ُ بصبر نافذ :

" اسمعي يا أروى... لا استطيع أن أفصح عن السبب... لقد قتلتُه و انتهى الأمر... و لستُ نادما... و لن أندم يوما على ذلك... "

ثم استطردت ُ :

" أرجوك ِ يا أروى... أنا متعب للغاية... هذا يكفي الآن "

الحيرة تملكتْ أروى ممزوجةً بالفضول الشديد... و أصرتْ على معرفة المزيد لكنني امتنعتُ عن البوح بالحقيقة...

فجأة سألتْ :

" هل... تعرف رغدُ ذلك ؟ "

و ربما للانفعال الذي ظهر على وجهي استنبطتْ هي الجواب دون أن أنطق...

ثم بدا عليها بعض التردد و قالتْ أخيرا :

" و ... هل ... لثروتي علاقة بذلك ؟ "

نظرتُ إليها مستغربا و سألتُ:

" ثروتك؟؟ ماذا تعنين؟ "

قالت :

" أعني... هل كنتَ تعرف... عن ثروة عمّي قبل زواجنا ؟ "

صُعقتُ من سؤالها... وقفتُ فجأة مذهولا كمن لدغته أفعى...
قلتُ :

" ما الذي تقولينه؟؟ "

أروى وقفتْ بدورها و أفلتتْ أعصابها منطلقة:

" أنا لا أعرف ما الذي أقوله... لا أعرف كيف أفكّر... قبل ساعات اكتشفتُ أن خطيبي هو قاتل ابن عمّي... و أنتَ تخفي عني الحقيقة... و ترفض البوح بشيء... كيف تريدني أن أفكّر يا وليد أنا أكاد أجن ... "

حقيقة لم أرَ أروى بهذه الحالة من قبل...

قلتُ بعصبية :

" لا علاقة لهذا بزواجنا يا أروى... لا تذهبي بأفكارك إلى الجحيم "

صرختْ :

" إذن قل لي الحقيقة "

" أي حقيقة يا أروى بعد ؟؟ "

" لماذا قتلتَ عمار و لماذا أخفيتَ الأمر عنّي ؟؟ و لماذا لا تريدني أن أعرف السبب ؟ "

وضعتُ يدي على جبيني و ضغطت على صدغي ّ حائلا دون انفجارهما...

" لماذا يا وليد ؟ "

صرختُ :

" أرجوك يا أروى... لا تضغطي علي... لا استطيع إخبارك عن الأسباب... "

احمرّ وجه أروى الأبيض غضبا و قالتْ و هي تهمّ بالمغادرة :

" سأعرفُ الأسباب... من رغد إذن "

و انطلقتْ نحو الباب

أبعدتُ يدي عن رأسي فجأة و تركتُه ينفجر صداعا قاتلا... و هتفتُ بسرعة :

" أروى انتظري "

لكن أروى كانت قد غادرتْ الغرفة و لالتصاق غرفتي بغرفة رغد سرعان ما مدّتْ ذراعها و طرقتْ باب رغد و نادتها

أسرعتُ خلفها محاولا منعها

" توقفي يا أروى إيّاكِ "

قلتُ ذلك و أنا أبعدُ يدها عن الباب...

" دعني يا وليد... أريد أن أعرف ما تخفيانه عني... "

جذبتُ أروى بقوة حتى آلمتُها و صرختُ بوجهها :

" قلتُ توقفي يا أروى ألا يكفي ما فعلتِه بالأمس ؟؟ يكفي "

" أنا ؟ ما الذي فعلتُه ؟ "

" ما قلتِه لرغد عن ثروتكِ و عما ننفقه من ثروتكِ... و أنتِ تعلمين يا أروى أنني احتفظ بسجل لكل المصروفات... و أنّ ما أعطيها إياه هو من راتبي أنا و مجهودي أنا... "

هنا فُتِح الباب و أطلتْ منه رغد...
أول ما اصطدمتْ نظراتنا تولّد شرر أعشى عينيّ...
هل رأيتموه ؟؟

حملقنا ببعضنا قليلا... و الطيور على رؤوسنا نحن الثلاثة...

أول ما تكلمتْ رغد قالت بحدة:

" نعم ؟ ماذا تريدان ؟ "

و نقلتْ بصرها بيننا... و لم ننطق لا أنا و لا أروى...

قالتْ رغد:

" من طرق بابي ؟ "

هنا أجابتْ أروى:

" أنا "

سألتْ رغد بغضب:

" ماذا تريدين ؟ "

أروى ترددتْ ثوانٍ لكنها قالت:

" سأسألك سؤالا واحدا "

هنا هتفتُ رادعا بغضب :

" أروى... قلتُ كلا "

التفتتْ إليّ أروى محتجةً :

" و لكن يا وليد "

فصرختُ مباشرة و بصرامة :

" قلتُ كلا ... ألا تسمعين ؟ "

ابتلعتْ أروى سؤالها و غيظها و أشاحتْ بوجهها و انصرفتْ من فورها...
لم يبقَ إلا أنا و رغد... و بضع بوصات تفصل فيما بيننا... و شريط البارحة يُعرض في مخيلتنا... عيوننا متعانقة و أنفاسنا مكتومة...
تراجعتْ رغد للخلف و همّتْ بإغلاق الباب ...

" انتظري "

استوقفتها... لم أكن أريدها أن تبتعد قبل أن أرتاح و لو قليلا...

" ماذا تريد ؟ "

سألتني فقلتُ بلطفٍ و رجاء :

" أن نتحدّث قليلا "

فردتْ بحدة و جفاء :

" لا أريد التحدث معك... دعني و شأني "

و دخلتْ الغرفة و أغلقتْ الباب بهدوء... لكنني شعرتُ به يصفع على وجهي و أكاد أجزم بأن الدماء تغرق أنفي...
جلستُ في الصالة مستسلما لتلاعب الأفكار برأسي تلاعب المضرب بكرة التنس... بعد ذلك رغبتُ في بعض الشاي علّه يخفف شيئا من صداع رأسي...
هبطتُ إلى الطابق السفلي و إلى المطبخ حيث وجدتُ أروى و خالتي تجلسان بوجوم حول المائدة...
حييتُ خالتي و شرعتُ بغلي بعض الماء...

" وليد "

التفتُ إلى أروى... التي نادتني و رأيتُ في وجهها تعبيرات الجد و الغضب...

" أريدُ العود إلى المزرعة "

حملقتُ في أروى غير مستوعبٍ لجملتها الأخيرة هذه... سألتُ :

" ماذا ؟ "

أجابتْ بحزم :

" أريد العودة إلى المزرعة... و فورا "

التفتُ إلى خالتي فهربتْ بعينيها إلى الأرض... عدتُ إلى أروى فوجدتُها تنتظر جوابي

قلتُ :

" ماذا تقولين ؟ "

" ما سمعتَ يا وليد... فهل لا دبّرت أمر عودتنا أنا و أمي الآن ؟؟ و إذا لم تستطع مرافقتنا فلا تقلق. نستطيع تدبير أمورنا في المطار و الطائرة "

عدتُ أنظر إلى خالتي فرأيتُها لا تزال محملقة في الأرض...

" خالتي ... "

التفتتْ إلي فسألتُ :

" هل تسمعين ما أسمع ؟ "

الخالة تنهدتْ قليلا ثم قالتْ :

" نعم يا بني. دعنا نعود لأرضنا فقد طال بعدنا و أضنانا الحنين "

أدركتُ أن الأمر قد تمتْ مناقشتُه و الاتفاق عليه من قِبلهما مسبقا... عدتُ أكلم أروى:

" ما هذا القرار المفاجئ يا أروى... غير ممكن ... تعلمين ذلك "

أروى قالت بحدة :

" أرجوك يا وليد... لستُ أناقش معك تأييدك من عدمه... أنا فقط أعلمك عن قراري و أريد منك شراء التذاكر... "

" أروى !! "

" و هذا قرار نهائي و لا تحاول ثنيي عنه...رجاء ً يا وليد احترم رغبتي ..."

و عبثا حاولتُ ... و باءتْ محاولاتي بالفشل... و أصرتْ أروى و أمها على العودة إلى المزرعة و بأسرع ما يمكن...
تركتُ الماء يغلي و يتبخر و ربما يحرق الإبريق... و خرجتُ من المنزل... لم يكن لدي هدف و لكنني أرت الابتعاد قبل إثارة شجار جديد...
حاولتُ إعادة تنظيم أفكاري و حلولي فأصابني الإعياء من كثرة التفكير...
عندما عدتُ وقت زوال الشمس... كانتْ أروى و خالتي قد حزمتا أغراضهما في الحقائب...

" بالله عليك يا أروى... تعلمين أنه لا يمكنكما السفر... "

قالت :

" لماذا ؟ "

قلتُ :

" تعرفين لماذا... لا يمكن أن... نبقى أنا و رغد بمفردنا "

و كأن كلامي هذا أشعل الجمر في وجهها... إني لم أرَ أروى غاضبة بهذا الشكل من ذي قبل...

" من أجل رغد ؟ لقد انتهينا يا وليد... أنا لم يعد يهمني ما تفعله و ما لا تفعله من أجل رغد... دبر أمورها بعيدا عني... لا علاقة لي بهذه الفتاة من الآن فصاعدا "

و تركتني و غادرتْ المكان...
وقفتُ حائرا غير قادر على التصرف... خاطبتني خالتي آنذاك :

" دعنا نذهب يا بني فهذا خيرٌ لنا "

قلتُ معترضا :

" كيف تقولين ذلك يا خالتي؟؟ تعرفين أن رغد تدرس في الكلية و لا يمكنني العودة بها إلى المزرعة و لا البقاء معها هنا وحيدين... أرجوكِ يا خالتي قدري موقفي... أرجوك ... اقنعي أروى بتغيير قرارها المفاجئ هذا "

لكن خالتي هزتْ رأسها سلبا... و قالتْ:

" ابنتي متعبة يا وليد... لقد لقيَتْ منك و من ابنة عمّك الكثير... رغم كل ما تفعله من أجلك... أنتَ صدمتها بقوة... و صدمتني كذلك... دعنا نعود إلى مزرعتنا نتنفس الصعداء... يرحمك الله "

لم أجرؤ على إطالة النظر في عينيها أكثر من ذلك... و لم أجسر على قول شيء... شعرتُ بالخجل من نفسي و أنا أقف حاملا ذنبي الكبير ...أمام كل ما فعلتْه عائلة نديم لي عبر كل تلك الشهور...
كم أشعر بأنني خذلتهم... و صدمتهم...
لكن...
ألم يكونوا يعرفون بأنني قاتل مجرم خريج سجون؟؟
هل يفرق الأمر فيما لو قتلتُ عمار عما لو قتلتُ غيره ؟؟
هل كان علي أن... أبوح بسري إلى أروى منذ البداية؟؟

كان يوما من أسوأ أيام حياتي... حاولتُ النوم من جديد بلا جدوى... و حاولتُ الذهاب إلى رغد و لم أجرؤ... و حاولتُ التحدث مع أروى فصدتني...

قبل غروب الشمس، ذهبتُ إلى أحد مكاتب شركة الطيران و حجزتُ أربعة تذاكر سفر إلى الشمال...

عدتُ بعد صلاة العشاء حاملا معي طعاما جلبتُه من أحد المطاعم...
كنتُ أشعر بالجوع و التعب و آخر ما أكلته كان بعض المكسرات ليلة أمس... كما و أن أروى لم تعد أي وجبة هذا اليوم...

" أحضرتُ أقراص البيتزا لنا جميعا... دعونا نتناولها فلابد أنكما جائعتان مثلي "

قلتُ ذلك و أنا أضع العلب الأربع على المنضدة في غرفة المعيشة، حيث كانت أروى و الخالة تجلسان و تشاهدان التلفاز...
الخالة ابتسمتْ ابتسامة سطحية أما أروى فلم تتحرك...
فتحتُ علبتِي و اقتطعتُ قطعة من البيتزا الساخنة و قضمتُها بشهية...

" لذيذة... تعالي يا أروى خذي حصّتك "

و مددتُ باتجاهها إحدى العلب... أروى لم تتحرك... فقلتُ مشجعا :

" إنها لذيذة بالفعل "

أتدرون بم ردّتْ ؟

" خذها لابنة عمك... لابد أنها الآن تتضور جوعا و هي حبيسة غرفتها منذ البارحة "

فوجئتُ و اغتظتُ من ردّها... و ما كان منّي إلا أن وضعتُ العلبة على المنضدة مجددا و أعدتُ قطعتي إلى علبتها كذلك...

الجو غدا مشحونا... و حاولتْ خالتي تلطيفه فأقبلتْ نحوي و أخذتْ إحدى العلب... و وضعتها بينها و بين أروى و بدأتْ بالأكل...

أما أروى فلم تلمسها...

حملتُ العلبة الثالثة و قلتُ و أنا أغادر الغرفة:

" نعم... سآخذها إليها "

و لا أدري بم تحدثتا بعد انصرافي...

حالما طرقتُ باب رغد و تحدثتُ إليها :

" أحضرتُ لك ِ قرص بيتزا... تفضلي "

ردتْ علي :

" لا أريد منك شيئا..."

امتصصتُ ردها المر رغما عني، و أجبرتُ لساني على الكلام :

" لماذا يا رغد؟ إلى متى ستصومين؟ هل تريدين الموت جوعا؟ "

و ردّتْ علي :

" أكرم لي من الأكل من ثروة الغرباء "

استفزني ردها فطرقتُ الباب بانفعال و أنا أقول :

" ما الذي تقولينه يا رغد؟ افتحي الباب و دعينا نتحدّث "

لكنها صاحتْ:

" دعني و شأني "

فما كان منّي إلا الانسحاب... مكسور الخاطر...
استلقيتُ على أريكة في الصالة العلوية... وسط الظلام... لا أرى إلا السواد يلون طريقي و عيني و أفكاري...

و مرتْ الساعة بعد الساعة... و الأرق يأكل رأسي... و الإجهاد يمزق بدني و الجوع يعصر معدتي... و يهيج قرحتي... و لم يغمضْ لي جفن أو يهدأ لي بال...

بعد سكون طويل سمعتُ صوت أحد الأبواب ينفتح...
لابد أنها رغد... إذ أن أروى و الخالة تنامان في غرفتين من الناحية الأخرى من المنزل، بعيدتين عن الصالة و عن غرفتينا أنا و رغد...
أصغيتُ السمع جيدا... شعرتُ بحركة ما... فقمتُ و حثثتُ الخطى نحو غرفة رغد...
رأيتُ الباب مفتوحا و يبدو أنها قد غادرتْ قبل ثوان...

وقفتُ عند الباب منتظرا عودتها... و أنا بالكاد أحملُ جسدي على رجلي... و استندُ إلى الجدار الفاصل فيما بين غرفتينا ليمنحني بعض الدعم...
كنتُ بحاجة لأن أراها و أكلمها و لو كلمة واحدة... عل ّ عيناي تأذنان بإسدال جفونهما...

بعد قليل أقبلتْ رغد...
و انتفضتْ حالما رأتني... و كذلك أنا... تشابكتْ نظراتنا بسرعة... و انفكّت بسرعة!

رغد كانتْ تحمل قارورة مياه معدنية... و كانت ترتدي ملابس النوم... و بدون حجاب...

أبعدتُ نظري عنها بتوتر و أنا أتنحنح و أستديرُ نحو باب غرفتي و افتحه و أخطو إلى الداخل... على عجل... و من ثم أغلق الباب... بل و أوصده بالمفتاح !

وقفتُ خلف الباب لبعض الوقت... أتصبّب عرقا و اضطرب نفسا و أتزايد نبضا... و أشدّ و أرخي عضلات فكي في توتر... حتى سمعتُ باب غرفة رغد ينغلق...
و نظرتُ إلى الجدار الفاصل بين غرفتينا... و اعتقد ... إن لم يكن السهر قد أودى بعقلي... أنني رأيتُ رغد من خلاله !

إنني أراها و أشعر بحركاتها... و أحس بالحرارة المنبعثة منها أيضا !

مرتْ دقائق أخرى و أنا لا أزال أشعر بها موجودة حولي... أكادُ أجن... من أجل التحدث معها و الاطمئنان عليها... و لو لدقيقة واحدة...

و لم أستطع تجاهل هذا الشعور...
فتحتُ بابي و خطوتُ نحو بابها و قبل أن يتغلب علي ترددي طرقته بخفة...

" رغد ... "

لم اسمع الجواب... لكني متأكد من أنها لم تنم...

عدتُ و طرقته من جديد :

" رغد... "

و سمعتُ صوتها يجيبني على مقربة... بل إنني كدت ألمسه ! أظنها كانت تهمسُ في الباب مباشرة !

" نعم ؟ "

ارتبكت ُ و تعثرتْ الكلمات على لساني...

" أأأ... إممم ... هل أنت ِ نائمة ؟ أعني مستيقظة ؟ "

" نعم "

" هل... استطيع التحدث معك ؟ "

لم تجب رغد...فحدقتُ النظر إلى الموضع الذي يصدر منه صوتها عبر الباب مفتشا عن كلامها!
أعرف... لن تصدقوني !
لكنني رأيتُه أيضا ...

" ماذا تريد ؟؟ "

أجبت ُ بصوت ٍ أجش :

" أن أتحدّث معكِ... قليلا فقط "

و لم ترد... قلتُ :

" أرجوكِ رغد... قليلا فقط "

و لم تجبْ... فكررتُ بنبرة شديدة الرجاء و اللطف :

" أرجوكِ... "

بعد ثوان انفتح الباب ببطء...
كانتْ صغيرتي تنظرُ إلى الأرض و تتحاشى عيني ّ... أما أنا فكنتُ أفتش عن أشياء كثيرة في عينيها... عن أجوبة لعشرات الأسئلة التي تنخُر دماغي منذ الأمس...
عن شيء ٍ يطمئنني و يسكّن التهيّج في صدري...
و يمحو كلماتها القاسية ( أكرهك يا بليد ) من أذني ّ ....

" أنا آسف صغيرتي و لكن... أود الاطمئنان عليكِ "

ألقتْ رغد عليّ نظرة خاطفة و عادتْ تخبـّئ بصرها تحت الأرض...

" هل أنت ِ بخير ؟ "

أومأت ْ إيجابا... فشعرت ُ ببعض ٍ من راحة ٍ ... ما كان أحوجني إليها...

" هل... يمكننا الجلوس و التحدث قليلا ؟ "

رفعت ْ نظرها إليّ مستغربة، فهو ليس بالوقت المناسب للحديث ... و كنت ُ أدرك ذلك، لكنني كنت ُ غاية في الأرق و انشغال البال و لن يجد النوم لعيني ّ سبيلا قبل أن أتحدث معها...

" أرجوك...فأنا متعب... و أريد أن أرتاح قليلا... أرجوكِ "

ربما خرج رجائي عميقا أقرب إلى التوسل... كما خرج صوتي ضعيفا أقرب إلى الهمس... و تفهّمتْ رغد ذلك و فسحتْ لي المجال للدخول...

توجهت ُ مباشرة إلى الكرسي عند المكتب و جلست ُ عليه... و أشرتُ إليها :

" اجلسي رغد "

فجلستْ هي على طرف السرير...
حاولتُ تنظيم أفكاري و انتقاء الكلمات و الجمل المناسبة و لكن حالتي تلك الساعة لم تكن كأي حالة...
لمحت ُ قارورة الماء نصف فارغة موضوعة على المكتب إلى جواري...

" رغد... ألا تشعرين بالجوع ؟ "

سرعان ما نظرتْ إلي تعلوها الدهشة !
فهو ليس بالموضوع الذي يتوقع المرء أن يدور نقاشٌ طارئ ٌ في منتصف الليل حوله!

قلت ُ بحنان :

" يجب أن تأكلي شيئا قبل أن تنامي... "

عقــّبتْ هي باندهاش :

" أهذا كل شيء ؟؟ "

تأوهت ُ و قلت ُ:

" لا و لكن... أنت ِ لم تأكلي شيئا منذ ليلتين و أخشى أن يصيبك الإعياء يا رغد "

لم تتجاوب معي... فأدرت ُ الحديث إلى جهة أخرى...

" رغد... مهما كان ما قالته أروى... أو مهما كان شعوركِ نحوها... أو حتى نحوي... لا تجعلي ذلك يزعزع من ثقتك... بأن ّ... بأن ّ... "

و تعلقت ْ الكلمات على طرف لساني برهة شعرتُ فيها بالشلل... ثم أتممت ُ جملتي بصوت أجش...

" بأنكِ... كما كنت ِ... و كما ستظلين دائما... صغيرتي التي... التي... "

و تنهدتُ بمرارة...

" التي ... أحبُ أن أرعاها و أهتم بجميع شؤونها مهما كانت... "

نظرت ْ إلي بتمعن و اهتمام... و لكنها لم تعلـّـق...

أضفتُ :

" و كل ما أملك يا رغد... قل ّ أم كثر... هو ملكك ِ أنت ِ أيضا و تحت تصرّفكِ... يا رغد... أنا لا آخذ شيئا من ثروة أروى... إنما استلم راتبا كأي موظف... إنني احتل منصب المدير كما تعلمين... و دخلي كبير... فلا تظني بأنني أحصل على المال دون عناء أو دون عمل... "

رغد قالت فجأة:

" بل أنا من ... يحصل عليه دون عناء و دون عمل... و دون حق و لا مقابل "

ازداد ضيق صدري و لم يعد قادرا حتى على التنهّد...

سألتها بمرارة و أنا أحس بعصارة معدتي تكاد تحرق حبالي الصوتية:

" لماذا يا رغد؟؟ لماذا دائما... تقولين مثل هذا الكلام؟؟ ألا تدركين أنك... تجرحين شعوري؟"

تعبيرات رغد نمّتْ عن الندم و الرغبة في الإيضاح... و لكن لا أعرف لم انعقد لسانها...

قلتُ :

" رغد... أنا ... لطالما اعتنيتُ بكِ... ليس لأن من واجبي ذلك... حتى في وجود والدي ّ رحمهما الله... و حتى و أنت ِ مرتبطة بسامر... و أنت ِ طفلة و أنتِ بالغة و أنت ِ في كل الأحوال و مهما كانت الأحوال... دائما يا رغد... أنتِ صغيرتي التي أريد و لا شيء يبهجني في حياتي أكثر من ... أن اعتني بها... كجزء ٍ لا يتجزأ منّي يا رغد... "

أجهل مصدر الجرأة التي ألهمتني البوح بهذه الكلمات الشجية وسط هذا الظلام الساكن...

تلعثمتْ التعبيرات على وجه رغد... أهي سعيدة أم حزينة؟ أهي مصدقة أم مكذبة؟ لا يمكنني الجزم...

سألتني و كأنها تريد أن تستوثق من حقيقة تدركها... ليطمئن قلبها :

" صحيح... وليد ؟ "

لم أشعر بأن إجابتي من كل هذا البعد ستكون قوية ما يكفي لطمأنتها... وقفتُ... سرتُ نحوها... أراها أيضا بعيدة... أجثو على ركبتيّ... تصبح عيناي أقرب إلى عينيها... تمتد يداي و تمسكان بيديها... ينطق لساني مؤكدا :

" صحيح يا رغد... و رب الكعبة... الذي سيحاسبني عن كل آهة تنفثينها من صدرك بألم... و عن كل لحظة تشعرين فيها باليتم أو الحاجة لشيء و أنا حي على وجه الأرض... لا تزيدي من عذابي يا رغد... أنا لا استطيع أن أنام و في صدرك ضيق و لا أن أهدأ و في بالك شاغل... و لا حتى أن آكل و أنت ِ جائعة يا رغد... أرجوك... أريحيني من هذا العذاب... "

لم أشعر إلا ويدا رغد تتحرران من بين يدي و تمسكان بكتفي ّ

" وليد..."

امتزجتْ نظراتنا ببعضها البعض... و لم يعد بالإمكان الفصل فيما بينها...
عينا رغد بدأتا تبرقان باللآلئ المائية...

قلتُ بسرعة :

" لا تبكي أرجوك "

رغد ربما ابتلعتْ عبراتها في عينيها و سحبتْ يديها و شبكتْ أصابعها ببعضها البعض... ثم طأطأتْ رأسها هاربة من نظراتي...

ناديتُها مرة و مرتين...لكنها لم ترفع عينيها إلي ّ... ولم تجبني...

" رغد... أرجوك... فقط ... قولي لي أنكِ بخير حتى أذهب مرتاحا... أنا بحاجة للنوم... كي أستطيع أن أفكر... لا استطيع التفكير بشيء آخر و أنا... قلق عليك ِ "

أخيرا رغد رفعتْ عينيها و نظرتْ إليّ...

" هل ... أنتِ بخير ؟؟ "

هزّتْ رأسها و أجابت :

" نعم ... بخير "

تنهدتُ ببعض الارتياح... ثم قلتُ :

" جيد... لكن... يجب أن تتناولي بعض الطعام قبل أن تنامي... هل أعيد تسخين البيتزا؟؟"

قالتْ مباشرة :

" لا... لا ..."

قلتُ :

" إذن... تناولي أي شيء آخر قبل أن تنامي... رجاء ً "

نظرتْ إلى الأرض و أومأتْ إيجابا...

تأملتُها برهة عن قرب... ثم وقفتُ و أعدت ُ تأمّلها من زاوية أبعد... و مهما تبعد المسافات... إنها إلى قلبي و كياني أقرب... و أقرب...
أقرب من أن أقوى على تجاهل وجودها و لو لبرهة واحدة...
أقرب من أن أستطيع أن أغفو دون أن أحس بحرارة قربها... في جفوني...
و أقرب من أن أسمح لصدى ( أكرهكَ يا بليد ) بأن... يبعدها عنّي...

قلتُ :

" حسنا صغيرتي... سأترككِ تأكلين و تنامين... "

و خطوتُ نحو الباب... ثم عدتُ مجددا أتأملها... راغبا في مزيد من الاطمئنان عليها... متمسكا بآخر طيف لها... يبرق في عيني ّ...

" أتأمرين بشيء ؟ "

رغد حركتْ عينيها إليّ... ثم قالتْ :

" كلا... شكرا "

فقلتُ :

" بل ... شكرا لك ِ أنتِ صغيرتي... و اعذريني... "

و ختمتُ أخيرا :

" تصبحين على خير "

و غادرتُ غرفتها عائدا إلى غرفتي...

رميتُ أطرافي الأربعة على سريري ناشدا الراحة... لكني لم أحصل حقيقة عليها ... لم تكن جرعة رغد كافية لتخدير وعيي... و لليلة الثانية على التوالي أعاصر بزوغ الفجر و أشهد مسيرة قرص الشمس اليومية تشق طريقها ساعة ً ساعة ... عبر ساحة السماء...





~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

يتبع

__________________
نسمة ياسمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2010, 10:33 AM   #103
نسمة ياسمين
مميز وفعـــال
 
الصورة الرمزية نسمة ياسمين
 
تاريخ التسجيل: 15 / 1 / 2008
الدولة: الـزهــرة
الجنس:    
المشاركات: 1,068
معدل تقييم المستوى: 761
نسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدى
افتراضي رد: رواية (رغد.. انت لي) كاملة من البداية الى النهاية

صحوت ُ من نومي القصير و أنا أشعر بدوار شديد و رجفة في أطرافي... و إجهاد و ضعف عام في عضلاتي... لم استطع التحرك عن موضعي في السرير... لابد أن السبب هو الجوع فأنا لم آكل شيئا منذ ليلة شجاري مع الشقراء... و بالرغم من أن وليد نصحني بالطعام البارحة إلا أنني لم أكن أشعر بأي شهية له

هذا إضافة إلى تأثير السهر و الأرق... اللذين لم يبرحاني مذ حينها...

كلّما حاولتُ الحركة ازداد الدوار... و تسارعتْ خفقات قلبي ... و صعُبَ تنفسي...إنه ذات الشعور الذي داهمني يوم فرارنا حفاة من المدينة الصناعية... و تشردنا جياعا عطشى في البر...
أمن أحد ليساعدني؟ أريد بعض الماء ... أريد قطعة خبز... أكاد أفقد وعيي...!
أغمضتُ عيني و تنفستُ بعمق و حبستُ الهواء بصدري كي أمنع عصارة معدتي من الخروج... و زفرتُ أنّة طويلة تمنيتُ أن تصل إلى مسامع وليد... لكن الجدار الفاصل بيننا بالتأكيد امتص أنيني...

بعد قليل سمعتُ طرقا على الباب... معقول أنه وليد قد سمعني؟ الحمد لله...!

استجمعتُ بقايا قوتي و قلتُ مباشرة:

" ادخل "

لم أكن ارتدي غير ملابس النوم و لكن أي قوة أملك حتى أنهض و أضع حجابي؟؟ لففتُ لحافي حولي عشوائيا و كررتُ:

" ادخل "

انفتح الباب ببطء و حذر...

قلتُ بسرعة مؤكدة :

" تفضل "

بسرعة... أنقذني...
و أنا انظر نحو الباب... بلهفة...
أتدرون من ظهر؟
إنها أروى...
فوجئتُ بها هي تدخل الغرفة...
قالتْ و هي تقفُ قرب الباب :

" أريد أن أتحدّث معك "

أغمضتُ عيني... إشارة إلى أنني لا أريدها... إلى أنني متعبة... إلى أنني لم أكن أنتظرها هي... و لم أكن لأطلب العون منها...

قالتْ :

" هو سؤال واحد أجيبيه و سأخرج من غرفتك "

قلتُ و أنا أزفر بتعب :

" أخرجي "

لكن أروى لم تخرج... فتحتُ عيني ّ فوجدتها تقتربُ منّي أكثر... أردتُ أن أنهض فغلبني الدوار... أشحتُ بوجهي بعيدا عنها... لا أريد أن أراها و لا أريد أن تراني بهذه الحالة...

أروى قالتْ :

" فقط أجيبيني عن هذا السؤال يا رغد... يجب أن تجيبيني عليه الآن... "

لم أتجاوب معها
حلّي عني يا أروى ! ألا يكفي ما أنا فيه الآن ؟؟ إنني إن استدرتُ إليك فسأتقيأ على وجهك الجميل هذا...

" رغد "

نادتني

فأجبتُ بحنق :

" ماذا تريدين منّي ؟ "

قالتْ :

" أخبريني... أتعرفين... لماذا ... قتل وليد عمّار ؟؟ "

انتفض جسمي كلّه فجأة... و الخفقات التي كانت تهرول في قلبي صارتْ تركض بسرعة... بأقصى سرعة...
التفت ُ إلى أروى... أو ربما الغرفة هي التي دارتْ و جعلتْ وجهها مقابل وجهي... لست ُ أكيدة...

حملقتْ أروى بي ثم قالتْ :

" تعرفين السبب... أليس كذلك ؟ أنا واثقة..."

هززتُ رأسي نفيا... أريد محو السؤال و محو صورتها و محو الذكريات التي كسرتْ الباب و اقتحمتْ مخيّلتي فجأة ... هذه اللحظة...

قالت أروى:

" بل تعرفين... تصرفاتك و انفعالك يؤكد ذلك يا رغد... أنا واثقة من هذا... لا أعرف لم أنتما مصران على إخفاء الأمر عنّي... لكن... "

هتفتُ :

" كفى..."

أروى قالتْ بإصرار :

" للأمر... علاقة بك ِ أنت ِ... أليس كذلك ؟؟ "

صرخت ُ و أنا أحاول صم أذني ّ عن سماع المزيد... و إعماء عيني عن رؤية شريط الماضي...

" يكفي "

لكن أروى تابعتْ :

" أخبريني يا رغد... يجب أن تخبريني... لماذا قتل وليد عمّار... و ما علاقتكِ أنتِ بهذا ... لماذا صرخت ِ حين رأيت ِ صورته معلقة على جدار المكتب؟؟ و لماذا تنعتانه أنتما الاثنان بالحقير؟؟ ماذا فعل؟؟ ما الذي ارتكبه و جعل وليد... يقتله انتقاما؟؟ أنت ِ تعرفين الحقيقة... أليس كذلك؟؟ من حقي أن أعرف... أخبريني ... "

" كفى... كفى ... كفى ... "

صرختُ و أنا أضغط بيدي كلتيهما بقوة على صدغي ّ محاولة منع الذكرى المريرة الملغومة من الانفجار في رأسي...

آنذاك... ظهر لي وجه عمار في الصورة... نعم... لقد رأيتُه يقترب منّي... رأيتُ يديه تمتدان نحوي... قفزت ُ عن سريري مفزوعة... صرختُ ... رأيت ُ الجدران تتصدع إثر صراخي... رأيتُ السقف ينهار... و الأرض تهتز ... أحسست ُ بعيني تدور ... و الغرفة تدور... و شعرت ُ بيد ٍ ما تمتد ُ نحوي... تحاول الإمساك بي...
إنها... يد عمّار !


" لا... لا... لاااااااااااااا "

على هذه الصرخات انتفضتُ و رميتُ بفرشاة أسناني جانبا و خرجتُ من الحمام مسرعا مبتلعا بقايا المعجون دفعة واحدة و مطلقا ساقي ّ للريح... نحو غرفة رغد...
كان الباب مفتوحا و الصراخ ينطلق عبره... مفزِعا...
اقتحمتُ الغرفة فورا و رأيتُ رغد واقفة عند سريرها ممسكة برأسها بكلتا يديها و تصرخ مذعورة ... فيما أروى واقفة مذهولة إلى جوارها معلقة يديها في الهواء...

" رغد ؟؟ "

هرولتُ باتجاهها مفزوعا طائر العقل ... و رأيتُ يديها تبتعدان فجأة عن رأسها و تمتدان نحوي... و في ثوانٍ... تخطو إلي ّ... و تهوي على صدري... و تطبق علي ّ...

تعثر قلبي الراكض و انزلق أرضا بعنف... جراء الموقف...
كنتُ مذهولا ... لا أعرف و لا أدرك ما يحصل من حولي...

" رغد ؟؟ "

صرخت ُ فزعا... و أنا ألتقطها بين ذراعي فجأة و أضمها إلي ّ و أشعر بصراخها يخترق أضلاع قفصي الصدري...

" بسم الله الرحمن الرحيم... ماذا حصل رغد ...؟ "

حاولت ُ إبعاد رأسها كي أنظر إلى عينيها لكنها غاصتْ بداخلي بعمق ... بقوة و هي تصرخ:

" أبعده عني... أبعده عنـّـي ... أبعده عنـّـي "

ألقيتُ نظرة خاطفة على أروى فرأيتها مجفلة فزعة محملقة بعينيها...

صرختُ :

" ماذا حصل ؟ "

لم تقو َ على الكلام...

صرختُ ثانية :

" ماذا حصل ؟؟ يا أروى؟؟ "

تأتأتْ أروى :

" لا... أدري... "

أبعدتُ رأس رغد عن صدري فلم تقاوم... نظرتُ إلى عينيها أريد أن أسألها عمّا حصل... فإذا بهما تحملقان في الفراغ... و إذا بذراعيها تهويان فجأة على جانبيها... و إذا بها تنزلق من بين يدي...

بسرعة أمسكتُ بها و أنا أصرخ:

" رغد... رغد "

رفعتُها إلى السرير و جعلتُ أخاطبها و أهزها ... لكن عينيها كانتا تبحلقان في اللاشيء... و فجأة دارتا للأعلى و انسدل جفناها من فوقهما...

" رغد... رغد... ما بك ... رغد أجيبيني "

لكنها لم تجب...

صرختُ بانفعال :

" أجيبيني يا رغد... رغد...أرجوكِ... "

و أنا أهزها بعنف محاولا إيقاظها... لكنها... بدت فجأة كالميتة....
تزلزل قلبي تحت قدمي مرتاعا و صرختُ مذهولا:

" يا إلهي... ماتت ْ صغيرتي ماتت ْ ..."

و أنا مستمر في هزّها بعنف دون جدوى...

التفتُ إلى أروى و صرختُ بقوة:

" طبيب... إسعاف... ماء ... افعلي شيئا... احضري شيئا ... تحركي بسرعة "

و أروى واقفة كالتمثال ... متجمدة في فزع ..

صرختُ :

" هيا بسرعة "

تحركتْ أروى باعتباط ... يمينا يسارا حتى إذا ما لمحتْ قارورة الماء تلك على المكتب... أسرعتْ إليها و جلبتها لي
رششتُ الماء على وجه رغد ... بل إنني أغرقتُه و أنا لا أزال أهزها و أضرب خديها بقوة... حتى ورّمتهما....
رغد فتحتْ عينيها فناديتها مرارا لكنها لم تكن تنظر إليّ أو حتى تسمعني... بدتْ و كأنها تسبح في عالم آخر...

" رغد... أتسمعينني؟؟ ردي عليّ... ردي عليّ يا رغد أرجوك... "

و لم تتجاوب معي...
بسرعة قربتُ من فمها قارورة الماء و طلبتُ منها أن تفتحه و تشرب...
رغد لم تحرك شفتيها... بل عادتْ و أغمضتْ عينيها... لكنها لا تزال تتنفس... و لا يزال الشريان ينبض في عنقها بعنف...
أبعدت ُ القارورة و رحت ُ أحرك رأسها يمينا و شمالا بقوة ... محاولا إيقاظها...
و التفتُ إلى أروى آمرا :

" أحضري بعض السكّر "

وقد تفجرتْ فكرة هبوط السكر في بالي فجأة...

أروى حدّقت بي ببلاهة... غير مستوعبة لشيء فهتفتُ:

" السكر يا أروى... بسرعة "

وانطلقتْ أخيرا خارج الغرفة و عادتْ بعد ثوان تحمل علبة السكّر...
كانتْ رغد لا تزال شبه غائبة عن الوعي على ذراعي...
تناولتُ علبة السكر بسرعة و سكبتُ كمية منه داخل القارورة و رججتها بعنف... ثم قرّبتها من رغد مجددا :

" رغد... أتسمعينني؟؟ افتحي فمك..."

لكنها فتحتْ عينيها و نظرتْ إليّ...
رأس رغد كان على ذراعي اليسرى و القارورة في يدي اليمنى... ألصقتُها بشفتيها و قلتُ:

" هيا يا رغد...افتحي فمك "

لم تع ِ رغد كلامي...
رفعت ُ رأسها و فتحت ُ فمها بنفسي... و دلقت ُ شيئا من الشراب فيه...

" اشربي...."

عينا رغد أوشكتا على الإغماض... فهززتها بقوة :

" أوه لا... لا تنامي الآن... أفيقي... اشربي هيا... "

و رفعت ُ رأسها للأعلى أكثر...
حينها وصل الشراب إلى بلعومها فسعلتْ... و ارتد الشراب إلى الخارج...
فتحتْ رغد عينيها و بدا و كأنها استردتْ شيئا من وعيها إثر ذلك...

قربت ُ القارورة من فمها مجددا و قلتُ:

" أتسمعينني يا رغد ؟؟ اشربي... أرجوك..."

سكبتُ كمية أخرى في فمها فابتلعتها رغد فجأة... ثم فجأة رأيتُ المزيج يخرج من فمها و أنفها... و ينسكب مبللا وجهها و ملابسها...

" أوه يا رغد.... كلا... كلا...."

ضممتُها إلى صدري بهلع ... بفزع... بعشوائية... و بانهيار...
كانت طرية كالورقة المبللة...

غمست ُ يدي في علبة السكّر و أخذتُ حفنة منه... و رفعتُها نحو فمها المفغور و نثرتُها فيه... مبعثرا الذرات على وجهها المبلل و على عنقها و ملابسها و في كل مكان من شدّة اضطرابي...

" ابلعيه... أرجوك... أرجوك يا رغد... "

عدتُ و أخذتُ كمية أخرى و حشوتُ فمها بها... و أغلقتُه بيدي... و هي مستسلمة لا تقاوم... و لا تظهر على قسمات وجهها أية تعبيرات...
كأنها تمثال من الورق الذابل...
كانت... كالميتة على ذراعي...
عدتُ أخاطبها فخرج صوتي مبحوحا ممزقا... و كأن حفنة السكر تلك قد انحشرتْ في حنجرتي أنا... و أعطبتْ حبالي الصوتية...

" ابلعيه يا رغد... أرجوك... يجب أن تبلعيه... يا إلهي ماذا جرى لصغيرتي ؟؟ "

أبعدتُ رأس رغد عنّي قليلا... فرأيتُ عينيها نصف مفتوحتين تحملقان في اللاشيء ... و فمها مفتوح تنساب من زاويتيه قطرات اللعاب ممزوجة بحبيبات السكر....
و شيئا فشيئا بدأتْ تحرّك عينيها و فمها و تستعيد وعيها...

" رغد ... "

صحت ُ بلهفة... و أنا أرى عينيها تدوران في الغرفة و من ثم تنظران إلي ّ

" رغد... رغد... هل تسمعينني ؟؟ "

رغد تنظر إلي... إذن فهي تراني... و تسمعني...
فمها أراه يتحرك و يبتلع السكر...

بسرعة تناولت ُ قارورة المزيج تلك و ألصقتُها بفمها مباشرة و قلتُ :

" اشربي ... أرجوك... أرجوك... "

شربتْ رغد جرعة ... و ابتلعتْها... تلتها جرعة أخرى...
أبعدت ُ القارورة و أعدتُ رجها بقوة... ثم قربتُها من شفتيها و طلبتُ منها أن تشرب المزيد...

" اشربي... قليلا بعد يا رغد... هيا ... "

حتى أرغمتُها على شرب المزيج كاملا... و قد تجاوبتْ منقادة و نصف واعية على ذراعي...
و هي على ذراعي... استردّتْ وعيها تدريجيا...
و هي على ذراعي... كانتْ تتنفس بقوة... و اضطراب... و ترتعش كعصفور يحتضر...
و هي على ذراعي... انحدرتْ من عيني دمعة كبيرة... بحجم السنين التي فرقتْ فيما بيننا...
و هي على ذراعي... و أنا ممسك بها بكل قوتي و كل ضعفي... مخافة أن تنزلق من بين يدي... مخافة من أن يبعدها القدر عني... مخافة من أن أفقدها هذه المرة... للأبد...

لقد كانت شبه ميتة بين يدي...
رغد الحبيبة... طفلتي الغالية... منبع عواطفي و مصبها... شبه ميتة... على ذراعي ؟؟

" هل تسمعينني يا رغد ؟ أتسمعينني ؟ "

سألتُها عندما رأيتُها تحدّق بي... بدتْ و كأنها مشوشة و غير قادرة على التركيز... أخذتْ تدور بعينيها على ما حولها... توقفتْ برهة تحملق في أروى... و أخيرا عادتْ إلي...

" أخبريني... هل أنتِ بخير؟؟ أتسمعينني؟؟ أتستطيعين التحدّث؟ ردي عليّ يا رغد أرجوك... "

" وليد... "

أخيرا نطقتْ...

قلتُ بلهفة :

" نعم رغد... أأنت ِ بخير؟؟ كيف تشعرين؟ "

رغد أغمضتْ عينيها بقوة... كأنها تعتصر ألما... ثم غمرتْ وجهها في صدري... و شعرتُ بأنفاسها الدافئة تتخلخل ملابسي... كما أحسستُ بالبلل يمتصه قميصي... من وجهها...

حركتُ يدي نحو كتفها و ربتُ بخفة:

" رغد...؟؟ "

تجاوبتْ رغد معي... أحسستُ بهمسها يصطدم بصدري... لم أميّز ما قالتْ أولا... لكنها حين كررتْ الجملة استطاعتْ أذناي التقاطها ...

" أبعده عنّي... "

توقفتُ برهةً أفتشُ عن تفسيرٍ لما سمعتُ... سألتُها بحيرة و عدم استيعاب :

" أُبعِدُهُ عنكِ ؟؟ "

كررتْ رغد... و هي تغمرُ وجهها أكثر في ثنايا قميصي :

" أَبعدهُ عنّي ... "

قلتُ مستغربا :

" من ؟؟ "

سرتْ رعشة في جسد رغد انتقلتْ إليّ ... نظرتُ إلى يدها الممدودة جانبا فرأيتُها ترتجفُ... و رأيتُها تتحرك نحوي و تتشبثْ بي... كانتْ باردة كالثلج... و أيضا أحسستُ برأسها ينغمسُ في داخلي أكثر فأكثر... ثم سمعتُها تقول بصوتٍ مرتجف واهن:

" عمّار "

آن ذاك... جفلتُ و تصلبتْ عضلاتي فجأة... و تفجرتْ الدهشة كقنبلة على وجهي...
حركتُ يدي إلى رأسها و أدرتُه إليّ... لأرى عينيها... فتحتْ هي عينيها و نظرتْ إليّ...

قلتُ :

" من ؟؟ "

فردّتْ :

" عمار... أبعده عنّي... أرجوك "

اختنق صوتي في حنجرتي بينما ارتجّتْ الأفكار في رأسي...

قلتُ :

" عمــ....مار ؟؟ لكن... "

و لم أقوَ على التتمة...
ماذا جرى لصغيرتي ؟ ما الذي تهذي به ؟؟

قالتْ :

" أبعده... أرجوك "

ازدردتُ ريقي بفزع و أنا أقول :

" أين... هو ؟ "

رغد حركتْ عينيها و نظرتْ نحو أروى... ثم هزتْ رأسها و أغمضتْ عينيها و عادتْ و غمرتْ وجهها في صدري و هي تصيح :

" أبعده عني... أبعده عنّي... وليد أرجوك..."

آنذاك... شعرتُ بأن خلايا جسمي كلها انفصمتْ عن بعضها البعض و تبعثرتْ على أقطار الأرض... و فشلتُ في جمعها...

البقايا المتبقية لي من قوة استخدمتُها في الطبطبة على رغد و أنا أردد :

" بسم الله عليكِ... اهدئي يا رغد... ماذا حل بكِ؟ ...هل رأيتِ كابوسا ؟؟ "

رغد كررتْ مجددا و هذه المرة و هي تبكي و تشدّ ُ الضغط عليّ متوسلة:

" أبعده يا وليد... أرجوك... لا تتركني وحدي... لا تذهب..."

" أنا هنا يا رغد... بسم الله عليكِ... يا إلهي ماذا حصل لكِ ؟ هل تعين ما تقولين؟ "

أبعدتْ رغد رأسها قليلا و وجهتْ نظرها إلى أروى و صاحتْ مجددا:

" أبعده أرجوك... أرجوك... أنا خائفة... "

جُن ّ جنوني و أنا أرى الصغيرة بهذه الحالة المهولة ترتجف ذعرا بين يدي ...
هتفتُ بوجه أروى :

" ماذا فعلت ِ بالصغيرة يا أروى ؟ "

أروى واقفة مدهَشة متجمدة في مكانها تنظر إلينا بارتباك و هلع...

صرخت ُ :

" ماذا فعلت ِ يا أروى تكلّمي ؟ "

ردتْ أروى باضطراب:

" أنا ؟؟ لا شيء... لم أفعل شيئا "

قلت ُ آمرا بصرامة :

" انصرفي الآن ... "

حملقتْ أروى بي مذهولة فكررت ُ بغضب :

" انصرفي هيا ... "

حينها خرجتْ أروى من الغرفة... و بقينا أنا و رغد منفردين... يمتص كل منا طاقته من الآخر...
كانت الصغيرة لا تزال تئن مراعة في حضني... حاولتُ أن أبعدها عنّي قليلا إلا أنها قاومتني و تشبثتْ بي أكثر...
لم استطع فعل شيء حيال ذلك... و تركتُها كما هي...
هدأتْ نوبة البكاء و الروع أخيرا... بعدها رفعتْ رغد رأسها إلي و تعانقتْ نظراتنا طويلا...

سألتُها :

" أأنت ِ بخير ؟ "

فأومأتْ إيجابا...

" كيف تشعرين ؟ "

" برد ... "

قالتْ ذلك و الرعشة تسري في جسمها النحيل...
جعلتُها تضطجع على الوسادة و غطيتها باللحاف و البطانية... و درتُ ببصري من حولي فوجدتُ أحد أوشحتها معلقا بالجوار فجلبتُه...
و أنا ألفّه حول وجهها انتبهتُ لحبيبات السكر المبعثرة على وجهها و شعرها... و ببساطة رحتُ أنفضها بأصابعي...
كان وجهها متورما محمرا من كثرة ما ضربته! أرى آثار أصابعي مطبوعة عليه !...
آه كم بدا ذلك مؤلما... لقد شقّ في قلبي أخدودا عميقا...
أنا آسف يا صغيرتي...سامحيني...

لففتُ الوشاح على رأسها بإحكام مانعا أي ٍ من خصلات شعرها القصير الحريري من التسلل عبر طرفه...

" ستشعرين بالدفء الآن... "

سحبت ُ الكرسي إلى جوار السرير و جلستُ قرب رغد أراقبها...
إنها بخير... أليس كذلك؟
هاهي تتنفس... و هاهما عيناها تجولان في الغرفة... و هاهو رأسها يتحرك و ينغمر أكثر و أكثر في الوسادة...
لابد أنه هبوط السكّر... فقد مرتْ رغد بحالة مشابهة من قبل... لكنها لم تكن تهذي آنذاك...
هل كان كابوسا أفزعها؟؟
هل قالتْ لها أروى شيئا أثار ذعرها؟؟
ماذا حصل؟؟
لابد أن أعرف...

انتظرتُ حتى استرددتُ أنفاسي المخطوفة... و استرجعتُ شيئا من قواي الخائرة... و ازدردت ُ ريقي الجاف إلا عن طعم المعجون الذي لا يزال عالقا به... و استوعبتُ الموقف، ثم خاطبتُ رغد :

" رغد "

التفتتْ رغد إلي ّ فسألتُها:

" ماذا... حصل ؟ "

كنتُ أريد الاطمئنان على وعيها و إدراكها... و معرفة تفسير ما حدث...
رغد نظرتْ إلي ّ نظرة بائسة... ثم قالتْ و صوتها هامس خفيف:

" شعرت ُ بالدوخة منذ استيقاظي... و عندما وقفت ُ أظلمتْ الصورة في عيني ّ و فقدت ُ توازني... "

ثم أضافتْ :

" لم آكل شيئا... أظن أنه السبب "

ثم تنهّدتْ باسترخاء...
قلتُ :

" أهذا كل شيء؟"

قالت :

" نعم "

" و أنتِ الآن... بخير ؟؟ "

أجابتْ :

" نعم... بخير "

تنهدتُ شبه مطمئنا و قلتُ :

" الحمد لله..."

و أضفتُ :

" لقد أفزعتني..."

نظرتْ هي إليّ ثم غضّت بصرها اعتذارا...

قلتُ :

" الحمد لله... المهم أنكِ بخير الآن "

عقبتْ :

" الحمد لله "

سكتُ قليلا و الطمأنينة تنمو في داخلي، ثم استرسلتُ :

" إذن... لم تأكلي شيئا البارحة.. أليس كذلك ؟ "

و لم أرَ على وجهها علامات الإنكار...

قلت ُ معاتبا و لكن بلطف:

" لماذا يا رغد؟ لم تسمعي كلامي... أتريدين إيذاء نفسك؟؟ انظري إلى النتيجة... لقد جعلت ِ الدماء تجف في عروقي هلعا..."

حملقتْ رغد بي لبرهة أو يزيد... ثم نقلتْ بصرها إلى اللحاف بعيدا عنّي... تأسفا و خجلا...
لم يكن الوقت المناسب للعتاب.. لكن خوفي عليها كاد يقتلني... و أريد أن أعرف ما حصل معها...

قلت ُ :

" أحقا هذا كل ما في الأمر ؟ "

عادتْ رغد تنظر إليّ مؤكدة :

" نعم... لا تقلق... أنا بخير الآن "

سألت ُ :

" و أروى... ماذا كانت تفعل هنا ؟ "

أجهل معنى النظرات التي وجهتها رغد نحوي... لكنني رجّحت ُ أنها لا تود الإجابة...
احترتُ في أمري... أردت ُ أن أسألها عما جعلها تشير إليها كـ عمار... و لم أجرؤ...

قلتُ أخيرا... و أنا أهب ُ واقفا :

" حسنا... دعيني أحضر لك ِ شيئا تأكلينه "

و هممتُ بالانصراف غير أن رغد نادتني:

" وليد... "

التفتُ إليها و رأيتُ الكلام مبعثرا في عينيها... لا أعرف ماذا كانت تود القول... غير أنها غيّرت حديثها و قالتْ:

" أنا آسفة "

ابتسمتُ ابتسامة سطحية و قلتُ مشجعا :

" لا عليك "

ابتسمتْ هي بامتنان و قالتْ :

" شكرا لكَ "

و غادرت ُ الغرفة... مطمئن البال نسبيا و اتجهتُ إلى المطبخ...

هناك حضرت ُ الشاي و فتشتُ عن بعض الطعام فوجدت ُ علب البيتزا التي كنتُ قد اشتريتها بالأمس و لم تُمس...
و عدا عن العلبة التي تناولتـْها خالتي ليندا، فإن البقية كما هي
قمت ُ بتسخين أحد الأقراص على عجل... و انطلقتُ حاملا الطعام إلى رغد...

كانتْ على نفس الوضع الذي تركتُها عليه...
جلست ُ على المقعد إلى جوارها و قدّمتُ لها الوجبة

" تفضلي... اشربي بعض الشاي لتدفئي "

جلستْ رغد و أخذتْ تحتسي الشاي جرعةً جرعة... وهي ممسكة بالكوب بكلتا يديها...

" هل تشعرين بتحسّن ؟ "

حركتْ رأسها إيجابا

قلتُ :

" جيّد... الحمد لله... تناولي بعضا من هذه ... لتمنحك بعض الطاقة "

و قربتُ إليها إحدى قطع البيتزا ... فأخذتْها و قضمتْ شيئا منها...

سألتُها :

" أهي جيّدة ؟ لا أعتقد أن طعمها قد تغيّر ؟ "

أتعرفون كيف ردّت رغد ؟؟
لا لن تحزروا... !

فوجئتُ برغد و قد قربتْ قطعة البيتزا ذاتها إلى فمي... تريدُ منّي أن أتذوقها!

اضطربتُ، و رفعتُ يدي لأمسك بالقطعة فأبعدتْ رغد القطعة عن يدي... و عادتْ و قرّبتْها إلى فمي مباشرة !

الصغيرة تريد أن تطعمني بيدها !

نظرتُ إليها و قد علا التوتر قسمات وجهي كما لوّنته حمرة الحرج... و رغد لا تزال معلّقة البيتزا أمام فمي...

أخيرا قلتُ :

" كـُـ... كليها أنت ِ رغد "

و لو ترون مدى الامتقاع و التعبيرات المتعسة التي ظهرت على وجهها !

و إذا بها تقول:

" لا تريد أن تأكل من يدي ؟ "

فاجأني سؤالها في وقت لم أصح ُ فيه بعد من مفاجأة تصرفها... و لا مفاجآت حالتها هذا الصباح...
إنّ شيئا ألمّ بالصغيرة... يا رب... لطفك ...

رفعتُ حاجباي دهشة... و تلعثمتْ الحروف على لساني...

" أأأ... رغد... إنه... أنا... "

رغد... ماذا جرى لك اليوم ؟؟ ماذا أصابك ...؟
أنت ِ تثيرين جنوني... تثيرين فزعي... تثيرين مخاوفي ... تثيرين شجوني و آلامي و ذكريات الماضي...
ماذا دهاك يا رغد ؟؟
بربّك... أخبريني ؟؟

كنتُ على وشك أن أنطق بأي جملة... تمتّ ُ أو لا تمتُ للموقف بصلة إلاّ أن رغد سبقتني و قالتْ منفعلة:

" لكنك تأكل من يدها... أليس كذلك ؟ "

ذهلتُ لجملتها هذه ... أيما ذهول...
رغد لم تبعد يدها بل قربتها مني أكثر .. لا بل ألصقتْ البيتزا بشفتي و نظراتها تهددني...
حملقتُ بها بدهشة و قلق... شيء ما قد حلّ بصغيرتي... ماذا جرى لها ؟ يا الهي...

" رغد... "

لما رأتْ رغد استنكاري... أبعدتْ البيتزا عني، و وجهها شديد الحزن تنذر عيناه بالمطر... و فمها قد تقوس للأسفل و أخذ يرتعش... و رأسها مال إلى الأسفل بأسى و خيبة ما سبق لي أن رأيتُ على وجه رغد شبيها لهما... و بصوت ٍ نافذ الطاقة هزيل متقطّع أقر ب إلى الأنين قالتْ:

" أنت ...لا تريد... أن... تأكل من يدي أنا... أليس... كذلك ؟ "

و هطلتْ القطرة الأولى... من سحابة الدموع التي سرعان ما تكثـّفتْ بين جفنيها...
إنها ليستْ باللحظة المناسبة لأي شرح أو تفسير... أو علة أو تبرير... أو رفض أو اعتراض !

قلتُ مستسلما مشتتا مأخوذا بأهوال ما يجري من حولي:

" لا... لا ليس كذلك ... "

شيئا فشيئا انعكس اتجاه قوس شفتيها... و ارتسمتْ بينهما ابتسامة مترددة واهية... و تسللتْ من بينهما الدمعة الوحيدة مسافرة عبر فيها إلى مثواها الأخير...

نحو فمي ساقتْ رغد قطعة البيتزا ثانيةً... و بين أسناني قطعتُ جزءا منها مضغتُه دون أن أحسّ له طعما و لا رائحة...

اتسعتْ الابتسامة على وجه الصغيرة و سألتني:

" لذيذة ؟ "

قلتُ بسرعة :

" نعم ... "

ابتسمتْ رغد برضا... و كأنها حققتْ إنجازا عظيما...
ثم واصلتْ التهام البيتزا و طلبتْ مني مشاركتها ففعلتُ مستسلما... و أنا في حيرة ما مثلها حيرة من أمر هذه الصغيرة...

كم بدا القرص كبيرا... لا ينتهي...
كنتُ أراقب كل حركة تصدر عن صغيرتي... متشككا في أنها قد استردتْ إدراكها كاملا... الرعشة في يديها اختفتْ... الارتخاء على وجهها بان... الاحمرار على وجنتيها تفاقم... و الأنفاس من أنفها انتظمتْ...
و أخيرا فرغتْ العلبة... لقد التهمنا البيتزا عن آخرها لكن... لم أشعر بأنني أكلتُ شيئا...

في هذه اللحظة أقبلتْ أروى و وقفت عند الباب مخاطبة إياي:

" إنه هاتف مكتبك يا وليد... رن مرارا..."

نقلت ُ بصري بين أروى و رغد... الفتاتان حدقتا ببعضهما البعض قليلا... ثم مدتْ رغد يديها و أمسكتْ بذراعي كأنها تطلب الأمان...
كان الخوف جليا على وجهها ما أثار فوق جنوني الحالي... ألف جنون و جنون...

" رغد !! "

رغد كانت تنظر إلى أروى مذعورة... لا أعرف ما حصل بينهما...

قلتُ مخاطبا أروى :

" انصرفي الآن يا أروى رجاء ً "

رمقتني أروى بنظرة استهجان قوية... ثم غادرتْ...

التفتُ إلى الصغيرة و سألتُها و القلق يكاد يقتلني :

" ماذا حل بكِ يا رغد ؟ أجيبيني ؟؟ هل فعلتْ بك ِ أروى شيئا ؟؟ "

رغد أطلقتْ كلماتها المبعثرة بانفعال ممزوج بالذعر:

" لا أريد أن أراها... أبعدها عني... أنا أكرهها... ألا تفهم ذلك؟؟... أبعدها عني...أرجوك "

لن يفلح أي وصف لإيصال شعوري آنذاك إليكم... مهما كان دقيقا
أخذتُ أطبطب عليها أحاول تهدئتها و أنا المحتاج لمن يهدّئني....

" حسنا رغد... يكفي...أرجوك اهدئي... لا تضطربي هكذا...بسم الله الرحمن الرحيم..."

بعد أن هدأتْ رغد و استقرتْ حالتها العجيبة تلك... لم أجرؤ على سؤالها عن أي شيء... عرضتُ عليها أن آخذها إلى الطبيب، لكنها رفضتْ تماما... فما كان منّي إلا أن طلبتُ منها أن تسترخي في فراشها لبعض الوقت و سرعان ما اضطجعتْ هي و غطّتْ وجهها بالبطانية... ليس لشيء إلا.. لأنها أرادتْ أن تبكي بعيدا عن مرآي...

كنتُ أسمع صوت البكاء المكتوم... و لو دفنته يا رغد تحت ألف طبقة من الجبال... كنتُ سأسمعه !
لكنني لم أشأ أن أحرجها... و أردتُ التسلل خارجا من الغرفة...
وقفت ُ و أنا أزيح المقعد بعيدا عنها بهدوء... و سرتُ بخفة نحو الباب...
فيما أنا على وشك الخروج إذا بي أسمعها تقول من تحت البطانية:

" وليد...أرجوك...لا تخبرها... عما حصل في الماضي... أرجوك "

تسمرتُ في موضعي فجأة إثر سماعي لها... استدرتُ نحوها فرأيتها لا تزال مختبئة تحت البطانية... هروبا من مرآي...

تابعتْ :

" لن احتمل نظرات السخرية... أو الشفقة من عينيها... أرجوك وليد.."

بقيتُ واقفا كشجرة قديمة فقدتْ كل أوراقها الصفراء الجافة في مهب رياح الخريف...
لكن المياه سرعان ما جرتْ في جذوري ... دماء ً حمراء مشتعلة تدفقتْ مسرعة نحو رأسي و تفجرتْ كبركان شيطاني... من عيني ّ...

تبا لك ِ يا أروى...!!

خرجتُ من غرفة رغد غاضبا متهيجا و بحثتُ عن أروى و وجدتُها في الردهة قرب السلّم... ما أن رأتني حتى وقفتْ و أمارات القلق على وجهها صارخة...

قالتْ مباشرة :

" كيف هي ؟ "

و قبل أن تسترد نفسها من الكلام انفجرتُ في وجهها كالقنبلة:

" ماذا فعلت ِ بها ؟ "

الوجوم و الدهشة عليا تعبيراتها و قالتْ مضطربة:

" أنا !! ؟؟ "

قلتُ بصوت ٍ قوي غليظ :

" نعم أنت ِ ... ما الذي فعلته بها ؟؟ أخبريني ؟ "

أروى لا تزال مأخوذة بالدهشة تنم تعبيرات وجهها عن السذاجة أو التظاهر بالسذاجة... و هو أمر أطلق المدافع في رأسي غضبا... فزمجرت ُ :

" تكلّمي يا أروى ما الذي كنت ِ تفعلينه في غرفتها؟؟ ماذا قلت ِ لها تكلّمي "

أروى توتّرتْ و قالتْ مستهجنةْ:

" و ما الذي سأفعله بها ؟؟ لم أفعل شيئا... ذهبت ُ لأسألها عن شيء... إنها هي من كان غير طبيعيا... بدتْ و كأنها ترى كابوسا أو فلما مرعبا... ثم صرختْ.. .لا علاقة لي بالأمر "

قلتُ بغضب :

" عن أي شيء سألتها ؟ "

بدا التردد على أروى فكررتُ بلكنة مهددة:

" عن أي شيء سألتها يا أروى تكلّمي؟؟ اخبرني بالتفصيل.. ماذا قلت ِ لها و جعلتها تضطرب بهذا الشكل؟؟ عم سألتها أخبريني؟ "

" وليد ! "

هتفتُ بعنف :

" تكلّمي ! "

شيء من الذعر ارتسم على وجه أروى... من جراء صراخي...

أجابتْ متلعثمة :

" فقط ...سـ... سألتها عن... سبب قتلك عمار... و إخفائك الحقيقة عنّي... و عن ... علاقتها هي بالأمر... "

انطلقتْ الشياطين من بركان رأسي ... كنت ُ في حالة غضب شديد... لم استطع كتمانه أو التغلب عليه...
صرخت ُ في وجه أروى بعنف:

" أهذا كل شيء ؟ "

أجابتْ أروى مذعورة:

" نعم... لا تصرخ بوجهي ... "

لكنني خطوتُ نحوها... و مددتُ يدي و أمسكتُ بذراعها بقوة و ضججتُ صوتي:

" و لماذا فعلتِ ذلك ؟ ألم أحذركِ من هذا ؟ ألم أطلب منكِ ألا تتحدثي معها ؟ لماذا فعلت ِ هذا يا أروى لماذا ؟ "

أطلقتْ أروى صيحة ألم... و حاولتْ تحرير ذراعها منّي... لكنني ضغطتُ بشدة أكبر و أكبر... و هتفتُ بوجهها منفعلا :

" كيف تجرأتِ على هذا يا أروى ؟؟ أنظري ماذا فعلت ِ بالصغيرة... إنها مريضة... ألا تفهمين ذلك ؟؟ إن أصابها شيء ... فستدفعين الثمن غاليا "

صاحتْ أروى:

" اتركني يا وليد ... أنت تؤلمني... "

قلتُ :

" لن أكتفي بالألم... إن حلّ بالصغيرة شيء بسببكِ يا أروى... أنا لا أسمح لأحد بإيذائها بأي شكل... كائنا من كان... و لا أسامح من يسبب لها الأذى أبدا يا أروى...أتفهمين ؟؟ إلا صغيرتي يا أروى... إلا رغد... لا أسامح فيها مس شعرة... أبدا يا أروى أبدا... أبدا... هل فهمت ِ ؟؟ "

و أفلتُّ ذراعها بقسوة مبعدا إياها عنّي بسرعة... لئلا تتغلب علي الشياطين و تدفعني لارتكاب ما لن ينفع الندم بعده على الإطلاق...

كان هذا.. مطلعا تعيسا أسود ليوم جديد أضيفه إلى رصيد أيام حياتي الحزينة المؤلمة... و هو مطلع لم يساوي الكثير أمام ما كان يخبئه القدر... في نهايته.
نهايه الحلقه
40
__________________
نسمة ياسمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2010, 10:45 AM   #104
نسمة ياسمين
مميز وفعـــال
 
الصورة الرمزية نسمة ياسمين
 
تاريخ التسجيل: 15 / 1 / 2008
الدولة: الـزهــرة
الجنس:    
المشاركات: 1,068
معدل تقييم المستوى: 761
نسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدى
افتراضي رد: رواية (رغد.. انت لي) كاملة من البداية الى النهاية

* الحلقة الواحدة و الأربعون *



~ الحادث ~



لا يمكن أن يكون هذا هو الرجل الذي ارتبطتُ به ! مستحيل أنه هو وليد ذاته... الرجل الطيب الخلوق المهذب...اللطيف الهادئ... الصبور الحليم... ينقضُّ على ذراعيّ بهذه الوحشية و يصرخ في وجهي بهذه القسوة ؟؟

و لأجل ماذا ؟؟
لا أعرف! ما هو الذنب الخطير الذي ارتكبته و جعلته يثور لهذا الحد؟؟
فقط لأنني سألتُ مدللته الغالية عن سبب قتله لعمار؟؟
ألا يجعلني تصرفه أصرُ أكثر و أكثر على معرفة السبب؟ إذا كان خطيرا لهذا الحد... للحد الذي يوشك معه أن يقطع ذراعي و يحرق وجهي بنار صراخه... فهل أُلام إن ألححتُ على معرفة الحقيقة؟؟

مضتْ بضع ساعات و الهدوء يخيّم على المنزل رغم الشحنات المتضادّة التي تنبعث من رؤوسنا... كنتُ قد لمحتُ وليد يدخل غرفة مكتبه الخاص، و لم أره بعد ذلك... أما المدللة العزيزة فهي لم تغادر غرفة نومها على الأرجح... و لم نجرؤ لا أنا و لا والدتي على الاقتراب منها... و إن كانتْ والدتي تردد بين الفينة و الأخرى:

" ألا يجب أن نطمئن على الفتاة ؟؟ "

استدرتُ إلى أمي بحنق و قلتُ:

" لا تقلقي يا أمي... إنها بخير... لا شيء يصيب تلك المدللة... إنها فقط تمثـّل دور المتعبة حتى تسرق اهتمام وليد "

و عضضتُ على شفتي ّ غيظا...
والدتي لم تعجبها النبرة غير المعتادة في صوتي و كلامي فقالتْ:

" لا يا أروى هداك الله... لا يجب أن يصدر منك ِ أنت العاقلة الناضجة كلامٌ كهذا... كما أنكِ قلتِ بنفسك أنها أصيبتْ بالإغماء لبعض الوقت... "

رددتُ غاضبة :

" تمثيل ! "

والدتي هزّت رأسها استنكارا... فقلتُ منفعلة:

" نعم تمثيل يا أمي... ما عدتُ أصدّق شيئا مما حولي... إنها تؤدي دورها بشكل مذهل... ليستْ أوّل مرّة... تتظاهر بالانهيار و تستميتُ في البكاء حتى يسرع وليد إليها... تريد الاستحواذ على اهتمامه و السيطرة عليه... إنها تحبه يا أمي... ألا تفهمين معنى ذلك ؟؟ تحب خطيبي و تريد سرقته منّي ! "

و لحظتها لم أتمالك نفسي و أخذتُ أبكي... فأقبلتْ أمّي و ضمتني إلى صدرها الحنون و أخذتْ تربتُ عليّ و تواسيني...

و أنا في حضن أمّي لمحتُ كيس المجوهرات الذي جلبته رغد إليّ تلك الليلة تريد دفع ما فيه تعويضا عما صرفته من الأموال... و قد وضعناه كما هو على منضدة مجاورة لإعادته إليها لاحقا... و لا أدري لم تذكّرتُ حينها يوم مررنا من منزل عائلة وليد المحروق ... و أخذتْ رغد تجمع التذكارات منه، و من بينها هذه المجوهرات...و كيف كانت تضمها إلى صدرها بحرقة و تبكي بألم... أذكر أنها آنذاك كانت منهارة جدا... و وسط الدموع التفتتْ إلى وليد و طلبتْ منه أن يضمّها !

ضغطتُ ذراعي ّ حول أمي و أنا أتذكّر كيف ارتمتْ في حضنه هذا الصباح... و كأنّ صدر وليد شيء يخصها و يمكنها الاستلقاء عليه كلّما شاءتْ !
ألا تعرف هذه الفتاة حدودها ؟؟ إن وليد لم يشملني بين ذراعيه بالطريقة التي غلّفها بها صباح هذا اليوم.....

في وقت لاحق من ذلك اليوم المزعج كنتُ مع أمي نشاهد التلفاز علّ الوقت يمضي و الجو يلطُف قليلا...
و لأن وليد لم يظهرْ من الصباح فقد شعرتُ ببعض القلق... تركتُ والدتي في الغرفة و ذهبتُ أتفقده في غرفة مكتبه... أ معقول أنه لا يزال هناك ؟؟
توجهتُ إلى غرفة المكتب بحذر... طرقتُ الباب بهدوء و انتظرتُ قليلا ثم فتحتُه ببطء و أطللتُ برأسي على الداخل
وجدتُ وليد ينام على أحد المقاعد...

ناديتُ و لكن بهدوء :

" وليد ! "

و لم يسمعني، لذا غادرتُ الغرفة و سرتُ عائدة إلى أمي.
هناك في تلك الغرفة وجدت ُ رغد !
كانت واقفة قرب الباب و يبدو أنها كانت على وشك الانصراف
التقتْ نظراتنا فأشاحتْ هي بوجهها عنّي...
تذكرتُ صورتها و هي تشير بنظراتها إليّ و تقول لوليد : (أبعدها عنّي) بينما كانتْ متربعة في حضنه بكل جرأة...أحسستُ بالغيظ الشديد...
و لما أرادتْ الخروج استوقفتها :

" انتظري "

التفتتْ إلي ببرود و قالتْ :

" نعم ؟ "

قلتُ و أنا أشير إلى كيس المجوهرات الموضوع على المنضدة :

" إن كنت ِ تبحثين عن هذا فهو هنا "

رغد نظرتْ إلى الكيس ثم إليّ و ردّتْ:

" لا. لم آتِ من أجل هذا... يمكنك الاحتفاظ به "

قلتُ :

" لماذا أنت ِ هنا إذن ؟ "

أمي أومأتْ لي بأن أسحب سؤالي، لكنّي أكدتُ نظرات الاستجواب على عيني رغد منتظرة ردّها... إنني مملوءة حنقا عليها منذ فترة و اشتعل فتيلي هذا الصباح و لم ينطفىء.
رغد همّت بالانصراف لكنني قلتُ بغضب:

" لم تجيبي على سؤالي؟ "

و بدا أن الجملة قد استفزتها فقالتْ:

" و هل عليّ أن استأذنك ِ للتجوّل في منزلي ؟ "

أجبتُ منفعلة و مطلقة العنان لغيظي :

" لا ! إنّه منزل وليد... زوجي... على أيّة حال... و واقعا لا تملكين فيه غير هذا الكيس "

و أشرتُ إلى كيس المجوهرات ذاك...

أمي هتفتْ رادعة بغضب :

" أروى ! ما هذا الكلام ؟ "

قلتُ مباشرة :

" الحقيقة التي يجب أن تدركها هذه "

رغد كانت تنظر نحوي بذهول... فهي لم تكن للتوقع منّي كلاما كهذا... بل إنني نفسي لم أكن لأتوقعه!
لطالما كنتُ طيبة و متساهلة معها و تحمّلتُ الكثير من سوء معاملتها لي... من أجل وليد...
و أنا متأكدة أنها جاءتْ إلى هنا بحثا عنه! و لكن... متى تدرك هذه المراهقة أن وليد هو زوجي أنا ؟؟
توجهتُ لحظتها نحو كيس المجوهرات و جلبته إلى رغد و أنا أقول:

" إليك ِ أشياؤك... لستُ بحاجة إليها و لديّ أضعاف أضعافها... و ما هو أهم منها يا رغد "

نقلتْ رغد بصرها بيننا نحن الاثنتين... و تحوّل وجهها إلى اللون الأحمر... و بدأتْ عضلات فمها بالتقوس للأسفل... كانتْ على وشك البكاء!
وضعتُ الكيس قرب قدمها و أشحتُ بوجهي عنها منتظرة انصرافها...
سمعتُ صوت يدها تطبق على الكيس... ثم رأيتها تعبر فتحة الباب إلى الخارج فتوغلتُ أنا إلى الداخل و صفعتُ بالباب بقوّة !
سمعت ُ حينها صوت رغد تقول من خلف الباب:

" سأخبر وليد عن هذا "

قلت ُ بغضب و تحدٍ:

" تجدينه في مكتبه ... أسرعي ! "

في الداخل استقبلتني والدتي بنظرات غاضبة و وبختني... أدركُ أن تصرفي كان سيئا لكنني لم أتمالك نفسي بعد كل الذي حدث مؤخرا... و أصبحتْ لدي رغبة مفاجئة في إزاحة رغد عن طريقي...
أمّي أرادتْ اللحاق بها لتهدئة الموقف لكنني عارضتها و قلت ُ:

" لا تقلقي على المدللة... سيتكفّل وليد بذلك ! "


~~~~~~~~~~~~~~~


حملتُ كيس المجوهرات توجهتُ إلى غرفة مكتب وليد... كنتُ قد بحثتُ عنه في أرجاء مختلفة من المنزل و لم أره، و ذهبتُ لسؤال السيدة ليندا عنه حين فاجأتني أروى بموقفها الجديد هذا
حسنا ! تبا لك ِ يا أروى... سترين !
طرقتُ الباب و لم أسمع جوابا، ففتحته و دخلتُ الغرفة. الوقت آنذاك كان وقت غروب الشمس... الغرفة كانتْ تسبح في السواد إلا عن بصيص بسيط يتسلل عبر فتحة صغيرة بين ستائر إحدى النوافذ...
البصيص كان يشقّ طريقه عبر فراغ الغرفة و يقع رأسا على جسم مغناطيسي... طويل... عريض... ضخم... محشور فوق أحد المقاعد !
متأكدة أن البصيص اختار الانجذاب طوعا إليه هو... دونا عن بقية الأجسام... الطويلة العريضة الضخمة... التي تفرض وجودها بكل ثقة في أرجاء هذه الغرفة !
لا أعرف ما الذي دهاني !؟
كنتُ قادمة بمشاعر غاضبة تريد أن تنفجر... و فجأة تحوّلتْ مشاعري إلى نهر دافئ ينجرف طوعا نحو وليد !
أغلقتُ الباب و على هدى النور الخافت سرتُ نحو وليد أحمل الكيس بحذر...
وقفتُ قربه و أنا أشعر بأنه أقرب إليّ من الهواء الذي يلامسني، و من المشاعر التي تختلج صدري...
وضعتُ الكيس جانبا فأصدر صوتا... لكن وليد لم ينتبه له... يبدو أنه نائم بعمق ! و لكن لماذا ينام هنا و بهذا الشكل المتعب و في مثل هذا الوقت؟ كنتُ على وشك أن أهتف باسمه إلا أن هتافا أقوى و أعظم تسلل عبر زجاج نوافذ الغرفة أو جدرانها و ملأ داخلها إصغاء ً و خشوعا

( الله أكبر الله أكبر )

و لم ينتبه وليد لصوت الأذان...
توجهتُ نحو تلك النافذة... و أزحتُ الستائر و فتحتها بهدوء... فاندفع صدى الأذان أقوى و أخشع نحو الداخل... و انتشر النور الباهت في الغرفة...
النافذة تطل على الفناء الخلفي للمنزل، و الذي كانت تستعمره حديقة جميلة في الماضي... تحولتْ إلى صحراء قاحلة خالية إلا من بعض قطع الأثاث و السجاد القديمة التي ركناها هناك عند مجيئنا للمنزل...
أما السماء فقد كانت تودع خيوط الشمس الراحلة... و التي لم تشأ توديع الكون قبل أن ترسل بصيصها الأخير... إلى وليد !
انتهى الأذان و وليد لم يسمعه ... و لم يشعر بحركة شيء من حوله ! قررتُ أخيرا أن أوقظه !
ناديته بضع مرات و بصوتٍ يعلو مرة تلو الأخرى إلى أن سمعني و استيقظ أخيرا !
فتح وليد عينيه و هو ينظر نحو النافذة مباشرة !

قلت ُ :

" صحوة حميدة ! "

وليد مغط ذراعيه و تثاءب ثم قال:

" من ؟ أهذه أنتِ رغد ؟؟ "

أجبتُ :

" نعم "

وليد أخذ يدلّك عنقه قليلا... ربما يشعر بألم بسبب نومه على المقعد ! لا أعرف لم يحبّ وليد النوم على المقاعد ؟؟

قلت ُ :

" لماذا تنام هنا وليد ؟؟ "

أسند وليد رأسه إلى مسند المقعد لبرهة ثم أخذ ينظر إلى ساعة يده:

" كم الساعة الآن ؟؟ "

قلت ُ :

" تقريبا السادسة ! رُفع أذان المغرب قبل قليل فأردتُ إيقاظك ! "

قال وليد :

" آه... هل نمتُ كل هذا !؟ إنني هنا منذ الظهيرة "

ابتسمتُ و قلتُ:

" نوم العافية ! "

وليد فجأة نظر نحوي... ثم أخذ يتلفتْ يمينا و شمالا ... ثم نهض واقفا و هو ينظر نحوي و قال :

" رغد ؟؟! ماذا تفعلين هنا ؟؟ "

و كأنه انتبه للتو أنني موجودة ! و كأنه استيقظ الآن فقط من النوم !

قلت ُ باستغراب :

" أتيتُ لإيقاظك ! وقت الصلاة "

قال :

" و النافذة ؟ "

قلتُ :

" كنتُ أستمع إلى الأذان... و أراقب السماء ! "

وليد حكّ شعر رأسه قليلا ثم سار باتجاهي... حتى صار عند الطرف الآخر من النافذة ثم قال :

" و لكن أين المطر "

استغربتُ و سألت ُ:

" المطر ؟ أي مطر ؟؟ "

قال :

" ألم تقولي أنك كنتِ تراقبين المطر ؟ "

قلتُ :

" أبدا ! قلتُ أنني كنتُ استمع إلى الأذان و أراقب السماء ! أي مطر هذا و نحن في قلب الصيف ! "

قال وليد :

" لم أسمع جيدا "

قلتُ و أنا أبتسم :

" يبدو أنك لا تزال نائما ! "

ابتسم وليد و ألقى نظرة على السماء و مجموعة من العصافير تطير عائدة إلى أعشاشها...

التفت إليّ بعدها و سأل:

" صحيح رغد... كيف أنت ِ الآن ؟ "

و تذكّرت ُ لحظتها الدوخة الذي داهمتي صباحا بسبب الجوع ... و كيف أنه أغشي عليّ بضع دقائق... و انهرتُ بين ذراعي وليد !
و شعرت ُ بطعم السكّر في فمي... فازدرتُ ريقي وأنا أطأطئ رأسي خجلا و أهمس:

" بخير... "

وليد قال :

" جيّد ! و هل تناولت ِ وجبة بعد البيتزا ؟ "

قلت :

" لا "

" سيء ! لماذا رغد ؟ أنت ِ صغيرة و نحيلة و لا تتحملين الجوع لوقت ٍ طويل... تكرر هذا معنا في البر... أتذكرين ؟ "

رفعتُ بصري إليه و ابتسمت ُ... طبعا أذكر ! من ينسى يوما كذلك اليوم ؟؟ و نحن حفاه جياع عطشى مرعوبون و هائمون في البر؟؟
و لكن لحظة ! هل أنا صغيرة لهذا الحد ؟؟

قلت ُ :

" لا تقلق... متى ما شعرتُ بالجوع سأحضّر لي بعض البطاطا المقلية "

ابتسم وليد و قال :

" طبقك ِ المفضّل ! "

اتسعتْ ابتسامتي تأييدا و أضفت ُ:

" و الوحيد ! فأنا لا أجيد صنع شيء آخر ! "

ضحك وليد... ضحكة عفوية رائعة... أطربت ْ قلبي... و كدتُ أنفجر ضحكا من السعادة لولا أنني كتمتُ أنفاسي خجلا منه !

في ذات اللحظة، انفتح باب الغرفة ... التفتنا نحن الاثنان نحو الباب... فوجدنا أروى تطلّ علينا... و لأن الإضاءة كانتْ خافتة جدا... يصعب عليّ كشف تعبيرات وجهها... لم تتحدّث أروى بادئ الأمر، كما ألجم الصمت لسانينا أنا و وليد... بعدها قالت أروى:

" استيقظتَ ؟ جيّد إذن... كنت ُ سأوقظك لتأدية الصلاة "

وليد قال و هو يسير نحو الباب مبتعدا عنّي :

" نعم أروى... نهضت لتوّي "

وصل وليد إلى مكابس مصابيح الغرفة، فأضاءها... الإنارة القوية ضيّقت بؤبؤي عينيّ المركزين على أروى، للحد الذي كادا معه أن يخنقاها !
كانت أروى تنظر نحوي، ثم نقلتْ نظرها إلى وليد...
سمعتُ وليد و الذي صار قربها يهمس بشيء لم تترجمه أذناي... ثم رأيتُ أروى تشيح بوجهها و تغادر الغرفة.
وليد وقف على وضعه لثوان... ثم استدار و هو يتنهّد و قال أخيرا :

" سأذهب إلى المسجد... هل تريدين شيئا أحضره ؟ "

قلتُ و أنا مشغولة البال بفك رموز همسة وليد السابقة :

" كلا... شكرا "

و غادر وليد الغرفة...


~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~


و الآن... الغاضبة هي أروى و هذا دورها! ربّاه ! هل أنتهي من إحداهما لأبدأ مع الأخرى؟؟ إن أعصابي ما كادتْ تستفيق من صدمة الصباح، و ها هي على وشك الاحتراق بحادثة أخرى...
كنتُ أود تلطيف الأجواء و لو قليلا... و الاسترخاء في هواء طلق يزيح عنّي شحنات الصباح القوية... و يطمئنني أكثر إلى أن رغد بخير...
اقترحتُ في تلك الليلة الليلاء أن نخرج في نزهة و نتناول عشاءنا في أحد المطاعم. رغد وافقتْ و الخالة ليندا رحبتْ بالفكرة غير أن أروى ردت بـِ:

" اذهب أنت َ و ابنة عمّك المدللة... و استمتعا بوقتكما... أنا و أمي سنبقى ها هنا "

كنتُ ساعتها مع أروى في غرفتها و قد قدمتُ للتو لأعرض عليها الفكرة... و لمّا سمعتُ ردها حزنتُ و قلت ُ :

" لم يا أروى ؟ والدتك ِ كذلك رحبتْ بالفكرة و بادرتْ بالاستعداد للنزهة "

أبعدت ْ أروى نظرها عنّي هروبا من سؤالي.... لكنني واصلت ُ:

" هيا يا أروى ! دعينا نروّح عن أنفسنا قليلا ! الأجواء خانقة هنا ! "

اعني بذلك المشكلة الأخيرة بيننا أنا و رغد و أروى ...

نظرتْ أروى إليّ و قالتْ:

" كلا و شكرا... لا أريد الذهاب معكم "

صمتُ قليلا ثم قلت ُ:

" أما زلت ِ غاضبة مني ؟؟ "

لم تجب أروى، بمعنى أنها تؤيد هذا...

قلتُ :

" و لم كل هذا ؟ "

قالتْ بعصبية :

" أنتَ تعرف السبب ... فلم تسأل ؟ "

و بدا و كأنها تنتظر الشرارة لتشعل الحريق ! لم أكن أريد أن نبدأ الجدال من جديد بل على العكس... أردتُ أن نجدد الأجواء و نرخي أعصابنا المشدودة منذ يومين...

" ليس بالوقت المناسب لإعادة فتح الموضوع من جديد يا أروى ! "

ردّتْ أروى بعصبية أكبر:

" و من قال أنني أغلقته أصلا؟؟ سيبقى معلقا إلى أن تخبرني بكل الحقائق التي تخفيها عنّي"

كنتُ أقف عند الباب و لما اشتد صوت أروى خشيتُ أن يتسرب إلى آذان أخرى...
دخلتُ الغرفة و أغلقتُ الباب و اقتربتُ منها و قلتُ برجاء:

" لا نريد أن نثير شجارا الآن... أرجوكِ يا أروى... لا استطيع إيضاح المزيد... و لن أفعل ذلك مستقبلا فلا تعاودي الضغط عليّ "

ردتْ أروى مباشرة:

" إلى هذا الحد ؟؟ "

قلتُ مؤكدا :

" نعم . إلى هذا الحد "

ضيّقتْ أروى فتحتي عينيها و قالتْ:

" و رغد ؟؟ "

لم تقلها ببساطة... كانت تحدّق في عينيّ بحدة ثاقبة... كأنها تتوقع رؤية الحقائق تختبئ خلف بؤبؤيهما... بدّلت ُ تعبيرات وجهي إلى الجدية و التحذير و قلتُ و أنا أشير بسبّابتي:

" إياك ِ أن تقتربي منها ثانية ! يكفي ما حصل هذا الصباح... إياك ِ يا أروى "

أروى تأملتْ تعبيراتي برهة ثم أشاحتْ بوجهها و هي تقول:

" اذهب... قبل أن يتأخر الوقت "

قلتُ :

" و هل ستبقين بمفردك ؟ "

" نعم "

قلتُ معترضا :

" لا يريحني ذلك ! "

استدارتْ أروى و قالتْ بلهجة أقرب للسخرية:

" لا تقلق بشأني ! فأنا لا أخاف البقاء منفردة و ليستْ لديّ عقدة من الوحدة ! "

آنذاك... لم أشأ أن أطيل النقاش حرفا زائدا... و غادرتُ غرفتها و ذهبتُ إلى غرفة المعيشة الرئيسية حيث كانتْ رغد و الخالة ليندا تجلسان... قلت ُ :

" هيا بنا "

الخالة ليندا سألتْ:

" أين أروى ؟ "

تنهّدتُ و قلتُ:

" لا تريد الذهاب "

تمتمتْ الخالة بعبارات الاحتجاج ثم قالتْ أخيرا:

" إذن... اذهبا أنتما فأنا لن أتركها وحدها "

نهاية الأمر التفتُ إلى الصغيرة و سألت ُ:

" إذن... أتذهبين ؟ "

و لعلي لن أفلح في وصف التعبيرات التي كانتْ تملأ وجهها و هي تجيبُ :

" نعم ! بالتأكيد "


~~~~~~~~~~
يتبع
__________________
نسمة ياسمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2010, 10:46 AM   #105
نسمة ياسمين
مميز وفعـــال
 
الصورة الرمزية نسمة ياسمين
 
تاريخ التسجيل: 15 / 1 / 2008
الدولة: الـزهــرة
الجنس:    
المشاركات: 1,068
معدل تقييم المستوى: 761
نسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدى
افتراضي رد: رواية (رغد.. انت لي) كاملة من البداية الى النهاية

" نعم بالتأكيد ! "

و هل أضيع فرصة رائعة كهذه ؟؟
أنا و وليد نخرج في نزهة ليلية ! نتجول في شوارع المدينة... نتناول الطعام من أحد المطاعم... و نحلّي بكرات البوظة ! تماما كما كنا نفعل في الماضي ! يــــاه ! ما أسعدني !... و تحقق الحلم الذي كان أبعد من الخيال! و قضينا نحو ثلاث ساعات في نزهة رائعة أنا و وليد قلبي فقط و فقط !
أوقف وليد سيارته عند الموقف الجانبي لأحد الجسور المؤدّية إلى جزيرة اصطناعية ترفيهية صغيرة يرتادها الناس للتنزه... و وقفنا أنا و هو على الجسر... عند السياج نتأمل الجزيرة و نراقب أمواج البحر و نتنفس عبقه المنعش... و من حولنا الناس يستمتعون بالأجواء الرائعة ...

" منظر مدهش وليد ! ليتنا أحضرنا معنا آلة تصوير ! "

وليد ابتسم، و أخرج هاتفه المحمول من جيبه و استخدم الكاميرا التابعة له و التقط بعض الصور... ثم دفعه لي كي أتفرج عليها !

" عظيم ! ليتني اقتني هاتفا كهذا ! "

كرر وليد ابتسامته و قال:

" بكل سرور! أبقه معك لتصوري ما تودين الليلة! مع أن الظلام لن يسمح بالكثير"

و مع ذلك التقطتُ بعض الصور الأخرى، و الأهم... صورة مختلسة لوليد التقطتها بحذر دون أن يدري... و قد أبقيتُ الهاتف معي طوال النزهة لئلا يراها! و راودتني فكرة أن أنقلها إلى الحاسوب، ثم أقوم بطباعتها و من ثم أرسمها بيدي... و أعيد إلى مجموعة لوحاتي صورة جديدة لوليد قلبي... عوضا عن تلك التي احترقتْ في منزلنا المنكوب...
آه ! كم أنا سعيدة! و لأنني كنتُ في غمرة لا توصف من البهجة فقد تخليتُ عن جزء من حذري و رحتُ أراقب وليد بلهفة و تمعن و أرصد تحركاته و تعبيرات وجهه بدقة منقطعة النظير... أتمنى فقط ألا يلحظ هو ذلك !
و نحن عند الجسر... و فيما أنا منغمسة في مراقبته... مرت لحظة أغمض وليد فيها عينيه و أخذ يتنفس بعمق... و يزفر الهواء مصحوبا بتنهيدات حزينة من صدره ... كرر ذلك مرارا و كأنه يريد أن يغسل صدره من الهواء الراكد الكئيب فيه !

شعرتُ ببعض القلق فسألتُ :

" ما بك وليد ؟ "

التفتَ إليّ و هو يفتح عينيه و يبتسم و يجيب:

" لا شيء! أريد أن أملأ رئتيّ من هذا النقاء! جميل جدا... كيف تفوّتْ أروى و الخالة شيئا كهذا؟"

إذن... ربما كان يفكّر في أروى ! خذلتني جملته بعض الشيء... ففيما أنا مكرسة نظري و فكري فيه... يشتغل باله بالتفكير بها هي؟؟
مرتْ بذاكرتي صورة أروى و هي تشيح بوجهها عن وليد و تخرج من غرفة مكتبه هذا اليوم...عند المغرب... بدتْ غاضبة... وبدا وليد حينها منزعجا... و كأن بينهما خصام ما... الفضول تملّكني هذه اللحظة و ربما كانتْ الغيرة هي الدافع، فسألت ُ:

" لماذا رفضتْ المجيء معنا ؟؟ هل... هل هي غاضبة؟ "

وليد نقل بصره إلى البحر... و قال بعد قليل :

" نعم... منّي "

لستُ شريرة و لا خبيثة ! لكن... يا إلهي أشعر بسرور غير لائق ! لم استطع كتمه و قلتُ باندفاع فاضح:

" هل أنتما متخاصمان ؟؟ "

التفتَ إلي ّ وليد مستغربا ! لقد كان صوتي و كذلك تعبيرات وجهي تنم عن البهجة !
شعرتُ بالخجل من نفسي فطأطأتُ رأسي نحو الأرض فيما تصاعدتْ الدماء إلى وجنتيّ !
لم أسمع ردا من وليد... فرفعتُ بصري اختلس النظر إليه... فوجدته و قد سبحتْ عيناه في البحر بعيدا عنّي... ثم سمعته يقول :

" تريد العودة إلى لمزرعة "

اندهشتُ ... و أصغيتُ باهتمام مكثف ... وليد تابع:

" مصرة على ذلك و قد فشلتُ في ثنيها عن الأمر... اضطررتُ لشراء التذاكر و موعد السفر يوم الأحد "

ماذا ! عجبا ! قلتُ :

" أحقا ؟ ستتركها تذهب ؟؟ "

وليد أجاب و هو لا يزال ينظر إلى البحر:

" و الخالة كذلك... "

قلتُ مباشرة :

" و أنتَ ؟؟ و أنا ؟ "

التفتَ وليد إليّ و كأن هذه الجملة هي أكثر ما يثير اهتمامه! ركز النظر في عينيّ لحظة ثم قال :

" سنرافقهما طبعا "

صمتُ و علامات التعجب تدور فوق رأسي !!!

قلتُ بعدها :

" نعود للمزرعة ! كلا ! و الكلية ؟ و الدراسة ؟؟ "

وليد تنهد ثم قال :

" سنرافقهما إلى المزرعة ثم نعود... مساء الثلاثاء "

بدأ قلبي يدق بسرعة ... نعود يقصد بها.. أنا و هو ؟؟ أم ماذا ؟؟

خرجتْ الحروف مرتجفة على لساني :

" أأأ ... نـ...ـعود أنا و أنتَ ؟ "

وليد قال :

" نعم "

عدتُ أسأل لأتأكد:

" و ... أروى و أمها... ستظلان في... المزرعة ؟؟ "

وليد قال :

" نعم ! إلى أن تهدأ الأوضاع قليلا "

أتسمعون ؟؟
أنا و وليد وحدنا ... و لا شقراء بيننا !
مدهش ! يا لسعادتي ! تخلـّـصت ُ منها أخيرا
أكاد أطير من الفرح ! بل إنني طرتُ فعلا ! هل ترون ذلك ؟؟

تعبيرات وجهي بالتأكيد كانت صارخة... و لو لم أمسك نفسي آنذاك لربما انفجرتُ ضحكا... لكن وليد مع ذلك سألني و بشكل متردد:

" ما رأيك ؟ "

آه يا وليد أ وَ تسأل عن رأيي ؟
ألا تدرك أنه حلم حياتي يتحقق أخيرا ؟؟
وداعا أيتها الشقراء !

و لئلا أفضح فرحي بهذا الشكل طأطأتُ رأسي و خبأتُ نظري تحت حذاء وليد !
و قلتُ مفتعلة التماسك :

" لا أعرف... كما ترى أنتَ "

وليد عاد يسأل و بشكل أكثر جدية و بعض القلق امتزج بصوته:

" هل تقبلين بهذا كحل مؤقت طارئ... حتى نجد الحل الأنسب ؟ "

قلتُ و أنا لا أزال أدعي التماسك و عدم الانفعال:

" لا بأس "

تحركتْ قدم وليد قليلا باتجاه الجسر... رفعتُ عيني عنها إليه فوجدته وقد عاد يغوص بأنظاره في أعماق البحر... و سمعته يقول:

" سنمر بسامر و أطلب منه العودة معنا... "

تعجبتُ و سألتُ:

" سامر ؟! "

أجاب :

" نعم. طلبتُ منه مرارا أن يأتي للعيش و العمل معنا هنا و قد تكون هذه فرصة جيدة لإقناعه "

سامر من جديد ؟
لا أتخيل أن أعود للعيش معه تحت سقف بيت واحد ثانية ! لا أعرف بأي طريقة سنتعامل... يكفي الحرج الذي عانيناه عندما اضطررتُ للمبيت في شقته أنا و وليد بعد حادث السيارة...
أتذكرون ؟؟
و رغم أني لم أحبذ الفكرة لم أشأ التعليق عليها... و على كل ٍ لا أظن سامر سيرحب بها هو بدوره...
وليد تابع :

" أما الخادمة فسنجعلها تعمل ليلا أيضا و تباتُ في المنزل و نضاعف لها الراتب "

علقتُ :

" يبدو أنك خططتَ لكل شيء! "

استدار وليد إليّ و قال :

" لم أنم الليلة الماضية من شدة التفكير! هذه الحلول المؤقتة حاليا... يمكننا تدبر بعض الأمور الأخرى بشكل أو بآخر... "

قلت ُ :

" و ماذا عن الطعام ؟ "

فأروى و والدتها كانتا تتوليان أمر المطبخ و تعدان الوجبات الرئيسية... و الأطباق الأخرى و التي كان وليد لا يستغني عنها و يمتدحها دائما!

وليد رد :

" لدينا المطاعم "

ابتسمت ُ و قلتُ مداعبة:

" يمكنك الاعتماد عليّ ! البطاطا المقلية يوميا كحل طارئ مؤقت ! "

ابتسم وليد فأتممت ُ :

" لكن لا تقلق! سأشتري كتاب الطهي و أتعلم ابتداء من الغد ! سترى أنني ذكية جدا و أتطور بسرعة "

ضحك وليد ضحكة خفيفة كنتُ أريد أن أختم نزهتي الرائعة بها...
و مع خبر مذهل كخبر سفر الشقراء أخيرا ... أصبحتْ معنوياتي عالية جدا و دبّ النشاط و الحيوية في جسدي و ذهني و ألححتُ على نقل الصور من هاتف وليد إلى جهاز الحاسوب في مكتبه و تنسيقها في تلك الليلة... قبل أن يكتشف صورته من بينها... و رغم أن الليل كان قد انتصف و لم يبقَ أمامي غير ساعات بسيطة للنوم إلى موعد الكلية إلا أنني أنجزتُ الأمر و بدأتُ برسم أولي لوجه وليد بقلم الرصاص على بعض الأوراق...

الساعة تجاوزت الثانية عشر و النصف، و أخيرا انتهيتُ !
كنتُ على وشك النهوض عندما رنّ هاتف وليد و الذي كان معي، موضوعا على المكتب.
و لكن هل يتصل أصحابه به في ساعة متأخرة ؟؟ أتراه لا يزال مستيقظا؟ اعتقد أن الجميع قد خلدوا للنوم !

حملتُ الهاتف و أوراقي و شرعتُ بالمغادرة بسرعة، حينها توقف رنين الهاتف...
واصلتُ طريقي نحو السلّم و في نيّتي المرور بغرفة وليد و إعادة الهاتف إليه إن كان مستيقظا قبل لجوئي إلى فراشي...
و فيما أنا أصعد السلّم عاد الهاتف للرنين... حثثتُ الخطى صعودا لأوصله إلى وليد...
و في منتصف الطريق رأيت ُ جسما يقف على الدرجات ينظر نحوي !
كانت أروى !
توقفتُ ثوانٍ و ألقيتُ عليها نظرة لا مبالية و صعدتُ خطوة جديدة...

و هنا سمعتها تخاطبني :

" أليس هذا هاتف وليد ؟ "

نظرتُ إليها و أجبتُ:

" بلى "

سألتْ :

" و لم هو عندك ؟ "

رمقتها بنظرة تجاهلية و قلتُ:

" سأعيده إليه "

و صعدتُ خطوة بعد...
كانتْ أروى تقف مباشرة في طريق خطواتي... تنحيتُ للجانب قليلا لأواصل طريقي إلا أنها تنحتْ لتعترضني !
نظرتُ إليها و رأيتها تمد يدها إليّ قائلة:

" هاتيه... أنا سأعيده "

توقف الهاتف عن الرنين، يبدو أن المتصل قد يئس من الرد...

أضافت أروى :

" وليد نائم على أية حال... لكنه يستخدمه كمنبّه لصلاة الفجر... سأضعه قرب وسادته "

شعرتُ بالغيظ ! يكفي أن ألقي نظرة على هذه الفراشة الملونة حتى أفقد أعصابي!

قلتُ :

" سأفعل أنا ذلك، بما أن غرفته في طريقي "

فجأة تحوّل لون الفراشة إلى الأحمر الدموي! أروى بيضاء جدا و حين تنفعل يتوهج وجهها احمرارا شديدا !

قالتْ بنبرة غاضبة :

" عفوا؟؟ تقصدين أن تتسللي إلى غرفة زوجي و هو نائم؟؟ من تظنين نفسك؟ "

فوجئتُ من هذا السؤال الذي لم أكن لأتوقع صدوره من أروى ! و المفاجأة ألجمتْ لساني...

أروى قالتْ بانفعال :

" وليد هو زوجي أنا... يجب أن تدركي ذلك و تلزمي حدودكِ "

صعقتُ... عمّ تتحدّث هذه الدخيلة ؟؟ قلتُ بصوت متردد :

" مـ ... ماذا تعنين ؟؟ "

هتفتْ أروى باندفاع :

" تعرفين ما أعني... أم تظنين أننا بهذا الغباء حتى لا ندرك معنى تصرفاتك ؟؟ "

ذهلتُ أكثر و كررتُ :

" ما الذي تقصدينه ؟؟ "

و كأن أروى قنبلة موقوتة انفجرتْ هذه اللحظة ! رمتْ بهذه الكلمات القوية دون تردد و دون حساب !

" لا تدعي البراءة يا رغد ! ما أبرعكِ من ممثلة ! أنتِ ماكرة جدا... و تستغلين تعاطف وليد و شعوره بالمسؤولية تجاهكِ حتى تفعلين ما يحلو لكِ ! دون خجل و لا حدود... لكن... كل شيء أصبح مكشوفا يا رغد... أنا أعرف ما الذي تخططين له... تخططين لسرقة زوجي منّي ! أليس كذلك ؟؟ تستميلين عواطفه بطرقك ِ الدنيئة! أنت ِ خبيثة يا رغد... و سأكشف نواياك ِ السيئة لوليد ليعرف حقيقة من تكونين ! "

ذهلتُ ... وقفتُ كالورقة تعصف بي كلمات أروى... لا تكاد أذناي تصدقان ما تسمعان...
كنتُ أنظر إلى أروى بأوسع عينين من شدّة الذهول... عبستْ أروى بوجهها و ضغطتْ على أسنانها و هي تقول :

" كنتِ تمثلين دور المتعبة هذا الصباح... و مثلتِ دور المريضة ليلة حفلتنا أنا و وليد... و دور المرعوبة ليلة سهرنا أنا و وليد... هنا و في المزرعة و في بيت خالتكِ و في أي مكان... تمثلين أدوار المسكينة لتجعلي عقل وليد يطير جنونا خوفا عليك ِ ! تدركين أنه لا يستطيع إلا تنفيذ رغباتك شعورا منه بالمسؤولية العظمى تجاهكِ! ما أشد دهائكِ و خبثك ِ... لكنني سأخبر وليد عن كل هذا... وإن اضطررتُ لفعل ذلك الآن ! "

كنتُ أمسك بهاتف وليد في يدي اليمنى و بالأوراق في يدي اليسرى... و للذهول الذي أصابني من كلام أروى رفعتُ يدي اليمنى تلقائيا ووضعتها على صدري...
فجأة تحركتْ يد أروى نحوي... و همّتْ بانتزاع الهاتف و هي تقول:

" هاتي هذا "

و كردة فعل تشبثتُ بالهاتف أكثر... فسحبته هي بقوة أكبر... ثم انزلق من بين أيدينا و وقع على عتبات الدرج...
استدرتْ منثنية بقصد التقاطه بسرعة فتحرتْ أروى لمنعي فجأة و اصطدمتْ بي...
حركتها هذه أفقدتني التوازن ... فالتوتْ قدمي و فتحتُ يدي اليسرى بسرعة موقعة بالأوراق أرضا... و مددتها نحو ذراع أروى وتشبثتُ بها طالبة الدعم... الأمر الذي أفقد أروى توازنها هي الأخرى... وفجأة انهرنا نحن الاثنتان متدحرجتين على الدرَج ... و لأنني كنتُ في الأسفل... فقد وقع جسدها عليّ و انتهى الأمر بصرخة مدوية انطلقتْ من أعماق صدري من فرط الألم...


~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~


لأنني نمتُ معظم النهار، لم يستجب النعاس لندائي تلك الليلة و بقيتُ أتقلّب في فراشي لبعض الوقت...
كنتُ استعيد ذكريات النزهة الجميلة التي قضيناها أنا و صغيرتي هذه الليلة و التي أنعشتْ الذكريات الماضية الرائعة في مخيلتي... خصوصا و أن صغيرتي بدتْ مسرورة و مبتهجة بشكل أراحني و وئد خوفي عليها المولود هذا الصباح...
كل شيء كما في السابق... إنها نفس الفتاة التي كنتُ أصطحبها في النزهات باستمرار... في أرجاء المدينة... و أقضي بصحبتها أمتع الأوقات و أطيبها على نفسي !
غير أنها كبرتْ و لم يعد باستطاعتي أن أحملها على كتفيّ كما في الماضي !
كانتْ مهووسة بامتطاء كتفيّ و هي صغيرة و لم تتخلى عن هوسها حتى آخر عهدي بها قبل دخولي السجن...
يا ترى... هل تتذكر الآن؟؟
يا ترى كيف تشعر حين تكون معي و هل أعني لها ما عنيتُ في الماضي؟؟
لا أعرف لِمَ كان طيف رغد يسيطر عليّ هذه الليلة... بالتأكيد... خروجي معها في هذه النزهة هو ما هيّج المكنون من مشاعري القديمة... الأزلية...
جلستُ و توجهتُ إلى محفظتي... و منها استخرجتُ قصاصات الصورة الممزقة لرغد... و عدتُ أركّب أجزاءها كما كانت...

أقسم... بأنني أستطيع تجميعها بالضبط كما كانت و أنا مغمض العينين !

أخذتُ القصاصات إلى سريري و جلستُ و أغمضتُ عينيّ... لأثبت لكم صدق قسمي...
أتحسسها قصاصة ً قصاصة ً... حافة ً حافة ً ... طرفا ً طرفا ً ..
ها أنا ذا انتهيتُ !
فتحتُ عينيّ و نظرتُ إلى الصورة المكتملة و شعرتُ بالسرور! إنها رغد ... و دفتر تلوينها... و أقلام التلوين الجميلة !
يا لي من مجنون !
ما الذي أفعله في مثل هذا الوقت المتأخر بعد منتصف الليل !

وضعتُ القصاصات تحت الوسادة و أرخيتُ جفوني... سأنام على صورتكِ يا رغد !
فجأة... صحوتُ على صوتُ جلبة... أشبه بارتطام شيء ما بالأرض... مصحوبة بصراخ قوي !
نهضتُ بسرعة و سمعتُ صوت صرخات متتالية و متداخلة مع بعضها البعض في آن واحد... أسرعتُ للخروج من غرفتي و هرولتُ ناحية مصدر الصراخ...
إنه السلّم...
وصلتُ أعلى عتباته و ألقيتُ نظرة سريعة نحو الأسفل و ذهلتُ !
قفزتُ العتبات قفزا حتى وصلتُ إلى منتصف الدرَج... حيث وجدتُ رغد و أروى جاثيتين على العتبات إحداهما تئن بفزع... و الأخرى تتلوى ألما و تطلق الصرخات...
و مجموعة من الأوراق مبعثرة على العتبات من حولهما...

" ماذا حدث ؟؟ "

سألتُ مفزوعا... و لم تجب أيهما بأكثر من الأنين و الصراخ...

" رغد...أروى ...ماذا حدث ؟؟ "

ردّتْ أروى و هي تضغط على كوعها بألم :

" وقعنا من أعلى السلم "

لم يكن لدي مجال لأندهش... فقد كانتْ رغد تصرخ بألم و تنقل يدها اليسرى بين يمناها و رجلها اليسرى...

قلتُ بسرعة :

" أأنتما بخير ؟؟ "

أروى وقفتْ ببطء و استندتْ إلى الجدار... و أما رغد فقد بقيتْ على وضعها تئن و تصرخ

" رغد هل أنت ِ بخير ؟؟ "

عصرتْ رغد وجهها من الألم فسالتْ الدموع متدفقة على وجنتيها المتوهجتين...

قلتُ :

" رغد ؟؟ "

فأجابتْ باكية متألمة صارخة:

" يدي... قدمي... آه... تؤلماني... لا أحتمل... ربما كسرتا "

أصبتُ بالهلع... أقبلتُ نحوها حتى جلستُ قربها تماما... و سألتُ :

" هذه ؟ "

مادا يدي إلى يدها اليمنى و لكني ما أن قرّبتُ يدي حتى صرختْ رغد بقوة و أبعدتْ يدها عنّي...

" رغد "

هتفتُ بهلع، فردتْ :

" تؤلمني بشدة... آي... لا تلمسها "

فوجهتُ يدي إلى يدها اليسرى :

" و هذه؟ أتؤلمك؟ "

" كلا "

فأمسكتُ بها و أنا أقول:

" إذن... دعيني أساعدكِ على النهوض"

رغد حركتْ رأسها اعتراضا و قالتْ:

" لا أستطيع... قدمي ملتوية... تؤلمني كثيرا... لا أستطيع تحريكها "

و نظرتْ نحو قدمها ثم سحبتْ يدها اليسرى من يدي و أمسكتْ برجلها اليسرى بألم
و كانتْ قدمها ملوية إلى الداخل، يخفي جوربها أي أثر لأي كدمة أو خدش أو كسر...

قلتُ :

" سأحاول لفها قليلا "

و عندما حركتها بعض الشيء... أطلقتْ رغد صرخة قوية ثقبتْ أذني و أوقفتْ نبضات قلبي...
يبدو أن الأمر أخطر مما تصورتُ ... ربما تكون قد أصيبتْ بكسر فعلا...
تلفتُ يمنة و يسرة في تشتت من فكري... كانت أروى متسمّرة في مكانها في فزع... بدأ العرق يتصبب من جسمي و الهواء ينفذ من رئتيّ... ماذا حلّ بصغيرتي ؟؟
التفت ُ إلى رغد بتوتر و قلتُ:

" سأرفعكِ "

و مددتُ ذراعي بحذر و انتشلتُ الصغيرة من على العتبة و هي تصرخ متألمة... و هبطتُ بها إلى الأسفل بسرعة... و أثناء ذلك ارتطمتْ قدمي بشيء اكتشفتُ أنه كان هاتفي المحمول ملقى ً أيضا على درجات السلم...
حملتُ رغد إلى غرفة المعيشة و وضعتها على الكنبة الكبرى... و هي على نفس الوضع تعجز عن مد رجلها أو ثنيها... أما يدها اليمنى فقد كانتْ تبقيها بعيدا خشية أن تصطدم بي...

" رغد... "

ناديتها باضطراب... لكنها كانتْ تكتم أنفاسها بقوة حتى احتقن وجهها وانتفختْ الأوردة في جبينها... و برزتْ آثار اللطمات التي أمطرتها بها صباحا أكثر... حتى شككتُ بأنها آثار جديدة سببها الدرج من شدّة توهجها...
بعدها انفجر نفَس رغد بصيحة قوية قطّعت حبالها الصوتية...

قلتُ مفزوعا :

" يا إلهي... يجب أن آخذك إلى الطبيب "

وقفتُ ثم جثوتُ على الأرض ثم وقفتُ مجددا... خطوتُ خطوة نحو اليمين و أخرى نحو اليسار... تشتتُ و من هول خوفي على رغد لم أعرف ماذا أفعل... أخيرا ركزتْ فكرة في رأسي و ركضتُ في اتجاه غرفتي، أريد جلب مفاتيح السيارة...

عند أول عتبات السلّم كانتْ أروى تقف متسمرة تنم تعبيرات وجهها عن الذعر...!
وقفتُ برهة و أنا طائر العقل و قلتُ باندفاع :

" ماذا حدث ؟ كيف وقعتما؟ ربما انكسرتْ عظامها ... سآخذها إلى المستشفى "

لم أدع لها المجال للرد بل قفزتُ عتبات الدرج قفزا ذهابا ثم عودة... و أنا أدوس عشوائيا على الأوراق المبعثرة عليها دون شعور... ثم رأيتُ أروى لا تزال قابعة في مكانها... فهتفتُ:

" تكلـّمي ؟؟ "

و أنا أسرع نحو غرفة المعيشة... توقفتُ لحظة و استدرتُ إلى أروى و قلتُ:

" و أنتِ بخير ؟ "

أومأتْ أروى إيجابا فتابعتُ طريقي إلى رغد... و لم أشعر بأروى و هي تتبعني...
وجدتُ رغد و قد كوّمت جزء ً من وشاحها لتعضّه بين أسنانها... حين رأتني خاطبتني و الوشاح لا يزال في فمها:

" وليد... سأموت من الألم...آي "

ركعتُ قربها و مددتُ ذراعيّ أريد حملها و أنا أقول:

" هيا إلى الطبيب... تحمّلي قليلا أرجوك "

و عندما أوشكتُ على لمس رجلها دفعتْ يدي بعيدا بيدها و صاحتْ:

" لا... أقول لك تؤلمني... لا تلمسها "

قلتُ :

" يجب أن أحملك ِ إلى المستشفى رغد... أرجوك ِ تحملي قليلا... أرجوكِ صغيرتي "

جمعت ْ رغد القماش في فمها مجددا و عضّت عليه و أغمضتْ عينيها بقوة...
حملتها بلطف قدر الإمكان متجنبا لمس طرفيها المصابين... و استدرتُ نحو الباب... هناك كانت أروى تقف في هلع تراقبنا...

قلتُ :

" هيا... اسبقيني و افتحي لي الأبواب بسرعة "

و هكذا إلى أن أجلستُ الصغيرة على مقعد السيارة الخلفي، ثم فتحتُ بوابة المرآب و انطلقتُ بسرعة...
لحسن الحظ كانت رغد لا تزال ترتدي عباءتها و وشاحها الأسودين، لم تخلعهما منذ خرجنا إلى النزهة أول الليل...
عندما وصلنا إلى المستشفى، استقبلنا فريق الإسعاف بهمة و حملنا رغد على السرير المتحرك إلى غرفة الفحص... كانت لا تزال تصرخ من الألم...

سألني أحد الأفراد :

" حادث سيارة ؟ "

قلتُ :

" لا ! وقعتْ من أعلى السلّم... ربما أصيبت ْ بكسر ما...
أرجوكم أعطوها مسكنا بسرعة
يتبع
__________________
نسمة ياسمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2010, 10:48 AM   #106
نسمة ياسمين
مميز وفعـــال
 
الصورة الرمزية نسمة ياسمين
 
تاريخ التسجيل: 15 / 1 / 2008
الدولة: الـزهــرة
الجنس:    
المشاركات: 1,068
معدل تقييم المستوى: 761
نسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدى
افتراضي رد: رواية (رغد.. انت لي) كاملة من البداية الى النهاية

أراد الطبيب أن يكشف عن موضع الإصابة... تحمّلتْ رغد فحص يدها قليلا و لكنها صرختْ بقوة بمجرّد أن وجه الطبيب يده إلى رجلها اليسرى... و يبدو أن الألم كان أشد في الرجل... شجعتها الممرضة و حين همّتْ بإزاحة الغطاء عن رجلها استدرتُ و وقفتُ خلف الستارة...
عادتْ رغد تصرخ بقوة لم أحتملها فهتفتُ مخاطبا الطبيب:

" أرجوك أعطها مسكنا أولا... لا تلمس رجلها قبل ذلك... ألا ترى أنها تتلوى ألما؟؟"

و صرختْ رغد مرة أخرى و هتفتْ:

" وليد "

لم احتمل... أزحتُ الستارة و عدتُ إلى الداخل و مددتُ يدي إلى رغد التي سرعان ما تشبثتْ بها بقوة...

" معكِ يا صغيرتي... تحمّلي قليلا أرجوك "

و استدرتُ إلى الطبيب :

" أعطها مسكنا أرجوك... أرجوك في الحال "

الممرضة كشفتْ عن ذراع رغد اليسرى بهدف غرس الإبرة الوريدية في أحد عروقها... و لمحتْ الندبة القديمة فيها فسألتني :

" و ما هذا أيضا ؟ "

قلتُ غير مكترث:

" حرق قديم...لا علاقة له بالحادث "

و بمجرد أن انتهتْ الممرضة من حقن رغد بالعقار المسكن للألم عبر الوريد، عادتْ رغد و مدتْ يدها إليّ و تشبثتْ بي...

" لا تقلقي صغيرتي... سيزول الألم الآن "

قلتُ مشجعا و أنا أرى الامتقاع الشديد على وجهها المتألم الباكي...
و مضتْ بضع دقائق غير أن رغد لم تشعر بتحسن

" ألم يختفِ الألم ؟ "

سألتها فقالتْ و هي تتلوى و تهز رأسها:

" تؤلمني يا وليد... تؤلمني كثيرا جدا "

خاطبتُ الممرضة :

" متى يبدأ مفعول هذا الدواء ؟ أليس لديكم دواءٌ أقوى ؟؟ "

الطبيب أمر الممرضة بحقن رغد بدواء آخر فحقنته في قارورة المصل المغذي و جعلته يسري بسرعة إلى وريدها...

قلتُ مخاطبا الطبيب :

" هل هذا أجدى ؟ "

قال :

" فعال جدا "

قلتُ :

" إنه ألم فظيع يا دكتور... هل تظن أن عظامها انكسرتْ ؟ "

أجاب :

" يجب أن أفحصها و أجري تصويرا للعظام قبل أن أتأكد "

بعد قليل... بدأتْ جفون رغد تنسدل على عينيها... و صمتتْ عن الصراخ... و ارتختْ قبضتها المتشبثة بي...

نظرتُ إلى الطبيب بقلق فقال :

" هذا من تأثير المخدّر... ستغفو قليلا "

ثم باشر فحص رجل رغد و أعاد تفحص يدها اليمنى... و بقية أطرافها... و عندما انتهى من ذلك، أمر بتصوير عظام رجلَي رغد و يديها و حتى جمجمتها تصويرا شاملا...

" طمئني أيها الطبيب رجاء ً ... هل اتضح شيء من الفحص ؟؟ "

نظر إليّ الطبيب نظرة غريبة ثم سألني و هو يتكلم بصوتٍ منخفض:

" قل لي... هل حقا وقعتْ على درجات السلم ؟ "

استغربتُ سؤاله و بدا لي و كأنه يشك في شيء فأجبتُ :

" نعم... هذا ما حصل"

قال الطبيب :

" كيف ؟ "

قلتُ :

" لا أعرف فأنا لم أشاهد الحادث... و لكن لماذا تسأل ؟ "

قال :

" فقط أردتُ التأكد... فوجهها مكدوم بشكل يوحي إلى أنها تعرضتْ للضرب! و ربما يكون الأمر ليس مجرد حادث "

أثار كلام الطبيب جنوني و غضبي فرددتُ منفعلا :

" و هل تظن أننا ضربناها ثم رميناها من أعلى الدرج مثلا ؟ "

لم يعقّب الطبيب فقلتُ :

" وجهها متورم نتيجة شيء آخر لا علاقة له بالحادث "

تبادل الطبيب و الممرضة النظرات ذات المغزى ثم طلب منها اصطحاب رغد إلى قسم الأشعة.

و لأنني كنتُ هلعا على رغد عاودتُ سؤاله :

" أرجوك أخبرني... هل تبين شيء بالفحص لا قدّر الله ؟ "

رد صريحا :

" لا أخفي عليك... يبدو أن الإصابة في الكاحل بالغة لحد ما... أشك في حدوث تمزق في الأربطة "

ماذا ؟؟ ماذا يقول هذا الرجل ؟؟ تمزّق ؟ كاحل ؟؟ رغد ... !!

تابع الطبيب :

" الظاهر أن قدمها قد التوتْ فجأة و بشدّة أثناء الوقوع... و لديها تورم و رض شديد في منطقة الساق... قد تكون ساقها تعرضت لضربة قوية بحافة العتبة... أما يدها اليمنى فأتوقع أنها كُسِرتْ "

كسر؟؟ تمزق ؟؟ التواء؟؟ تورم؟؟ رض ؟؟ما كل هذا ؟؟ ماذا تقول ؟؟
شعرتُ بعتمة مفاجئة في عيني ّ و بالشلل في أعصابي... يبدو أنني كنتُ سأنهار لولا أن الطبيب أسندني و أقعدني على كرسي مجاور... وضعتُ يدي على رأسي شاعرا بصداع مباغت و فظيع... كأن أحد الشرايين قد انفجر في رأسي من هول ما سمعتُ...
الطبيب ثرثر ببعض جمل مواسية لم أسمع منها شيئا... بقيتُ على هذه الحال حتى أقبلتْ الممرضات يجررن سرير رغد و يحملن معهن صور الأشعة...
الطبيب أخذ الأفلام و راح يتأملها على المصباح الخاص... و ذهبتُ أنا قرب رغد حتى توارينا خلف الستار...
الصغيرة كانت نائمة و بقايا الدمع مبللة رموشها... تمزق قلبي عليها و أمسكتُ بيدها اليسرى و ضغطتُ بقوّة...
كلا يا رغد !
لا تقولي أن هذا ما حدث؟ أنتِ بخير أليس كذلك؟؟ ربما أنا أحلم... ربما هو كابوس صنعه خوفي المستمر عليك و جنوني بك !
رباه...
بعد ثوان ٍ تركتُ رغد و ذهبتُ إلى حيث كان الطبيب مع مجموعة أخرى من الأطباء يتفحصون الأشعة و يتناقشون بشأنها. وقفتُ إلى جانبهم و كأني واحدٌ منهم... أصغي بكل اهتمام لكل كلمة تتفوه بها ألسنتهم، و لا أفقه منها شيئا...
أخيرا التفتََ الطبيب ذاته إليّ فقلتُ بسرعة:

" خير؟؟ طمئني أرجوك ؟ "

قال الطبيب و هو يحاول تهوين الأمر:

" كما توقعتُ... يوجد كسر في أحد عظام اليد اليمنى... و شرخ في أحد عظام الرجل اليسرى و هناك انزلاق في مفصل الكاحل سببه تمزق الأربطة "
و لما رأى الطبيب الهلع يكتسح وجهي أكثر من ذي قبل، أمسك بكتفي و قال:

" بقية الأشعة لم توضح شيئا... الإصابة فقط في اليد اليمنى و الرجل اليسرى، أما الكدمات الأخرى فهي سطحية "

ازدرتُ ريقي واستجمعتُ شظايا قوتي و قلتُ غير مصدّق:

" أنتً... متأكّد ؟ "

قال :

" نعم. جميعنا متفقون على هذا "

و هو يشير إلى الأطباء ممن معنا...

قلتُ و صوتي بالكاد يخرج من حنجرتي واهنا :

" و... هل ... سيشفى كل ذلك ؟ "

قال :

" نعم إن شاء الله. لكن... ستلزمها عملية جراحية... و بعدها ستظل مجبّرة لبعض الوقت "
صُعِقتُ !! لا ! مستحيل !
عملية ؟؟ جبيرة ؟؟ أو كلا ! كلا !
كدتُ أهتف ( كلا ) بانفعال... لكنني رفعتُ يدي إلى فمي أكتم الصرخة... قهرا...
الطبيب أحس بمعاناتي و حاول تشجيعي و تهوين الأمر... لكن أي كارثة حلّتْ على قلبي يمكن تهوينها بالكلمات ؟؟

قلتُ بلا صوت:

" تقول ... عملية ؟ "

رد مؤكدا :

" نعم. ضرورية لإنقاذ الكسور من العواقب غير الحميدة "

أغمضتُ عيني و تأوهتُ من أثر الصدمة... و قلبي فاقد السيطرة على ضرباته... و لما لاحظ الطبيب حالتي سألني بتعاطف :

" هل أنت شقيقها ؟ "

فرددتُ و أنا غير واع ٍ لما أقول:

" نعم.. "

قال :

" و أين والدها ؟ "

قلتُ :

" أنا "

تعجب الطبيب و سأل :

" عفوا ؟ "

قلتُ :

" لقد مات... كلُهم ماتوا... أنا أبوها الآن... يا صغيرتي "

و أحشائي تتمزق مرارة... أنا لا أصدق أن هذا قد حصل... رغد صغيرتي الحبيبة... مهجة قلبي و الروح التي تحركني... تخضع لعملية؟؟
وقفتُ و سرتُ نحو سرير رغد بترنح... يظن الناظر إليّ أنني أنا من تحطمتْ عظامه و انزلقتْ مفاصله و تمزّقتْ أربطته و ما عاد بقادر على دعم هيكله...
اقتربتُ منها... أمسكتُ بيدها اليسرى... شددتُ عليها... اعتصرني الألم... و اشتعلتْ النار في معدتي...و أذابتْ أحشائي...
الطبيب لحق بي و أقبل إليّ يشجعني بكلمات لو تكررتْ ألف مرة ما فلحتْ في لمّ ذرتين من قلبي المبعثر...

قال أخيرا :

" علينا إتمام بعض الإجراءات الورقية اللازمة قبل أخذها لغرفة العمليات "

الكلمة فطرتْ قلبي لنصفين و دهستْ كل ٍ على حدة...
التفتُ إليه أخيرا و قلتُ متشبثا بالوهم:

" ألا يمكن علاجها بشكل آخر؟؟ أرجوك... إنها صغيرة و لا تتحمّل أي شيء... كيف تخضع لعملية؟؟ لا تتحمل... "

و كان الطبيب صبورا و متفهما و عاد يواسيني...

" لا تقلق لهذا الحد... عالجنا إصابات مشابهة و شفيتْ بإذن الله... "

لكن مواساته لم تخمد من حمم القلق شرارة واحدة.
هنا أقبلتْ الممرضة تخاطبه قائلة :

" أبلغنا أخصائي التخدير و غرفة العمليات جاهزة يا دكتور "

الطبيب نظر إليّ و قال :

" توكلنا على الله ؟ "

نقلتُ بصري بينه و بين الممرضة ثم إلى رغد ...

قلتُ :

" صبرا... دعني استوعب ذلك... أنا مصدوم... "

و أسندتُ رأسي إلى يدي محاولا التركيز.... ظلّ الطبيب و الممرضة واقفين بالجوار قليلا ثم تركاني لبعض الوقت، كي استوعب الموقف و أفكر... ثم عادا من جديد...

قال الطبيب:

" ماذا الآن؟ التأخير ليس من صالحها "

ازدردتُ ريقي و أنا ألهث من القلق... ثمّ نظرتُ إلى رغد و قلتُ :

" يجب أن تعرف ذلك أولا... "

كنتُ لا أزال ممسكا بيدها، اقتربتُ منها أكثر و همستُ :

" رغد "

كررتُ ذلك بصوت ميّت... ولم تستجب، فضربتُ يدها بلطف و أنا مستمر في النداء...
فتحتْ رغد عينيها و جالتْ فيما حولها و استقرتْ عليّ... كانت شبه نائمة من تأثير المخدر...

قلتُ بلهفة :

" صغيرتي..."

و شددتُ على يدها... استجابتْ بأن نطقتْ باسمي

قلتُ :

" كيف تشعرين ؟ كيف الألم ؟؟ "

قالتْ و هي بالكاد تستوعب سؤالي :

" أفضل... أشعر به ... لكن أخف بكثير "

قلتُ :

" الحمد لله... سلامتكِ يا صغيرتي ألف سلامة... "

قالتْ :

" سلّمك الله... آه... أشعر بنعاس ٍ شديد جدا وليد... دعنا نعود للمنزل "

لم أتمالك نفسي حينها و تأوهتُ بألم... آه يا صغيرتي... آه... رغد أحسّتْ بشيء... بدأتْ تستفيق و تدرك ما حولها

قالت:

" ما الأمر ؟؟ "

لم أتكلّم ... فنظرتْ نحو الطبيب و الممرضة و اللذين قالا بصوت واحد:

" حمدا لله على السلامة "

ثم تقدّم الطبيب نحوها و بلطف حرّك يدها المصابة و قد زاد تورمها و احمرارها فأنتْ رغد.

قال :

" ألا زالتْ تؤلمك ؟ "

أجابتْ :

" نعم. لكن أخف بكثير من ذي قبل "

قال :

" هذا من تأثير المسكن القوي و لكن الألم سيعود أقوى ما لم نعالجها عاجلا. انظري... لقد تفاقم التورم بسرعة "

رغد نظرتْ إلى يدها ثم إليّ بتساؤل... و لم أعرف بم أجيب و لا كيف أجيب...

" وليد ؟؟ "

ترددتُ ثم قلتُ :

" يبدو...أن الإصابة جدية يا رغد... يقول الطبيب أن لديك كسور و أنكِ بحاجة إلى جراحة "

و لو رأيتم مقدار الذعر الذي اكتسح وجه رغد... آه لو رأيتم !!
جفلتْ جفول الموتى... ثم سحبتْ يدها من بين أصابعي و وضعتها على صدرها هلعا... و كتمتْ أنفاسها قليلا ثم صاحتْ :

" ماذا !!؟؟ "

حاولتُ تهدئتها و أنا الأحوج لمن يهدئني... كانت ردة فعلها الأولى مزيجا من الذعر... و الفزع... و الخوف... و الارتجاف... و النحيب... و الرفض... والبكاء...
و انفعالات يعجز قلب وليد عن تحمّلها و شرحها...
و كانتْ مشوشة التركيز و التفكير بسبب الدواء المخدر و لا أدري إن كانتْ قد استوعبتْ بالفعل الخبر و ما إذا كانتْ تقصد بإرادة ردود فعلها تلك، أم أن الأمر كان وهما صنعه المخدر...؟؟

بعد أن هدأتْ قليلا و أنا ما أزال قربها أكرر:

" ستكونين بخير...لا تخافي صغيرتي... ستكونين بخير بإذن الله"

قالتْ و هي ممسكة بيدي :

" وليد أرجوك.. لا تتركني وحدي "

قلتُ مؤكدا بسرعة :

" أبدا صغيرتي... سأبقى معكِ طوال الوقت و لن أبتعد عن باب غرفة العمليات مترا واحدا... اطمئني"

نظرتْ رغد إليّ بتوسل... فكررتُ كلامي مؤكدا... حينها قالتْ :

" هل نحن في الحقيقة؟؟ هل يحصل هذا فعلا؟؟ هل أنا مصابة و في المستشفى؟؟ "

قلتُ بأسى :

" نعم لكن هوّني عليك يا رغد بالله عليك... قطّعتِ نياط قلبي...أرجوكِ يكفي... الحمد لله على كل حال ... بلاء من الله يا صغيرتي... لا تجزعي..."

ابتلعتْ رغد آخر صيحاتها و حبستْ دموعها و بدأتْ تتنفس بعمق و استسلام...
و بعد قليل نظرتْ إليّ و قالتْ :

" أشعر بنعاس شديد... ماذا حصل لي؟؟ عندما أصحو لا أريد أن أذكر من هذا الكابوس شيئا... أرجوك وليد "

وأغمضتْ عينيها و غابتْ عن الوعي مباشرة...
ناديتها بضع مرات فلم تجبْ... نظرتُ إلى الطبيب فأشار بإصبعه إلى المصل المغذي... ثم قال:

" علينا الاستعجال الآن... "

و بهذا ذهبتُ مفوضا أمري إلى الله و أتممتُ الإجراءات المطلوبة و من ثم تم نقل رغد إلى غرفة العمليات...
بقيتُ واقفا على مقربة التهم الهواء في صدري التهاما...علّه يخمد الحريق المتأجج فيه...
لم يكن معي هاتف و لم أشأ الابتعاد خطوة أخرى عن موقع رغد... وظللتُ في انتظار خروجها أذرع الممر ذهابا و جيئا و أنا أسير على الجمر المتقد... و لساني لا ينقطع عن التوسل إلى الله... إلى أن انتهتْ العملية بعد فترة و رأيتهم يخرجون السرير المتحرك إلى الممر...
لم يكن الطبيب موجودا فلحقتُ بسرعة بالممرضات اللواتي كنّ يقدن السرير و ألقيتُ نظرة متفحصة على وجه رغد...
كانت هناك قبعة زرقاء شبه شفافة تغطي شعرها و قارورتان من المصل الوريدي علّقتا على جانبيها تقطران السائل إلى جسمها...
اقتربتُ منها و أنا أنادي باسمها ففتحتْ عينيها و لا أدري إن كانت رأتني أم لا... ثم أغمضتهما و نامتْ بسلام...
سحبتُ الغطاء حتى غطيتُ رأسها كاملا... و سرتُ معها جنبا إلى جنب إلى أن أوصلتها الممرضات إلى إحدى الغرف... و هناك ساعدتُهن في رفعها إلى السرير الأبيض... و فيما نحن نحملها شاهدتُ الجبيرة تلف يدها و رجلها فكدتُ أصاب بالإغماء من مرارة المنظر...
شعرتُ بتعب شديد... و كأنني حملتُ جبلا حديديا على ذراعي لعشر سنين... و تهالكتُ بسرعة على حافة السرير قرب رغد...
و عندما همّتْ إحداهن بتغيير الغطاء أشرتُ إليها بألا تفعل... و طلبتُ منها أن تلف رأس رغد بوشاحها الأسود...

" متى ستصحو ؟ "

سألتُ بصوت ٍ متبعثر... فأجبنني :

" عما قريب. لا تقلق. من الخير لها أن تبقى نائمة "

سألتُ :

" و أين الطيب ؟ "

أجابتْ إحداهن :

" سيجري عملية طارئة لمريض آخر الآن "

بقيتْ إحدى الممرضات تفحص العلامات الحيوية لرغد و تدون ملاحظاتها لبضع دقائق ثم لحقتْ بزميلتيها خارج الغرفة...

في هذه اللحظة، أنا و صغيرتي نجلس على السرير الأبيض... هي غائبة عن الوعي... و أنا غائب عن الروح... لا أحسّ بأي شيء مما حولي... إلا بصلابة الجبيرة التي أمد إليها بيدي أتحسسها غير مصدّق... لوجودها حول يد طفلتي الحبيبة....
لا شيء تمنيته تلك الساعة أكثر من أن يوقظني أحدكم بسرعة و يخبرني بأنه كان مجرد كابوس...
تلفتُ يمنة و يسرة... ربما بحثا عن أحدكم... و لم يكن من حولي أحد...
لمحتُ هاتفا موضوعا على مقربة... و اشتغلتُ بعض خلايا دماغي المشلولة فأوحتْ إليّ بالاتصال بالمنزل...
وقفتُ و تحركتُ و أنا أجوف من الروح... لا أعرف ما الذي يحركني؟ لا أشعر بأطرافي و لا أحس بثقلي على الأرض... و لا أدري أي ذاكرة تلك التي ذكرتني برقم هاتف منزلي!
ظل الهاتف يرن فترة من الزمن... قبل أن أسمع أخيرا صوت أروى تجيب

" وليد ! أخيرا اتصلت َ؟ أخبرني أين أنتما و كيف حالكما و ماذا عن رغد ؟؟ "

عندما سمعتُ اسم رغد لم أتمالك نفسي...
أجبتُ بانهيار و بصري مركز على رغد :

" أجروا لها عملية... إنها ملفوفة بالجبائر... آه يا صغيرتي... منظرها يذيب الحجر... يا إلهي... "

و أبعدتُ السماعة ... لم أشأ أن تسمع أروى ما زفره صدري...

ثم قربتها و قلتُ :

" سأتصل حينما تستفيق... نحن في مستشفى الساحل... ادعي الله لأجلها معي "

و أنهيتُ المكالمة القصيرة و عدتُ إلى رغد...
و لا زلتُ لله داعيا متضرعا حتى رأيتُ رغد تتحرك و تفتح عينيها ! تهلل وجهي و اقتربتُ منها أكثر و ناديتها بشغف :

" رغد... صغيرتي... "

و أضفتُ :

" حمدا لله على سلامتك ِ أيتها الغالية... الحمد لله "

رغد رفعتْ رأسها قليلا و نظرتْ نحو يدها و سألتْ :

" هل... أجروا لي العملية ؟ "

و قبل أن أجيب كانت قد حركتْ ذراعها الأيمن حتى صارتْ يدها أمام عينيها مباشرة... تحسستْ الجبيرة الصلبة باليد الأخرى... ثم نظرتْ إليّ ...
ثم حاولتْ تحريك رجلها و علامات الفزع على وجهها... ثم سحبتْ اللحاف قليلا لتكشف عن قدمها المصابة و تحدق بها قليلا... و تعود لتنظر إليّ مجددا:

" لا استطيع تحريك رجلي ! وليد... هل أصبتُ بالشلل ؟ أوه لا.... "

إلى هنا و لا استطيع أن أتابع الوصف لكم... عما حلّ بالصغيرة آنذاك...
لقد سبب وجودنا إرباكا شديدا في القسم... و خصوصا للممرضات اللواتي على رؤوسهن وقعتْ مهمة تهدئة هذه الفتاة الفزعة و رفع معنوياتها المحطمة...

كان صراخها يعلو رغم ضعف بدنها... و كل صرخة و كل آهة و كل أنة... أطلقتها رغد... اخترقت قلبي قبل أن تصفع جدران الغرفة...

بجنون ما مثله جنون... تشبثتْ بي و هي تصرخ:

" أريد أمي "

ربما لم تكن رغد تعي ما تقول بفعل المهدئات... أو ربما... الفزع أودى بعقلها... أو ربما يكون الشلل قد أصاب رجلها فعلا...!!
عندما أتى الطبيب و أعطاها دواء ً مخدرا... بدأتْ تستسلم و هي تئن بين يديّ...
الطبيب أكد مرارا و تكرارا أن شيئا لم يصب العصب و أن الأمر لا يتعدى تأثير البنج المؤقت... و أن ردة فعلها هذه شيء مألوف من بعض المرضى... لكن كلامه لم يمنحني ما يكفي من الطمأنينة...

التفتُ إلى رغد التي كانتْ متمسكة بي بيدها اليسرى تطلب الدعم النفسي:

" لا تخافي صغيرتي... ستكونين بخير... ألم تسمعي ما قال الطبيب ؟؟ إنها أزمة مؤقتة و ستستعيدين كامل صحتك و تعودين للحركة و للمشي طبيعيا كما في السابق..."

رفعتْ رغد بصرها إليّ و قالتْ و هي تفقد جزء ً من وعيها:

" هل ... سأصبح معاقة و عرجاء ؟ "

هززتُ رأسي و قلتُ فورا:

" كلا يا رغد... من قال ذلك ؟؟ لا تفكري هكذا أرجوك "

قالتْ :

" لكن كاحلي تمزّق... و عظامي انكسرت ! ربما لن أستعيدها ثانية! ماذا سيحل بي إن فقدتُهما للأبد؟ ألا يكفي ما فقدتُ يا وليد؟ ألا يكفي؟؟ "

قلتُ منفعلا :

" لا تقولي هذا... فداكِ كاحلي و عظامي و كل جسمي و روحي يا رغد ! ليتني أصِبتُ عوضا عنكِ يا صغيرتي الحبيبة "

أمسكتُ برأسها.... كنتُ أوشك على أن أضمه إليّ بقوة... و جنون... نظرتُ إلى عينيها... فرأيتهما تدوران للأعلى و ينسدل جفناها العلويان ليغطياهما ببطء... بينما يظل فوها مفتوحا و آخر كلامها معلقا على طرف لسانها..
نهايه الحلقه
41
__________________
نسمة ياسمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2010, 10:49 AM   #107
نسمة ياسمين
مميز وفعـــال
 
الصورة الرمزية نسمة ياسمين
 
تاريخ التسجيل: 15 / 1 / 2008
الدولة: الـزهــرة
الجنس:    
المشاركات: 1,068
معدل تقييم المستوى: 761
نسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدى
افتراضي رد: رواية (رغد.. انت لي) كاملة من البداية الى النهاية


الحلقة الثانية و الأربعون











~ إلا رغد ! ~




و أنا على وشك الخروج للعمل صباحا تلقيتُ اتصالاً من رقم هاتفٍ غريب، و عرفتُ بعدها أنه صديقي وليد شاكر!
أخبرني وليد بأنّ قريبته قد أُصيبتْ إصابة بالغة في رِجلها و يدها و أنّه تمّ إدخالها إلى المستشفى و إجراء عمليّة طارئة لها آخر الليل... و رجاني أن أصطحِب زوجته و والدتها إلى المستشفى...

صديقي وليد كان منهاراً و هو يتحدّث إليّ عبر الهاتف وكان صوته حزيناً و أقرب إلى النحيب. و لأنني صديقه الأوّل فقد كان وليد يلجأ إليّ كلما ألمّتْ به ضائقة أو أصابته كربة... و كان يضعف قليلا لكنّه سرعان ما يستعيد قواه و يقف صامداً دون انحناء... أمّا هذه الأزمة فقد دهورتْ نفسيته بشكل سريع و شديد للغاية، ممّا أدى إلى انحدار صحّته و قدرته على العمل تباعا.
يعاني وليد من قرحة مزمنة في المعدة و هي تنشط و تتفاقم مع الضغوط النفسية. و قد كان الأطباء ينصحونه بالاسترخاء و النقاهة كلما تهيّجتْ و بالإقلاع عن التدخين، و أظنّه أقلع عن السجائر و لكنّه أهمل علاج قرحته في هذه الفترة إلى أن تطوّر وضعها للأسوأ كما ستعرفون لاحقاً.

وليد متعلّق بشدّة بابنة عمّه المصابة هذهِ و أخالهُ يخبل لو ألّم بها شيء!
و قد كانت ابنة عمّه ترافقه كالظلّ عندما كنّا صغارا في سني المدارس و كان يحبّها جدا و كثيرا ما اصطحبها معه في زياراته لي و في تجوالنا سوياً... و قد افترق عنها سنوات حبسه في السجن... و رحلتْ مع عائلته بعيدا عن المدينة... ثمّ دارتْ الأيام لتعيد جمعه بها من جديد... و تجعله وصياً شرعيا عليها و مسؤولا أولا عن رعايتها...

عندما وصلنا دخلت ْ السيدتان إلى غرفة المريضة و رأيتُ وليد يخرج إليّ بعد ذلك...

و كما توقـّعت ُ بدا الرجل متعباً جداً... و كأنّه قضى الليلة الماضية في عملٍ بدني شاق... سألته عن أحواله و أحوال قريبته فردّ ببعض الجمل المبتورة و تمتم بعبارات الشكر

" لا داعي لهذا يا عزيزي ! إننا أخوَان و صديقان منذ الطفولة ! "

ابتسم وليد ابتسامة شاحبةً جداً ثم قال:

" عليّ أن أسرع "

قلتُ مقاطعا :

" لا تبدو بحالةٍ جيدةٍ يا وليد ! دعني أقلّك بسيارتي... ذهاباً و عودةً "

و أعاد الابتسام و لكن هذه المرة بامتنان...
أوصلتُ وليد إلى منزله حيث قضى حوالي العشرين دقيقة رتّب خلالها أموره و شربنا سوية بعض الشاي على عجل...
الرجل كان مشغول البال جداً و مخطوف الفكر... و قد حاولتُ مواساته و تشجيعه لكنه كان قد تعدّى مستوى المساواة بكثير، و بما أنني أعرفه فأنا لا استغرب حالته هذه... إنه مهووس بقريبته و قد باح لي برغبته في الزواج منها رغم أي ظروف !
و قبل أن أركن السيارة في مواقف المستشفى الخاصة رأيته يفتح الباب و يكاد يقفز خارجاً

" على مهلكَ يا رجل ! هوّن عليك ! "

قال و هو يمسك بالباب المفتوح قليلا :

" أخشى أن تستفيق ثم لا تجدني و تصاب بالفزع... إنها متعبة للغاية يا سيف و إن أصابها شيء بها فسأجن "

ألم أقل لكم ؟؟

رددتُ عليه بتهوّر :

" أنت مجنون مسبقاً يا وليد "

و انتبهتُ لجملتي الحمقاء بعد فوات الأوان. التفتَ وليد إليّ و قد تجلّى الانزعاج على وجهه ممزوجاً بالأسى...فاعتذرتُ منه مباشرةً :

" آسِف يا وليد ! لم أقصد شيئاً "

تنهّد وليد و لم يعلّق... ثم شكرني و غادر السيارة... هتفتُ و أنا ألوّح له من النافذة و هو يهرول مبتعداً :

" اتصل بي و طمئني إن جدّ شيء "

و توليتُ بنفسي إبلاغ السيّد أسامة المنذر- نائب المدير- أن وليد سيتغيب عن العمل و أوجزتُ له الأسباب.

السيّد أسامة كان نائباً للمدير السابق عاطف - أبي عمّار - البحري رحمهما الله، و كان على علاقة وطيدة بآل بحري، و على معرفة جيّدة بنا أنا و والدي و فور اكتشافه بأن وليد هو ذاته قاتل عمّار، قدّم استقالته و رفض التعاون مع وليد و العمل تحت إدارته. و لكن... بتوصية منّي و من والدي، و بعد محاولات متكررة نجحنا في تحسين صورة وليد في نظره و أفلحنا في إقناعه بالعودة للعمل خصوصا و أن وجوده كان ضروريّا جدا بحكم خبرته الطويلة و أمانته. و مع الأيام توطّدتْ العلاقة بين وليد و السيّد أسامة الذي عرف حقيقة وليد و أخلاقه و استقامته. و صار يقدّره و يتعامل معه بكل الاحترام و المحبّة. أما بقيّة موظفي المصنع و الشركة، فكانتْ مواقفهم تجاه وليد متباينة و كنتُ في خشية على وليد من ألسنتهم. غير أن وليد تصرّفَ بشجاعةٍ و لم يعرْ كلامهم اهتماماً حقيقياً و أثبتَ للجميع قدرته على الصمود و تحمُّل مسؤولية العمل مهما كانتْ الأوضاع.



~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~














لوّحتُ لسيف بيدي و أسرعتُ نحو غرفة رغد.
وجدتُها لا تزال نائمةً... و إلى جوارها تجلسُ أروى و الخالة. سألتهما عما إذا كانت قد استيقظتْ فأجابتا بالنفي... اقتربتُ منها فإذا بأروى تمدّ يدها إليّ بهاتفي المحمول و تقول:

" تفضّل.. جلبته معي لكَ "

تناولتُ الهاتف و جلستُ على مقربة أتأمل وجه رغد... و ألقي نظرةً بين الفينة و الأخرى على شاشةِ جهاز النبض الموصول بأحد أصابعها...

بعد قليل مرّتْ الممرّضة لتفقّد أحوال رغد و نزعتْ الجهاز عنها. خاطبتها :

" كيف هي ؟ "

أجابتْ :

" مستقرة "

قلتُ :

" و لماذا لا تزال نائمة ؟ "

قالتْ :

" يمكنكم إيقاظها إن شئتم "

و بعد أن غادرتْ بقينا صامتين لوهلة... ثم التفتُّ نحو أروى و سألتها:

" كيف وقعتما ؟ "

ظهر التردد على وجه أروى و اكتسى ببعض الحمرة... ما أثار قلقي... ثم تبادلتْ نظرة سريعة مع خالتي و نطقتْ أخيرا :

" كنا... واقفتين على الدرجات... و... تشاجرنا... ثمّ..."

قاطعتها و سألتُ باهتمام :

" تشاجرتما ؟؟ "

أومأتْ أروى إيجابا... و سمعتُ خالتي تُتمتم:

" يهديكما الله "

قلتُ بشغف :

" في ذلك الوقت المتأخر من الليل؟؟ و على عتبات السلم؟؟ "

و تابعتُ :

" لأجل ماذا؟؟ و كيف وقعتما هكذا؟؟ "

قالتْ أروى مباشرةً و باختصار:

" كان حادثاً... عفوياً "

انتظرتُ أن تفصّل أكثر غير أنها لاذتْ بالصمت و هربتْ بعينيها منّي...
قلتُ مستدرّاً توضيحها:

" و بعد؟ "

فرمقتني بنظرة عاجلة و قالتْ :

" مجرّد حادثٍ عفوي"

انفعلتُ و أنا ألاحظ تهربّها من التفصيل فقلتُ بصوت ٍ قوي :

" مجرد حادثٍ عفوي؟؟ اُنظري ما حلّ بالصغيرة... ألم تجدي وصفاً أفظع من (حادث عفوي)؟؟ "

نطقتْ أروى في وجس :

" وليد ! "

فرددتُ بانفعال :

" أريد التفاصيل يا أروى؟ ما الذي يجعلكِ تتشاجرين مع رغد في منتصف الليل و على عتبات السلم ؟؟ أخبريني دون مراوغة فأنا رأسي بالكاد يقف على عنقي الآن "

هنا أحسسنا بحركةٍ صدرتْ عن رغد فتوجهتْ أنظارنا جميعا إليها...
فتحتْ رغد عينيها فتشدّقتُ بهما بلهفة... و اقتربتُ منها أكثر و ناديتُ بلطف :

" رغد ... صغيرتي ... "

الفتاة نظرتْ إليّ أولا ثم راحتْ تجوبُ بأنظارها فيما حولها و حين وقعتْ على أروى و القابعة على مقربة فجأة... تغيّر لونها و احتقنتْ الدماء في وجهها وصاحتْ :

" لا... أبْعِدْها عني... أبْعِدْها عنّي... "

أروى قفزتْ واقفةً بذعر... و الخالة مدّتْ يديها إلى رغد تتلو البسملة و تذكر أسماء الله محاولة تهدئتها...

أمسكتُ بيد رغد غير المصابة و أنا أكرر :

" بسم الله عليك ِ ... بسم الله عليك ِ ... اهدئي رغد أرجوك ِ ... "

رغد نظرتْ إليّ و صاحتْ بقوة:

" أبْعِدْها عني... لا أريد أن أراها... أبعدها... أبعدها ... أبعدها "

التفتُ إلى أروى و صرختُ:

" ما الذي فعلتِه بالفتاة يا أروى؟؟ أُخرجي الآن "

أم أروى قالتْ معترضةً :

" وليد ! "

فقلتُ غاضباً :

" ألا ترين حال الصغيرة ؟؟ "

و أتممتُ موجهاً الكلام إلى أروى :

" أُخرُجي يا أروى... أنا ما كدتُ أصدّق أنها هدأتْ قليلا... ابقي في الخارج هيّا "

و أروى سرعان ما أذعنتْ للأمر و هرولتْ إلى الخارج... حينها التفتُ إلى رغد و أنا أحاول تهدئتها :

" ها قد ذهبتْ ... أرجوك اهدئي يا صغيرتي... بسم الله عليكِ و يحفظكِ ... "

لكنها قالتْ و هي لا تتمالك نفسها:

" لا أريد أن أراها... أبْعِدْها عني... أتتْ تشمتُ بي... إنها السبب... أنا لا أطيقها...قلتُ لك لا أريد أن أراها... لماذا سمحتَ لها بالمجيء؟؟ هل تريد قتلي؟ أنتَ تريد لي الموت... لماذا تفعل هذا بي يا وليد ؟؟ ألا يكفي ما أنا فيه؟؟ لماذا قـُل لماذا... لماذا ؟؟ "

جمّدني الذهول حتّى عن استيعاب ما أسمعه... لا أدري إن كان هذا ما قالته بالفعل أو إن كانت رغد هي التي تتكلّم الآن... أنا لن أؤكد لكم بسماعي شيء... إن أذنيّ فقدتا حاسة السمع و دماغي فقد القدرة على الفهم و ذاكرتي أُتْلفتْ من كميّة الفزع المهولة التي اجتاحتني منذ البارحة و لا تزال تدكّ عظامي دكا ً...

ثوان ٍ و إذا بالممرضة تدخل الغرفة و تسأل:

" ما الذي حدث ؟؟ "

ترددتُ ببصري بين رغد الثائرة و الممرضة... ثم هتفتُ منفعلاً و موجهاً كلامي لها :

" أين هو طبيبكم دعوهُ يرى ما الذي حدث للفتاة إنها ليستْ بخير... ليستْ بخير..."

و بعدها جاء الطبيب - و هو غير الجراح الذي أجرى لرغد العملية - و لم تسمح له رغد بفحصها بل صرختْ :

" أخرجوا جميعكم... لا أريدكم... ابتعدوا عني... أيها المتوحشون "

جنّ جنون الفتاة... و تصرّفتْ بشكل أقرب للهستيريا... نعتتنا بالوحوش و الأوغاد... و حاولتْ النهوض عن السرير... و نزعتْ أنبوب المصل الوريدي من ذراعها فتدفقتْ الدماء الحمراء ملوّنة الألحفة البيضاء... و سال المصل مبللاً ما حوله... و عندما حاولتْ الممرضة السيطرة على النزيف زجرتها رغد بعنفٍ و رمتها بالوسادة التي كانتْ تنام عليها...

" ابتعدوا عنّي... أيها الأوغاد... أخرجوا من هنا... لا أريد أحداً معي... أكرهكم جميعاً... أكرهكم جميعاً..."

لدى رؤيتي الحالة المهولة لصغيرتي أصابني انهيار لا يضاهيه انهيار... و تفاقمتْ ش**** بأنها جنّتْ... لا قدّر الله... و بنبرةٍ عنيفةٍ طلبتُ من... لا بل أمرتُ كلاً من الخالة و الطبيب و الممرضة بالمغادرة فوراً... علّي أفلح في تهدئة صغيرتي بمفردي... لقد كنتُ مذهول العقل عليها و أريد أن أطمئن إلى أنها بالفعل لم تُجن !

أذعنوا لأمري و طيور القلق محلّقة فوق رؤوسهم... و بعد أن خرجوا التفتُ إلى صغيرتي و التي كانت لا تزال تردد بانفعال:

" اخرجوا جميعكم ابتعدوا عنّي... "

قلتُ و أنا أسير عكس اتجاه أمرها و أراقب ثورتها و بالكاد تحملني مفاصلي من فزعي على حالها:

" لقد خرجوا يا رغد... إنه أنا وليد... "

و ازدردتُ ريقي :

" هل تريدينني أن أخرج أنا أيضا ؟ "

هذا أنا وليد... هل ترينني؟ هل تميزينني...؟ هل تعين ما تفعلين يا رغد؟ بالله عليك لا تجننيني معك...

رغد نظرتْ إليّ و هي لا تزال على انفعالها و قالتْ :

" أنتَ أحضرتها إليّ... تريدان قتلي غيظاً... أنتما تكرهانني... كلكم تكرهونني... كلكم متوحشون... كلّكم أوغاد... "

طار طائر عقلي... انفصمتْ مفاصلي... هويتُ على السرير قربها... مددتُ يديّ بضعف شديد إلى كتفيها و نطقتُ :

" رغد... ما الذي تهذين به؟؟ ماذا أصاب عقلك أنبئيني بربّك؟؟ آه يا إلهي هل ارتطم رأسكِ بالسلّم ؟؟ هذا أنا وليد... وليد يا رغد... وليد... هل تعين ما تقولين؟؟ ردي عليّ قبل أن أفقد عقلي ؟ "

و إذا بي أشعر بحرارة في جفوني... و بشيء ما يتحرّك على عينيّ...

رغد حملقتْ بي برهة و قد توقـّفتْ عن الصراخ... ثمّ أخذتْ تئِنّ أنين المرضى أو المحتضرين... و هي تنظر إليّ... و أنا أكاد أفقد وعيي من شدّة الذهول و الهلع...
اقتربتُ منها أكثر... أسحب ثقل جسدي سحباً... حتّى صرتُ أمامها مباشرة. حركتُ يديّ من على كتفيها و شددتُ على يدها السليمة إن لأدعمها أو لأستمد بعض الدعم منها... لكنها سحبتْ يدها من قبضتي... ثم رفعتها نحو صدري و راحتْ تضربني... بكلتا يديها
ضرباتها كانتْ ضعيفة قويّة... مواسية و طاعنة... غاضبة و خائفة... في آن واحد... و فوق فظاعة من أنا فيه رمتني في زوبعة الذكريات الماضية... الماضي الجميل... حيث كانتْ قبضة صغيرتي تصفع صدري عندما يشتدّ بها الغضب منّي...

استفقتُ من الشلل الذي ألمّ بحواسي و إدراكي على صوتها تقول بانهيار:

" لماذا أحضرتها إلى هنا ؟ تودّون السخرية منّي؟؟ أنتم وحوش... أكرهكم جميعاً "

صحتُ منكسرا:

" لا ! كلا... أنتِ لا تعنين ما تقولين يا رغد ! أنتِ تهذين... أنتِ غير واعية... لا ترين من أمامكِ... أنا وليد... انظري إليّ جيدا... أرجوك يا رغد... سيزول عقلي بسببكِ... آه يا رب... إلا هذا يا رب... أرجوك... أرجوك يا رب... إلا صغيرتي... لا احتمل هذا... لا احتمل هذا... "

أمسكتُ بيديها محاولاً إعاقتها عن الاستمرار في ضربي و لكن بلطفٍ خشية أن أوجعها...

" توقـّفي يا رغد أرجوكِ ستؤذين يدكِ... أرجوكِ كفى... أنتِ لا تدركين ما تفعلين..."

لكنها استمرّتْ تحركهما بعشوائية يمينا و يسارا و هما قيد قبضتَيّ ، ثم نظرتْ إلى الجبيرة و امتقع وجهها و صاحتْ بألم:

" آه يدي..."

تمزّقتُ لتألمها... أطلقتُ صراح يديها ثم حرّكتُهما بحذرٍ و لطفٍ دون أن تقاومني، و أرخيتهما على السرير إلى جانبيها و سحبتُ اللحاف و غطيتهما... و قلتُ :

" سلامتكِ يا رغد... أرجوكِ ابقي هادئة... لا تحرّكيها... أرجوكِ... عودي للنوم صغيرتي... أنتِ بحاجة للراحة... نامي قليلا بعد "

فأخذتْ تنظر إليّ و في عينيها خوفٌ و اتهامٌ... و عتابٌ قاسٍ... و أنظر إليها و في عينيّ رجاءٌ و توسّلٌ و هلعٌ كبير... كانت أعيننا قريبةً من بعضها ما جعل النظرات تصطدم ببعضها بشدّة...

قلتُ و أنا أرى كلّ المعاني في عينيها... و أشعر بها تحدّق بي بقوّة :

" أرجوكِ صغيرتي اهدئي... لن يحدث شيءٌ لا تريدينه... لن أدعها تأتي ثانيةً لكن سألتكِ بالله أن تسترخي و تهدّئي من روعكِ... أرجوكِ... "

رغد بعد هذه الحصّة الطويلة من النظرات القوية... هدأتْ و سكنتْ و أغمضتْ عينيها و أخذتْ تتنفس بعمق... مرّتْ لحظة صامتة ما كان أطولها و أقصرها... بعدها سمعتُ رغد تقول للغرابة:

" هل سأستطيع رسم اللوحة ؟ "

نظرتُ إلى وجهها بتشتتٍ... و هو مغمض العينين و كأحجية غامضة و مقفلة الحلول...

أي لوحة بعد ؟؟

قلتُ :

" أي لوحة ؟ "

رغد حرّكتْ يدها المجبّرة ثم قالتْ:

" لكنني رسمتها في قلبي... حيث أعيد رسمها كل يوم... و حتى لو لم أستطع المشي... احملني على كتفيك... أريد أن أطير إلى أمي"

ثم اكفهرّ وجهها و قالتْ :

" آه... أمّي..."

و صمتتْ فجأة...
بعد كل ذلك الجنون... و الهذيان... صمتتْ الصغيرة فجأة و لم تعد تتحرّك... حملقتُ في وجهها فرأيتُ قطرة يتيمة من الدموع الحزينة... تسيل راحلة على جانب وجهها ثم تسقط على الوسادة ... فتشربها بشراهة... و تختفي...
ناديتُها و لم ترد... ربّتُ عليها بلطفٍ فلم تُحس... هززتها بخفة ثم ببعض القوة فلم تستجب... خشيتُ أن يكون شيئا قد أصابها فجأة... فقد كانتْ قبل ثوانٍ تصرخ ثائرة و الآن لا تتحرّك... و لا تستجيب... ناديتُ بصوتٍ عالٍ:

" أيها الطبيب... أيتها الممرّضة..."

و كان الاثنان يقفان خلف الباب و سرعان ما دخلا و أقبلا نحونا

قلتُ هلِعاً :

" أنظرا ماذا حدث لها... إنها لا تردّ عليّ... "

الطبيب و الممرّضة اقتربا لفحصها فابتعدتُ لأفسح لهما المجال... أوصل الطبيب جهاز قياس النبض بإصبع رغد و تفحّصها ثم أمر الممرّضة بإعادة غرس أنبوب المصل في أحد عروقها فباشرتْ الممرضة بفعل ذلك دون أي مقاومة أو ردّة فعل من رغد... الأمر الذي ضاعف خوفي أكثر فأكثر...
جلبتْ الممرضة عبوة مصل أخرى و جعلتْ السائل يتدفق بسرعة إلى جسد رغد ثم أعادتْ فحصها و قياس ضغط دمها... و خاطبتْ رغد سائلةً:

" هل أنتِ بخير؟؟ كيف تشعرين؟؟ "

رغد عند هذا فتحتْ عينيها و نظرتْ إلى الاثنين و كأنها للتو تدرك وجودهما فعبستْ و قالتْ زاجرة:

" ابتعدا عنّي "

لكنّها كانت مستسلمة بين أيديهما.

سألتها بدوري في قلق :

" رغد هل أنتِ بخير ؟؟ "

فرّدتْ و هي تشيح بوجهها و تحرّك يدها المصابة :

" ابتعدوا عنّي... دعوني و شأني... متوحشون... آه... يدي تؤلمني "

استدرتُ إلى الطبيب و الذي كان يتحسّس نبض رسغها الأيسر و سألتُ:

" ما حلّ بها؟؟... طمئنّي؟؟ "

أجاب :

" ضغطها انخفض... لكن لا تقلق سيتحسّن بعد قليل "

سألتُ مفزوعاً :

" ضغطها ماذا ؟؟ انخفض؟؟ لماذا ؟ طمئنّي أرجوك هل هي بخير ؟؟ "

نظر إليّ نظرة تعاطف و طمأنة و قال :

" اطمئن. سيتحسّن بسرعة. إنها نزعتْ الأنبوب من يدها فجأة... و كان المصل يحتوي مسكنا للألم يجب أن يُخفّف بالتدريج كي لا يسبّب هبوطاً مفاجئاً في ضغط الدم. الوضع تحت السيطرة فلا تقلق "

و كيف لا أقلق و أنا أرى من أمر صغيرتي العجب ؟؟

قلتُ مستميتاً إلى المزيد من الطمأنة :

" كانتْ غير طبيعية البتة... ألا تظن أنه ربّما أُصيب رأسها بشيء؟؟... إنّها تهذي و تتصرّف على غير سجيتها... أرجوك تأكّد من أن دماغها بخير "

قال الطبيب :

" نحن متأكدون من عدم إصابة الرأس بشيء و الحمد لله. لكن الواضح أنّ نفسيّتها متعبة من جرّاء الحادث، و هذا أمرٌ ليس مستبعداً و يحدث لدى الكثيرين.. تحتاج إلى الدعم المعنوي و أن تكونوا إلى جانبها "

قلتُ متفاعلاً مع جملته الأخيرة:

" إنها لا تريد منّا الاقتراب منها "

و كأنّ رغد لم تسمع غير تعقيبي هذا فالتفتتْ إلينا و قالتْ :

" دعوني و شأني "

ثمّ سحبتْ يدها من يد الطبيب و أمسكتْ باللحاف و خبأتْ رأسها تحته كلياً...
و طلبتْ منّا أن نخرج جميعا و هذتْ بكلمات جنونية لم أفهم لها معنى...

نظرتُ إلى الطبيب بقلقٍ شديد :

" أظنّها جُنّتْ... يا دكتور.. افعل شيئا أرجوك... ربّما جنّتْ ! "

قال :

" كلا كلا... لا سمح الله. كما قلتُ نفسيتها متعبة... سأعطيها منوماً خفيفاً "

و بقيتْ رغد على حالها و سمعتها تقول و وجهها مغمور تحت اللحاف:

" لا تُعِدها إلى بيتنا ثانية... لا أريد أن أراها ... أبدا "

و كررتْ و هي تشدّ على صوتها :

" أبدا... هل تسمعني ؟ أبدا "

و لمّا لم تسمع ردا قالتْ :

" هل تسمعني؟؟ وليد إلى أين ذهبت ؟ "

لقد كانتْ تخاطبني من تحت اللحاف... و أنا لا أعرف إن كانت تعني ما تقول...
قلتُ و أنا أقترب لأُشعرها بوجودي فيما صوتي منكسر و موهون :

" أنا هنا... نعم أسمع... حاضر... سأفعل ما تطلبين... لكن أرجوك اهدئي الآن صغيرتي... أرجوكِ فما عاد بي طاقة بعد"

قالتْ:

" إنها السبب "

أثار كلامها اهتمامي... سألتُها :

" ماذا تعنين؟؟ "

و لم ترد...

فقلتُ :

" أ تعنين أنّ أروى... "

و لم أتمّ جملتي، إذ أنها صرختْ فجأة :

" لا تذكر اسمها أمامي "

قلتُ بسرعة و توتّر:

" حسناً حسناً... أرجوكِ لا تضطربي "

فسكنتْ و صمتتْ قليلا... ثم سمعتها و للذهول تقول :

" أريد أمّي "

شقّت كلمتها قلبي إلى نصفين...
الممرضة سألتني :

" أين والدتها؟ "

فعضضتُ على أسناني ألماً و أجبتُ بصوتٍ خافتٍ :

" متوفّاة "

حرّكتْ رغد رأسها من تحت اللحاف و راحتْ تنادي باكية :

" آه... أمي... أبي... عودا إليّ... لقد كسروا عظامي... هل تسمحان بهذا؟ أنا مدللتكما الغالية... كيف تتركاني هكذا... لا استطيع النهوض... آه... يدي تؤلمني... ساعداني... أرجوكما... لا تتركاني وحدي... من لي بعدكما... عودا إليّ... أرجوكما... عودا... "

الغرفة تشبعتْ ببخار الدموع المغلية التي لم تكد تنسكب على وجنتيّ حتى تبخّرتْ ... والتنفس أصبح صعبا داخل الغرفة المغمورة بالدموع...

طلبتُ بنفسي من الطبيب إعطاءها المنوّم الجديد في الحال... حتّى تنام و تكفّ عن النحيب الذي أفجع كلّ ذرّات جسمي... و قطّع نياط قلبي... و أثار حزن و شفقة حتّى الجدران و الأسقف... و بعد أمره أعطتها الممرضة جرعة من المنوم الذي سرعان ما أرسل رغد في دقائق إلى عالم النوم...

و كم تمنيتُ لو أن جرعة أخرى قد حُقنتْ في أوردتي أنا أيضا...

قالت الممرضة :

" ها قد نامتْ "

ثمّ أعادتْ قياس ضغط دمها مجددا و طمأنتني إلى أنه تحسّن... كما أن الطبيب أعاد فحص نبضها و أخبرني بأنه على ما يرام...

بقي الاثنان ملازمين الغرفة إلى أن استقرّ وضع رغد تماما ثم خرج الطبيب و ظلّتْ الممرّضة تسجّل ملاحظاتها في ملف رغد...
وجه رغد كان لا يزال مغمورا تحت اللحاف و خشيت أن يصعب تنفّسها فسحبته حتى بان وجهها كاملاً... و مخسوفاً

كان... كتلةً من البؤس و اليتم... يصيب الناظر إليه بالعمى و يشيب شعره... و آثار واهية من الكدمات تلوّن شحوب وجنتيه الهزيلتين...

قالتْ الممرضة و هي ترى التوتر يجتاحني و أنا أتأمّل وجه الفتاة:

" تبدو محبطةً جدا... من المستحسن أن تأتي شقيقاتها أو المقرّبات لديها لتشجيعها. الفتيات في مثل هذا السن مفرطات الإحساس و يتأثرن بسرعة حتى من أتفه الأمور فما بالكَ بإصابة بالغة..! "

أي شقيقات و أي قريبات ! أنتِ لا تدركين شيئاً...

ثم تابعتْ تكتب في الملف و أنا قابع إلى جوار رغد أتأمل كآبتها و أتألّم...

خاطبتني الممرضة :

" عفوا يا سيّد و لكنّي لاحظتُ شيئا... أريد التأكّد... إذ يبدو أنّ هناك خطأ في معلومات الكمبيوتر... هل اسم والدكما هو شاكر أم ياسر ؟؟ "

التفتُ إليها و قلتُ :

" رغد ياسر جليل آل شاكر... و أنا وليد شاكر جليل آل شاكر "

نظرتْ إليّ الممرضة بتعجّب و علقتْ :

" لستما شقيقين؟!"

قلتُ :

" إنها ابنة عمّي، و ابنتي بالوصاية "

زاد العجب على تعبيراتها و أوشكتْ على قول شيء لكنها سكتت و اكتفت بهز رأسها.

أثناء نوم رغد... أعدتُ استعراض شريط ما حصل منذ أفاقتْ قبل قليل إلى أن عادتْ للنوم محاولا تذكّر ما قالته و استيعاب تصرّفاتها... و تذكّرتُ جملتها ( إنها السبب ) و التي أشارتْ بها إلى أروى...
تباً لكِ يا أروى...
كبرتْ الفكرة في رأسي و تلاعبتْ بها الشياطين و لم أعد بقادر على حملها... و أردتُ التحدّث مع أروى حالاً...

طمأنتُ قلبي قليلا على سلامة الصغيرة و تأكدتُ من نومها، ثم طلبتُ من الممرّضة أن تبقى ملازمةً معها لحين عودتي، و خرجتُ من الغرفة بحثاً عن أروى و الخالة فوجدتهما تجلسان على مقربةٍ...
وقفتْ الاثنتان بقلقٍ لدى رؤيتي... أنظاري انصبّتْ على أروى و بدأتْ عيناي تتقدان احمرارا...

الخالة سألتْ :

" كيف هي الآن ؟ "

لم أجبها... إنما اتجهتُ مباشرة إلى أروى و قلتُ بحدة :

" ما الذي فعلتِه برغد ؟ "

التعجّب و الذعر ارتسما على وجه أروى... و لم تتحدّث...
يدي تحرّكتْ نحو ذراعها فأطبقتُ عليه بقسوة و كررتُ بحدّة أكبر :

" أجيبي ... ما الذي فعلتِه برغد ؟؟ "

الخالة تدخّلتْ قائلة :

" ماذا عساها تكون قد فعلتْ ؟ لقد وقعتا سويةً "

ضغطتُ بقوّة أكبر على ذراع أروى و صحتُ بوجهها :

" تكلّمي "

أروى حاولتْ التملّص من قبضتي عبثا... ثم استسلمتْ و قالتْ :

" كان حادثا... هل تظنّ أنني دفعتُ بها ؟ هل أنا مجنونة لأفعل ذلك؟؟ "

بخشونةٍ دفعتُ بأروى حتى صدمتها بالجدار الذي كانت تقف أمامه و قلتُ ثائراً :

" بل أنا المجنون ... لأفعل أي شيء... انتقاماً لها... "

الخالة اقتربتْ منا و قالتْ :

" وليد ! ماذا دهاك ؟؟ الناس يمرون من حولنا "

أخفضتُ صوتي و أنا أضغط على كتفَي أروى الملصقتين بالجدار أكاد أسحقهما به :

" الفتاة بحالةٍ سيئةٍ... أسوأ من سيّئةٍ... إصابتها بالغةٌ و نفسيّتها منهارةٌ... تتصرّف بغرابة... و تقول أنّكِ السبب... و تنفر منكِ بشدّة... لا تقولي أنّك لم تفعلي شيئاً... أخبريني ما الذي فعلتِه بها يا أروى تكلّمي ؟؟ "

" وليد ! "

صاحتْ أروى و حاولتْ التحرّر لكنني حشرتها بيني و بين الجدار و صحتُ :

" قلتُ لك ِ مراراً... لا تقتربي منها... إلاّ رغد يا أروى...إلاّ رغد... أي شيءٍ في هذا الكون إلاّ رغد... أنا لا أقبل أن يصيب خدش ٌ أظافرها... و لا يكفيني فيها غير إزهاق الأرواح... و أقسم يا أروى... أقسم بالله العظيم... إن أصاب الفتاة شيءٌ... في عقلها أو جسمها... و كنتِ أنتِ السبب بشكلٍ أو بآخر... فسترين منّي شيئاً لم تريه في حياتك قط... أقسم أنني سأعاقبكِ بأبشع طريقةٍ... و إن اضطررتُ لكسر عظامك كلّها و سحقها بيدي ّ هاتين "

و جذبتُ أروى قليلاً ثم ضربتها بالجدار بعنفٍ مرة أخرى...



~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

و بعد نحو الساعة اصطحبني إلى المنزل، و تركنا أمّي مع رغد... و التي كانت تغط في نومٍ عميقٍ بعد جرعةٍ من المخدّر...
وليد لم يتحدّث معي طوال الوقت... بل كان ذهنه شارداً لأبعد حدود... و فور وصولي للمنزل ذهبتُ إلى غرفتي مباشرة و أخذتُ أبكي إلى أن تصدّع رأسي فأويتُ إلى الفراش...
عندما استيقظتُ لم أكن بحالة أفضل إلا قليلاً و قرّرتُ أن أخبر وليد بتفاصيل ما حصل البارحة... حتى تتضح له الحقيقة و يتوقـّف عن توجيه الاتهام الفظيع لي.

لم أكن قد نمتُ غير ساعةٍ أو نحو ذلك... و توقّعتُ أن أجد وليد مستلق ٍ على سريره في غرفته و لكنني لم أجد له أثراً في المنزل...
و استنتجتُ أنه عاد إلى المستشفى...
أنا لا أدري ما القصّة التي قصّتها رغد عليه للحادث بيد أنني لا استبعد أن تكون قد أوهمته بأنني دفعتُ بها عمداً من أعلى الدرج...

لكن.. و الله يشهد على قولي... كان ذلك حادثاً غير مقصودٍ إطلاقا... و لو كنتُ أتوقّع أن ينتهي بها الأمر إلى غرفة العمليات لما كنتُ اعترضتُ طريقها و لتركتها تحمل هاتف زوجي إليه و أنا أتفرّج...

(زوجي) كلمة لم أعرف معناها... كما لا أعرف حقيقة الوجه الآخر لوليد
فالنظرات و التهديدات و الطريقة الفظّة العنيفة التي عاملني بها هذا الصباح تكشف لي جوانب مرعبة من وليد لم أكن لأتوقّعها أو لأصدّق وجودها فيه... و قد بدأتْ بالظهور الآن...
هذا الرجل قتل شخصاً عندما كان في قمّة الغضب... و مهما كان السبب فإن الخلاصة هي أن الغضب قد يصل بوليد إلى حد القتل !

اقشعرّ بدني من الفكرة البشعة فأزحتها بعيداً عن تفكيري هذه الساعة و حاولتُ شغل نفسي بأشياء أخرى... كترتيب و تنظيم أثاث المنزل و ما إلى ذلك...

كنتُ قد رأيتُ فراش وليد مبعثراً حين دخلتُ غرفته بحثاً عنه... و الآن عدتُ إليها لأرتّب الفراش و أعيد تنظيم الغرفة... كالمعتاد
و أثناء ذلك، و فيما أنا أرفع إحدى الوسائد رأيتُ شيئاً غريباً !
كانت ورقة فوتوغرافية ممزّقـَة... و أجزاؤها موضوعة تحت الوسادة
بفضولٍ جمعتُ الأجزاء و شرعتُ بإعادة تركيبها إلى أن اكتملتْ الصورة الفوتوغرافية
فظهرتْ صورةٌ لطفلةٍ تبتسم و بيدها دفتر رسم للأطفال و أقلام تلوين...
و من التاريخ اتّضح لي أنها التُقِطتْ قبل نحو 13 عاماً...

الأمر أثار فضولي الشديد و تعجّبي... لـِمَ يضعُ وليد صورة قديمة و ممزّقة لطفلةٍ ما تحت وسادته ؟؟
لكن لحظة !
دقّقتُ النظر إلى ملامح تلك الطفلة... و إذا لم تكن استنتاجاتي خاطئةً فأعتقد أنني عرفتُ من تكون.... !

دعوني وحدي رجاء ً !

أنا في حالة ذهول ... و لا أريد قول المزيد !
نهاية الحلقة
42

__________________
نسمة ياسمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2010, 10:53 AM   #108
نسمة ياسمين
مميز وفعـــال
 
الصورة الرمزية نسمة ياسمين
 
تاريخ التسجيل: 15 / 1 / 2008
الدولة: الـزهــرة
الجنس:    
المشاركات: 1,068
معدل تقييم المستوى: 761
نسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدى
افتراضي رد: رواية (رغد.. انت لي) كاملة من البداية الى النهاية

الحلقه الثالثة والاربعون
مـــــن حبيبتك؟؟
الساعه الثالثه إلا عشر دقائق عصراً أفقت من النوم مفزوعا على صوت رنين هاتفي.

تناولت الهاتف بسرعه وأنا استرجع وعيي فجأه واتذكر رغد وما ألم بها
أجبت بقلق:
نعم هذا أنا".
وسمعت صوت رغد يحدثني من الطرف الآخر:
مرحبا وليد. هل كنت نائما؟"
قلت:
نعم رغد هل انت بخير؟
قالت:
"أجل. اتصلت مرتين ولم ترد! كنت أريد أن أطلب منك جلب بعض حاجياتي معك.
متى ستأتي؟""
ألقيت نظرة على ساعة الحائط ثم قلت:
"بعد ساعة من الآن. لقد استغرقت في النوم ولم أحس بشي. أنا أسف. ماذا أجلب معي؟"
وذكرت لي عدة أشياء تلزمها... وإن كان (الحذاء) من بينها!
لم ألتق بأروى خلال تلك الساعة ولم أسمع ردا حين طرقت باب غرفتها
لأعلمها بانصرافي..
وذهبت إلى المستشفى وأنا أحمل باقة من الزهور الجميلة وعلبة شوكولا كبيرة بالإضافة إلى حاجيات رغد..
عندما وقعت أنظاري عليها للوهلة الأولى شعرت براحة..
إذ أنها بدت بحالة أفضل
وعاد لون الحياة إلى وجهها بعد الشحوب. كما أنها سرت بباقة الزهزر وشكرتني عليها.
أقللت خالتي إلى المنزل وعدت سريعا إلى رغد حيث قضيت معها ساعات الزياره..

تخلل تلك الساعات فترة العشاء وقد قمت بنفسي بتشجيع ومساعدة رغد على تناول
الطعام.
تجابها معي طمأنني إلى أنها تجاوزت مرحلة الانهيار النفسي وتقبلت لحد ما وضعها الحالي. هاذا إضافة إلى
أن كلام الطبيب منحني المزيد من الطمأنينة على وضعها هذا اليوم.
بعد أن أنهت عشائها بدا عليها بعض الشرود والتوتر ...
وأنا أعرف صغيرتي حين يشغل بالها شيء..
سألتها:
" أهناك شيء يا رغد؟"
نظرت إلي وفي عينيها التردد ولمحت أصابع يدها السليمه تتحرك باضطراب.
وكأنها تود قول شيء تخشاه.
قلت مشجعا:
"خير صغيرتي؟؟ ماذا يزعجك؟
قالت بعد تردد:
"ماذا قالت لك؟"
نظرت إليها مستنتجا ما تعنيه. كانت الإشارة إلى أروى طبعا. الاهتمام كان جليا على وجهها.
رددت عليها:
"لاشيء"
فسألت:
لاشي؟
فوضحت:
"أعني أنني لم أتحدث معها بعد. حقيقة لم أجد الوقت لذلك. كنت نائما طوال الساعات.
تلاشى جزء من توتر رغد وسكنت أصابعها ولكنها لم تزل مشغولة البال.
قلت:
"أهناك شيء تودين قوله لي يا رغد؟
اضطربت وأجابت:
" لا. لكن..."
"لكن ماذا؟"
"لاتتصغ لما تدعيه هي علي... إنها تكرهني".
وقد قالتها بانفعال فقلت:
"لا أحد يكرهك يا رغد.
فردت بانفعال أكثر:
"بل تكرهني.., وتعتبرني عالة عليك وعلى ثروتها.. وحتى على منزلنا".
قلت نافيا:
"غير صحيح يارغد... أروى ليست من هذا النوع".
قالت بعصبيه:
"قلت لك لا أريد سماع أسمها... لماذا تدافع عنها؟ ألم ترَ مافعلت بي؟؟ أنت لم تسمع ماقالته لي".
أحسست بأن أي شراره قد تشعل حريقا فظيعا... فأردت تدارك الأمر وقلت:
"لاتلقي بالا لشيء الآن. سنناقش المشكلة بعد خروجك سالمة إن شاءالله".
هدأت رغد وقرأت الرضا والامتنان على قسمات وجهها,ألحقتهما بابتسامة بسيطة بكلمة:
"شكرا على تفهمك".
ابتسامتها السطحية هذه أدت مفعولها وأشعرتني بتيار من الراحة... أما جملتها التالية فأطلقت قلبي محلقا في السماء...
"أنت طيب جدا... أثق بك كثيرا يا وليد".
غمرتني نشوى دخيلةٌ على الظروف والحال اللذين نمر بهما ... وأطلقت زفرة ارتياح وسرور من أعماق صدري...
وانقضت ساعات الزيارة وذهبت إلى المنزل مرتاح البال زمتهلل الوجه لحد ملحوظ...
ثماصطحبت الخالة ليندا إلى المستشفى لتبقى مع رغد طوال الليل...


عندما وصلنا إلى المستشفى, وبعد أن ركنت السيارة في أحد المواقف الخاصة,
خاطبتني الخالة قائلة:
" وليد يابني... عد إلى أروى وتحدث معها".
كانت نبرتها مزيجا من الجدية والحزن... أيقضتني من نشوة السرور التي كنت أغط فيها...
شعرت بالحرج وقلة الحيلة ولم أجرؤ على النظر إلى عينيها... الخلة تابعت:
"إنها ليست على مايرام يابني...أنت منشغل هنا مع رغد وإصابتها... لكنأروى أيضا في حالة سيئة وبحاجة إليك باركك الله".
بخجل رفعت بصري إليها وأطرقت برأسي مؤيداً...
حين وصلت إلى البيت وقفت أمام غرفة أروى في حيرة... لم تكن لدي الأفكار الحاضره لطرحها في الحديث...وأحاديثنا في الأيام الأخيرة كانت مشحونة جدا...
ومؤخرا تصرفت معها بخشونة بالغة...
مددت يدي أخيرا وطرقت الباب...
" هذا أنا... أيمكنني الدخول؟؟"
فلم ترد. فقلت:
"أروى... هل أنت نائمة؟؟"
فلم ترد.
كررت مناداتها إلى أن سمعتها تجيب أخيرا وبنبرة غاضبةٍ:
"نعم؟ ماذا تريد".
قلت:
"ام لاتردين علي؟؟ أقلقتني عليك".
فسمعتها ترد بأسلوب لم يعجبني:
"أحقا؟؟ لاداع لأن تقلق بشأني. يكفيك ما أنت فيه ومن تقلق بشأنهم. لاتتعب نفسك".
وقفت برهة حائرا ومنزعجا في مكاني.. فأنا لم أعتد الصدود من أروى بل رحابة الصدر وطول البال وحرارة الترحيب...
ثم ناديتها مرتين وطلبت منها الإذن لي بالدخول لنتحدث... ولما تجلهلت نداءاتي تجرأت وفتحت الباب!
دخلت الغرفة فرأيت أروى تهب واقفة مفاجأة من دخولي... ورأيت الاحمرار يطلي وجهها بسرعه... وأروى من النوع الذي يتغير لون وجهه بسرعه مع تغيرات انفعالاته...
قلت وأنا أراها تضطرب وترتد خطوة للوراء:
"أنا... أنا آسف ولكنني..."
وتنحنحت لأزيل الحروف التي تعثرت في حنجرتي... ثم تابعت بصوت خافت
وحنون:
"قلق بشأنك".
حل صمت عميق فيما بيننا فلا أنا قدرت على مواصلة الكلام ولا هي تكلمت لتشجعني... بل تراجعت خطوة أخرى للوراء وأدارت وجهها وأبعدت عينيها عني...
هل سنقف هكذا طويلا!؟؟ يجب أن أفعل شيئا!
تجرأت وخطوت بضع خطوات مترددة مقتربا من أروى... وهي لاتزال مديرة وجهها عني متحاشية النظر إلي...
"أروى".
ناديتها بصوت حنون...
وإن لم تنظر إليّ أو لم ترد علي... فهي على الأقل تسمعني...
قلت:
"أروى... أنا آسف لما بدر مني... أعرف أنني... أنني كنت فظا.. لكن... اعذريني فأنا أمر بظروف تفقد المرء اتزانه".
وأضفت:
"والأجدر بك كزوجة مساندتي وليس مؤاخذتي..."
هنا التفتت أروى إلي ورفعت بصرها نحوي... فقرأت في عينيها كلمات غاضبة...
ثم علقت:
"والأجدر بك كزوج... ملاطفتي وليس الصراخ في وجهي وسحق عظامي في الجدران".
لم أعرف بم أعقب! صعقني تعقيب أروى وأشعرني بذنب مؤلم...
أنا وأروى ومنذ ليلة شجارها مع رغد... على خلاف يتفاقم يوما بعد يوم... وأحدثت شجاراتها مع رغد بيننا فجوة كبيرة آخذة في الاتساع...

أولتني أروى ظهرها مجددا لتبعد عينيها وتعبيرات وجهها عن مرآي. ومرت اللحظة خلف اللحظة ونحن واقفان على هذا الوضع...
أردت أن أشعرها بندمي وبأنني راغب في أن نتفاهم ونتصالح...
مددت يدي ووضعتها على كتفها برفق... ثم أدرتها لتواجهني... وعندما التقت نظراتنا شاهدت بريق الدموع في عينيها...
"أروى..."
قلت هامسا:
"دعينا نتفاهم... أرجوك".
رفعت أروى يدها ومسحت الدمعة العالقة في رموشها قبل أن تطل... وأظهرت تعبيرات التماسك وقالت أخيرا:
"حسنا. عم تريدنا أن نتفاهم؟"
قلت وأنا لا أزال واضعا يدي على كتفها:
"عن كل شيء... والأهم عنك أنت".
نظرت إلي وهي وتضيق فتحتي عينيها وتقول:
"عني أنا؟"
أجبت:
"نعم. فأنا أود الاطمئنان عليك قبل كل شي الآن..."
قالت:
"وكيف تراني الآن؟؟"
قلت مشجعا:
"أراك بخير والحمدلله... ألست كذلك؟"
أمالت أروى إحدى زاويتي فمها للأعلى وعقبت:
"تلزمك نظارة".
وهي إجابة لم أتوقعها من أروى... ولم أستسغها... ثم أبعدت يدي عن كتفها إشارة إلى أنها غاضبة مني...
قلت محاولا استرضاءها:
"أروى... أنا آسف... آسف لأنني قصرت معك وأسأت التصرف... أرجوك أن تعذريني... إنني لا أعرف ماحصل ولكنني مأخوذا بإصابة رغد البالغة ولم أستطع التفكير في شيء أخر معها... أردت أن أسألك لتتضح الأمور... ولكن... تعرفين... كنت مضطرا لملازمة رغد في المستشفى ولم تسنح الفرصة".
قالت أروى وهي تعبر عن استيائها:
"مضطر؟؟"
قلت:
"أعني... أنه لابد من ذلك... لم يمكنني تركها وحيدة آنذاك لأنها تفزع من الوحده والغربة... إنه فزع مرضي كما أعلمتك مسبقا..."
قالت أروى بشيء من السخرية:
"وما الذي جعلك تتركهاالآن؟ هل تخلصت من مرضها أم ماذا؟"
لم أعقب على سؤالها, ثم قلت:
"اندع رغد لما بعد ولنتحدث عنك أنت الآن".
ولم أفهم سر التعبيرات التي طلعت على وجه أروى لحظتها...
بعدها قالت:
"بالنسبة لي أنا... فأنا أريد العودة إلى المزرعة".
فوجئت من كلامها وارتسمت على وجهي تعبيرات عدم التصديق... فنحن في ظروف ليست بحاجة للشرح ولايمكن لفكرة السفر أن تبقى في رأس أي منا...
قلت مستغربا:
"المزرعة؟؟"
فردت مؤكدة:
"نعم المزرعة. أريد العودة إلى المزرعة... إلى خالي... وفي أقرب فرصة".
أتعني ماتقول؟؟ ألا ترى وضعنا الحالي؟؟ أهي جادة في كلامها هذا؟؟
قلت:
"كيف يا أروى؟ عجبا! كيف تفكرين في هذا الآن؟؟ لانستطيع السفر وتدركين لماذا".
قالت موضحة:
"أما لم أقل نريد العودة... قلت أنني أنا أريد العودة... وإذا احتجتم لوالدتي فلا أظنها تمانع البقاء معكم... لكني أريد السفر وبسرعة... ولاتحاول ثنيي لأنني لن أغير موقفي".
وكان على وجهها الحزم والجد... فأدركت مدى الإصرار الذي تحمله...
رفعت يدي الاثنتين إلى كتفيها من جديد وقلت بصوت راجٍ:
"لماذا ياأروى؟ ألا تقدرين مانحن فيه؟"
أجابت بصوت غاضب, أفلت من مكابحه فجأة وفجر نافورة من الدماء في وجنتيها:
"لماذا؟ أوتسألني لماذا؟؟ لأنني تعبت يا وليد... أكاد أنفجر... ألاتشعر بما أعانيه؟؟
ألا تحس بي يا وليد؟؟ ألا تحس؟؟
وقبل أن تتم جملتها كانت الدموع قد فارقت من عينيها... فرفعت كفيها وخبأت وجهها وبكت بصوت عال...
كانت يداي لاتزالان قابعتين على كتفيها بحنان... ربما لتطبطبان على موضع القسوة التي عاملتها بها صباحا...
بكت أروى بألم.. فرققت لحالها وقلت:
"أرجوكِ... لاتبكي..."
لكنها استمرت في إطلاق الزفرات الباكية الحارة...
قلت بلطف:
"اهدئي رجاءً..."
أروى أزاحت كفيها عن وجهها ونظرت إلي من بين الدموع...
"ألا تحس بي يا وليد؟؟"
أجبت بعطف:
"من قال ذلك؟!"
أروى عصرت عينيها من الدموع وهي تحرك رأسهها نفيا وتقول:
"لا... لا تحس بي! إنك لا تشعر بما أشعر به... ولا بما أعانيه".
مدهشا من كلامها وقفت أحدق في عينيها وأصغي باهتمام...
وإذا بها تمد إحدى يديها إلى إحدى ذراعيّ الممدودتين إلى كتفيها فتشد عليها وتقول:
"وليد... وليد... أنا أحبك".
شعرت بشيء يقف في حلقي فجأة ويسد مجرى هوائي! فتوقفت عن الحركة وعن التنفس...
أما هي فتابعت:
"أتدرك ذلك؟؟"
ولما رأت سكوني هزت ذراعي وكررت:
"أتدرك ذلك يا وليد؟ أتحس بي؟؟"
أطلقت زفرة أخيرة مصحوبة بإجابة متوترو:
"آه... أجل... طبعا".
قالت:
"وأنت؟ هل تحبني؟"
ازداد توتري واستغرابي... ازدردت ريقي ثم قلت:
"ماذا دهاك يا أروى".
قاطعتني سائلة وهي تضغط على ذراعي:
"هل تحبني؟"
قلت:
"أروى!!؟"
فضغطت أكثر على ذراعي وقالت:
"أجب يا وليد..."
احتقنت الدماء في وجهي واشتعل احمرارا... وخرجت أنفاسي حارة لفحة وجه أروى وأوشكت أن تحرقه...
"بالطبع..."
وكأن الإجابة قد فجرت بركانا مملوء بالحمم في عينيها... نظرت إلي نظرة تشكك... وحركت رأسها نفيا... ثم دفنت كل تلك الحرائق في صدري...
"لماذا تفعل هذا بي يا وليد؟؟ أنا لا أتحمل... لا أتحمل... لا أتحمل".
انهارت أروى باكية على صدري بعمق.. فما كان مني إلا أن أحطتها بذراعي بعطف... وطبطبت عليها...
كنت أرغب في أن نتحدث معا ونستوضح الأمور... ونصلح الخصام القائم بيننا غير أن بكاءها وانهيارها بهذا الشكل جعلني أرجىء بعيدا الأفكار المبعثرة التتي كنت أحاول تجميعها قبل دخولي الغرفة...
تركتها تبكي على صدري وأخذت أمسح على شعرها الناعم... حتى هدأت قليلا...
فقلت مشجعا:
"يكفي يا أروى... أرجوكِ".
وأمسكت برأسها وأبعدته عني قليلا... حتى التقت نظراتنا... وكم كانت عميقة ومكتظة بالمعاني...
همست بعطف وقلق:
"ماذا حل بكِ... أروى؟"
فردت للعجب ردا لايمت لسؤالي بصلة:
"إنك حتى... لم تفكر في الاحتفاظ بصورة لي! أنا خطيبتك... وزوجتك شرعا".
نظرت إليها والدهشة تملأ وجهي... وبدأ سباق نبضات قلبي وانتهى بتوقف مفاجىء.
حين سمعت أروى تتابع قائلة:
"لكنك تحتفظ بصورتها هي!"
جفلت تيبست ذراعاي وتصلبت رجلاي... حملقت في أروى في عجز عن تحرير أنظاري من أسرها...
وإذا بها تقول:
"لايحتفظ الرجل بصورة فتاة تحت وسادته... إلا إذا كان يحبها... لا يحتاج المرء لذكاء خارق حتى يستنتج هذا".
هنا انكتمت أنفاسي كليا ووقف شعر جسدي مذهولا... حدقت عيناي في عيني أروى واستقبل وجهي كلماتها القوية... كصفعة مباغتة اصطدمت به حتى تمحي ملامحم...
وبالتأكيد... فإن ملامح وجهي بالفععل قد اختفت... لأنني رأيت عيني أروى تدوران فيه... تفتشان عن شيء لم تعثر عليه...
متسمرا في مكاني... وساكنا عن أي حركةٍ أو نفسٍ أو نبض, وقفت أما أروى أتلقى النظرات الثاقبة... ذات المعاني المستهدفة...
لما رأت أروى سكوني المهول... حركت يديها نحو كتفي وضغطت عليهما... وسألت:
"هل تحبها؟"
السؤال المفاجىء المهول... أجبر فمي على الانفغار... لكن نفسا لم يخرج منه... ونفسا لم يدخل إليه...
شعرت بيدي أروى تشدان أكثر على كتفي... وكانت تركز في عيني كمسمار دق على بصري فثبته ومنعه من الهروب...
كررت:
"أنت تحبها... أليس كذلك؟؟"
لم أتحرك!
قالت ووجهها يشع احمرارا:
"أجب يا وليد؟؟"
حاولت أن أبلع ريقي لكن الشلل أصاب حلقي... كما أن الجفاف الشديد صير لساني إلى قطعة خشب مهترئة عاجزة عن الحراك...
"أجبني".
ألحت أروى... وبصعوبة عصرت هذه الكلمات من لساني عصرا:
"بـــ... بالطبع... أليست ابنة عمي؟"
أروى هزت رأسها استنكارا وقالت:
"لا يا وليد! أنت تدرك ما أعني... أنت تحبها أكثر من ذلك... لا تحاول... إنك... أنت... آه".
ولم تكمل أروى جملتها... بل سحبت يديها وأخفت وجهها بهما وابتعدت عني...
وربماكان هذا أفضل مافعلته... لتطلق سراح عيني...
ترنحت عيناي في اللاشيء... واللاهدف... وتأرجحت ذراعاي على جانبي كبندول الساعة... وتراقصت كلمات أروى الأخيرة بين طبلتي أذني حتى مزقتهما...
العرق كان يتصبب من جسمي... والدماء تغلي في عروقي... وأشعر ببخار يخترق جلدي ويطير إلى السقف...
لم أتوقع أن تأتي هذه اللحظة ذات يوم... ولم أفكر بها... وبقيت متجاهلا لاحتمالها وهاربا منه... حتى جاءت بغتة... فلم تجد لدي أي استعداد لاستقبالها...
كانت لحظة من أصعب لحظات المواجهة... بيني وبين أروى... كان... موقفا لا أحسد عليه... ورغم أنه فاجأني لحد الذهول... لحد الذوبان والتيه واللاشي... لم تصدر عني أية ردة فعل تجاهه... كنت مشلولا تماما... وما كان أسرع ما استسلمت لحصوله... وانسقت لما فرضه علي... فلا يوجد ما يمكنني أن أنفيه أو أدعيه أو أشكك فيه...
عرفت يا أروى؟؟ لابد أنك كنت ستعرفين ذات يوم...
أنا... لاأستطيع بأي حال أن أفلح في إنكار حقيقة بهذا الحجم... بحجم السماء في سعتها... وبوضوح الشمس في سطوعها...وبعمق البحر في جوفه...
إنهها الحقيقة التي تحتل تسعاً وتسعين جزءا من المائة... من حياتي كلها... ولساني يبقى عاجزا تماما عن نفيها أو تحويرها... وأفكاري منقادة لأوامر القلب الذي يستحيل عصيانه... وجنوني يدفعني لأن...أحتفظ بصورتها القديمة الممزقة كل تلك السنين... كل تلك السنين... مخبأة عندي... نعم... فهي فقط... كل ما أستطيع الاحتفاظ به... قريبا من قلبي... هي فقط... ما أستطيع أن أتحسسه بيدي... وأتأمله بعيني... وأضمه إلى صدري...
وخلال التسع سنوات الماضية... لم تفارقني هذه الصورة الغالية... كنزي الثمين... ولا ليلة واحدة...
بعد مرور بضع دقائق أو شهور أو حتى سنين... أصابني الإعياء فسرت حتى جلست على طرف السرير... التقطت أنفاسي كعجوز طاعن... أتعبه الوقوف على رجليه لبعض الوقت...
وبقيت على صمتي لدهر...
كنت أسمع صوت بكاء أروى ولا أرفع نظري إليها... حتى إذا ما توقفت, تسللت عيناي إليها بحذر...
كانت مولية ظهرها إلي ولكنها استدارت بعد قليل ولما التقت نظراتنا أسرعت بالانسحاب عن عينيها...
سمعتها بعد ذلك تقول:
"أريد أن ترتب أمر سفري بأسرع ما يمكن..."
وخرجت الجملة متحشرجة هزيلة... وجهة إليها بصري من جديد فوجدت الدموع وقد جفت عن عينيها والجفون قد تورمتوالخدين قد توهجا من أثر الملوحة...
قالتها وانتظرت ردت فعلي...
ولأنني ساعتها لم أكن بقادر على الرد فقد اكتفيت بالتنهد وإمالة رأسي نحو الأرض... وحينما رفعته مجددا رأيتها تخرج من الغرفة وتتجه إلى الحمام... حاولت أن أناديها لكن الضعف الذي ألم بي حال دون حراكي...
انتظرتها حتى تعود... وأنا ألملم بعض أشلاء شجاعتي... وأعيد ترتيب كلماتي...
لكن الانتظار طال ولم تعد...
قمت وتوجهت نحو الحمام وطرقت الباب:
"أروى ألن تخرجي الآن؟"
أجابت:
"كلا... لاتنتظرني".
وأدركت أنها لا تريد مواصلة الحديث... فما كان مني إلا أن انسحبت.
وفي غرفتي أعدت حوارنا القصير... وتقليب الجمل التي قالتها أروى في رأسي مرارا... فيما كانت الصورة الممزقة تعبث بأصابعي...
( لا يحتفظ الرجل بصورة فتاة تحت وسادته... إلا إذا كان يحبها).
آه ياصغيرتي الممزقة...
ألم تكوني نائمة بأمان في محفظتي؟؟ لماذا أخرجتك تلك الليلة!؟ لماذا تخليت عن حذري هكذا؟؟
لقد... كنت دائما لي وحدي ولا يراك إلا عيناي... لماذا ظهرت لها وكشفت السر الدفين... وفي هذا الوقت بالذات؟؟
وتذكرت... أنه في منزلنا المحروق... في غرفة سامر... في إحدى المرات...
تركت صورة رغد الممزقة قرب وسادتي ونمت... ثم جاءت والدتي رحمها الله توقظني لتأدية الصلاة... ورأتها...
ظننت حينها... أن الموقف إنتهى في ساعته... ولو تعلمون... إلى أي مدى امتد... وماذا فعل...
طافت على مسمعي... ذكريات الكلمات الغامضة التي قالتها لي والدتي في لقائي الأخير لها قبل سفرها مع أبي إلى بيت الله... إلى حيث لارجعة عندما كانت توصيني برغد...
(" انتبه لرغد جيدا يابني".
" بالطبع أمي!")
أمي بدا المزيد من القلق جليا على وجهها وقالت:
("كنا سنؤجل حجنا للعام التالي لكن... كتبه الله لنا هذا العام... هكذا قضت الظروف يابني")
وهذا زادني حيرة!
قالت("لو أن الظروف سارت على غير ذلك... لكانت الأوضاع مختلفة الآن... لكنه قضاء الله يا ولدي... سأدعوه في بيته العظيم بأن يعوضك خيرا مما فاتك... فلنحمده على ما قسم وأعطى")
وقلت("الـــ... حمدلله على كل شيء... أمي أنت تلمحين لشيء معين؟؟")
فقالت:
("لم تتغير هي عما تركتها عليه قبل سنين... كما لم تتغير أنت...")
ثم أضافت:
("إلا أن الظروف هي التي تغيرت... وأصبح لكل منكما طريقه...").
وقد توهج وجهي منفعلا مع كلمات أمي والحقيقة الصارخة أمامي أنذاك...
ولم أستطع النبس ببنت شفة أمام نظراتها التي كشفت بواطن نفسي...
قالت:
("اعنت بها كما يعتن أي شقيق بشقيقته... كما تعتني بدانة, وادع معي الله أن يسعدهم هم الثلاثة, وأنت معهم").
آه يا أماه... إنك لاتعلمين ماحصل بعد رحيلك... لو تعلمين...!

في صباح اليوم التالي وفبل ذهابي إلى المستشفى التقيت بأروى صدفة في المطبخ...
كانت هادئة جدا... وتحضر بعض الطعام... وكانت بعض الأطباق موضوعة على المائدة... ورائحة الخبز المحمص والقهوة تملآن المكان...
وقفت أراقب أروى خلسة عند الباب... وأنا حائر... أأدخل... أم أنصرف...؟؟
هل سيزعجها مروري أم سترحب بي؟؟
بأي وجه أقابلها وأي كلام سأقول...؟ وأي موقف ستتخذ مني؟؟
وفيما أنا في حيرتي لمحتني أروى فجأة فارتاعت وأوقعت ما كان في يدها...
باشرت بالدخول وسرت نحوها والتقطت معها حبات الزيتون المبعثرة على الأرض وأنا أقول:
"أنا آسف... هل أفزعتك؟"
وهي ترد:
"فاجأتني".
وبعد فراغنا من جمع الحبات التهمت إحداها...
"طيبة المذاق".
قلت معلقا... متحاشيا إطالة النظر في عينيها قدر الإمكان... ومحاولا خلق جو جديد يمحو آثار جو البارحة الممطر... أو يلطفه...
قالت وهي تشير إلى طاولةالطعام, والتي وضعت عليها صحن الزيتون وبعض أطباق الفطور الأخرى:
"تفضل".
بدا الطعام شهيا... وذا رائحة طيبة... تسيل اللعاب... وارتحت لتجاوبها مع الجو الجديد... وقد أتناول شيئا من الفطور معها لإخماد الحريق... ولو مؤقتا...
نظرت بشكل عفوي إلى ساعة يدي... لمعرفة الوقت تحديدا فما كان من أروى إلا أن علقت بطريقة فاجأتني:
"أم أن المدللة الحبيبة تنتظرك؟"
اصطدمت نظراتنا وتعاركت معا... ثم عادت نظراتي تجر أذيال الهزيمة إلى...
إذن... النار مضرمة ومستمرة ولاسبيل لإطفائها بوجبة فطور...
ومع رد أروى الحاد لم أجرؤ على قول أكثر من:
"إلى اللقاء".
وسرت خارجا يلحقني صوتها وهي تقول:
"لاتنس موضوع السفر".


***
أخبرتني مرح أنها ستأتي مع والدها لزيارتي عصر هذا اليوم.
مرح هي صديقتي وزميلتي في الجامعة, وهي ابنة السيد أسامة المنذر... مساعد وليد الأول في العمل... وشقيق المحامي يونس المنذر الرجل الذي أتى إلى مزرعة الشقراء يخبرها عن إرث عمها قبل شهور... والذي يعمل كذلك مع وليد...
ومرح رسامة بارعة... وهي شقيقة وتلميذة لأحد الفنانين الأساتذة المعروفين والذائعي الصيت على مستوى البلد...
كنت بطبيعة الحال لا أزال محبوسة على السرير الأبيض منذ يومين, معتمدة على الممرضات والسيدة ليندا في كل شيء.
كانت أعصابي منهارة تماما في اليومين السابقين... ولكنني اليوم أفضل بكثير والحمدلله.
إنها فترة الزيارة... وليد يقضيها كلها إلى جانبي... بينما تعود السيدة ليندا فيها إلى البيت...
وليد ذهب إلى عمله هذا الصباح وأتى إلي مباشرة بعد العمل... وها هو يجلس بقربي ويطالع إحدى الجرائد وعلى وجهه اهتمام ملحوظ...
يبدو أنه يقرأ أخبارا مزعجة,وأظنها عن الحرب... فهو مهووس بمتابعة تطوراتها وما يحدث في البلد أولا بأول...
على المنضدة المجاورة كان وليد قد وضع باقة رائعة من الورود الخلابة التي تبهج النفوس...
وعلبة كبيرة من الشوكولا الفاخرة التي وزع شيئا من محتواها على الأطباء والممرضات الذين يرعونني..

يتبع

__________________
نسمة ياسمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2010, 10:56 AM   #109
نسمة ياسمين
مميز وفعـــال
 
الصورة الرمزية نسمة ياسمين
 
تاريخ التسجيل: 15 / 1 / 2008
الدولة: الـزهــرة
الجنس:    
المشاركات: 1,068
معدل تقييم المستوى: 761
نسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدى
افتراضي رد: رواية (رغد.. انت لي) كاملة من البداية الى النهاية

وألاحظ أن الرعاية في هذه المستشفى دقيقة جدا! الأطباء والممرضات يأتون لتفقدي بتكرار... حتى في أوقات الزيارة!
ها هو وليد يتثاءب من جديد! بين الفنية وأختها أراه يتثاءب أو يفرك عينيه... لاشك أنه لم ينم جيدا... وربما هو متعب ويريد أن يقيل... لكنه لم يعد للبيت بل أتى ليبقى معي... هذا يشعرني بالذنب!
إنه حنون جدا... أغدق علي عطفه وعاملني بمنتهى اللطف والاهتمام ورحابة الصدر في أزمتي هذه... حتى أنه... يساعدني في تناول الطعام!
بين لحظة وأخرى... أجر نظراتي وأحبسها بعيدا عنه, فتغافلني وتسلل خلسة إليه... مخترقة أسوار اللياقة والخجل!
إنهيتدي زي العمل... بذلة زرقاء اللون... أنيقة جدا... أراها للمرة الأولى... وقد صفف شعره بمستحضر يظهر الشعر وكأنه مبلل وتدلت خصلة طويلة لحد ما على جبينه العريض... فوق أنفه المعقوف مباشرة!
أرجو أن يكون منهمكا في القراءة وألا يلاحظ نظراتي الحمقاء!
طرق الباب...
"لا بد أنها مرح".
قلت وأنا أنظر إلى الباب ثم إلى وليد, فوضع وليد الصحيفة جانبا وقام إلى الباب وفتحه وخرج...
وسمعت صوت رجل يحييه... ثم رأيت صديقتي مرح تطل من الباب, وتحمل باقة مذهلة من الزهور البديعة...
أخذتني بالأحضان وأمطرتني بالقبل وكلمات المواساة والتشجيع... ولا أخفي عليكم أنها رفعت من معنوياتي بقر كبير...
وبدأت بعد ذلك تتحدث وبشكل مستمر...
نسيت أن أخبركم أن مرح ثرثارة ومرحة جدا كاسمها...
حلوة المعشر وطيبة القلب... تحب الحياة وتنفق على متعتها بسخاء! إنها موهوبة في الرسم مثلي وأخوتها الرسامون يقيمون معارض فنية دورية... وقد أخبرتني بأن معرضهم التالي عما قريب وأنها ستشارك فيه ودعتني أيضا للمشاركة...
الفكرة أبهرتني...! مرح فتاة رائعة... وأفكارها رائعة أيضا...
وجود مرح معي في الجامعة في الواقع أبهج حياتي كثيرا... وساعدني على تطوير علاقاتي بالزميلات... وزيارتها هذه لي فجرت ينبوعا من الأمل والتفاؤل في صدري وأزاحت جزءا كثيرا من حزني وكآبتي... الحمدلله
فيما نحن نتجاذب أطراف الحديث حول المعرض الفني المرتقب طرق الباب ثم فتح ببطء وسمعت صوت وليد يتنحنح مستأذنا الدخول...
قلت:
"تفضل وليد".
ولما أذنت له بالدخول دخل وقال:
" المعذره... سآخذ هذه".
وتوجه نحو الصحيفة التي كان يطالعها قبل قليل فأخذها ثم قال موجها الكلام إلي وعيناه مركزتان على الصحيفة:
"أبو عارف يبلغك السلام ويحمد الله على سلامتك يا رغد".
قلت:
"سلمه الله. اشكره نيابة عني".
وهم وليد بالمغادره فقلت:
"وعلى الورد كذلك وليد"
قال:
"بالطبع".
ثم غادر...
كنت لا أزال أنظر إلى الباب حين سمعت مرح تقول:
"أوه! أهذا السيد وليد شاكر؟؟!!"
تعجبت والتفت إليها فوجدت الدهشه تعلو وجهها فسألت مستغربة:
"نعم,ولكن كيف تعرفينه؟"
ابتسمت مرح وقالت وهي لاتزال ترفع حاجبيها من الدهشة:
"الجميع يتحدث عنه! والدي وعمي وأخوتي! كلهم يتحدثون عنه! هذا هو إذن!!"
سألتها متعجبة:
"يتحدثون عنه؟"
ردت:
"نعم! كمدير لمصنع البناء! السيد وليد شاكر قال, والسيد وليد شاكر فعل, والسيد وليد شاكر ذهب, والسيد وليد شاكر عاد!! هذا هو السيد وليد شاكر!!"
وكان التعجب طاغ على تعبيرات وجهها!
قلت:
" ولم أنت مستغربه هكذا؟؟"
مرح أطلقت ضحكة خفيفة وقالت:
"لم أتوقعه أبدا شابا صغيرا! أوه إنه في مقتبل العمر ! أهلي دائما يصفونه بالسيد النبيل! يقولون أنه ذكي وجدي ومهذب, ومهاب... ولايضحك أبدا! تخيلته رجلا صارما منغلقا في منتصف العمر أو حتى بعمر والدي!"
ثم أشارت إلي وأضافت:
"وأنت أخبرتني أنه أبوك بالوصاية! حسبته أكبر بكثير !"
قلت وأنا ابتسم عفويا:
"إنه يكبرني بنحو 10 سنين فقط!"
قالت والضحك يمتزج بكلامها:
"وكيف تنادينه في البيت؟ أبي؟؟ أو ابن عمي؟ أو السيد وليد شاكر؟؟"
ضحكت بخفة لتعليق مرح... وعلقت:
"وليد فقط! كما اعتدت أن أناديهمنذ الطفولة... لقد ربيت معه في بيت واحد... بعد فقد والدي... وكثيرا ما كنا نلعب سويا... وقد كنت أعتبره مثل أمي وأنا صغيره! والآن صار مثل أبي!"
ويا للأيام...!
سرحت برهة لألقي نظرة استرجاعية على الماضي البعيد... حيث ككنت طفلة صغيرة غضة... عَنى لها وليد الدنيا بأسرها!
وحقيقة لا يزال!
انتبهت على صوت مرح تتابع حديثها وقد لمعت نظرة ماكرة في عينيها:
"أب شاب... ثري وقوي وذكي... ومهذب... و..."
وهنا طرق البااب ثانية... وسمعت وليد ينادي باسمي فأذنت له بالدخول...
"أرجو المعذرة... الحلوى للزوار".
قال وهو يسير نحو المنضدة المجاور لسريري حيث علبة الشوكولا...
قلت:
"ولصديقتي أيضا من فضلك".
إذ إنه يشق علي تحريكها من موضعي, خصوصا مع إصابة يمناي.
فحمل وليد العلبة واقترب منا ومدها إلى مرح:
"تفضلي أنستي".
مرح أخذت تقلب عينيهابين أنواع الشوكولا في حيرة أيها تختار! وأخيرا اختارت
إحدى القطع وهي تقول:
"شكرا... سننتظر حلوى خروجك من المستشفى بالسلامة يا رغد".
ابتسمت, أما وليد فعقب:
"قريبا عاجلا بحول الله... الحلوى والعشاء أيضا".
واستأذن وانصرف حاملا العلبة إلى والد مرح...
هذه المرة كانت أعيننا نحن الاثنتان تنظر إلى الباب, ثم إلى بعضها البعض في الوقت ذاته.
ثم إذا بي اسمع مرح تقول:
"إنه عطر (عمق المحيط) الرجالي!"
نظرت إليها باستغراب وقلت:
"عفوا!؟"
ابتسمت وقالت:
"أهديت زجاجة مماثلة لشقيقي عارف قبل أيام! شذى قوي وراق... وباهظ الثمن!"
يا لـهذه الــــ مرح!
عقدت حاجبي وضيقت عيني ونظرت إليها باستنكار... ثم قلت:
"ماذا كنا نقول؟"
قبل أن يقطع حديثنا وليد.
أجابت مرح:
"شاب... ثري... وقوي... وذكي... وراق..."
وتوقفت برهة ثم برقت عيناها وأضافت:
"وجذاب!"
أوه يا إلهي!
وقبل أن أنطق بأي تعليق طرق الباب مجددا والتفت رأسانا بسرعة نحوه... لكن الطارق هذه المرة كان السية أم فادي... زوجة السيد سيف صديق وليد المقرب...



عد أن رحل الزوار عدت إلى غرفة رغد فوجدتها بوجه مبتسم...
تهللت أسارير وجهي... لا بد أن زيارة صديقتها والسيدة أم فادي لها قد رفعت معنوياتها... ورغم أنهما لم تبقيا غير دقائق, إلا أنها كانت كافية لتشجيع رغد وتحسين مزاجها...
ولاحظت بعد ذلك أنها أيضا تناولت وجبة العشاء بشهية جيدة...
الحمدلله
كان الطبيب قد أخبرني بأنه باستطاعت رغد مغادرت المستشفى بعد بضعة أيام, كي تشعر بارتياح أكثر في بيتها وبين أهلها ويزول عنها الإحباط... ولعلمي بأنه لا أهل لها ولا عائلة تنتظرها... غير أروى التي لاتطيقها رغد...
طلبت منه إبقاءها في المستشفى لفترة أطول ريثما تسترد عافيتها وأتدبر أمرها مع أروى بشكل أو بأخر...
وبعد العشاء شكرتني رغد على المساعدة وابتسمت ابتسامت خجلة...
إنها ليست ابتسامة عادية... وتوقيتها غريب جدا...
فما معناها يا ترى؟؟!
تأملتها منتظرا التفسير... ثم سمعتها تسألني:
"وليد... هل تعرف ماذا يقول عنك آل منذر؟"
السؤال كان غريبا! لكن الأغرب هي هذه الابتسامة الحمراء المتفتحة على وجهها...
كأنها وردة بين الثلوج...
ولكن ما بال آل منذر هم الآخرين؟؟
قلت:
"ماذا؟"
رغد بعثرت نظرها عني وأجابت:
""أنك... المدير الجدي... الذي لا يضحك أبدا!"
ارتفع حاجباي تعجبا وقلت:
"أنا؟"
"نعم".
قلت مستغربا:
"من يقول ذلك؟"
رغد وهي لاتزال مبتسمة أجابت:
"جميعهم... ربما يهابونك! إنهم يعتقدون بإنك صارم جدا ولا تعرف المزاح ولا الضحك..."
وحدقت بي في ابتسام...
عفويا ضحكت ضحكة خفيفة وقلت:
"وهل تصدقين؟؟"
رغد ألقت علي نظرة متأملة وخجلة ثم قالت:
"لايبدو!"
الذي يبدو هو أن صديقة رغد قد نقلت إليها انطباع والدها وشقيقها وعمها عني.
لدي ثلاثة موظفين من آل منذر يعملون معي...يونس وأسامة وابنه زياد...
صحيح أنني جاد ودقيق في العمل, ولكنني لست ثقيل الظل... هل أنا كذلك؟؟
رغد نقلت نظرها إلى الورود التي إلى جوارها وتابعت:
"عندما يعرفونك عن قرب...سيكتشفون كم أنت طيب... وحنون".
لحظتها... شعرت بروحي تحلق في السماء...
تأملت رغد فوجدتها تحدق في الورود وهي شبه مبتسمة...
آه يا رغد...
هل احتجت لكل ذلك الزمن... لتصفينني ولو بكلمة واحدة تشعرنني بأنني...
شيء في حياتك يستحق الوصف؟؟
وليلتها تجاذبنا أطراف حديث ممتع... أخبرتني رغد فيه عن معرض فني للرسامين
سيقام قريب وأن صديقتها وشقيقها الفنان عارف سيشاركان فيه...
وأنها تتمنى لو تعرض إحدى لوحاتها فيه أيضا...
قالت ذلك ثم نظرت إلى يدها المجبرة وعلاها بعض الحزن الذي سرعان ما تبدد حين قلت مشجعا:
"سنرى ما يمكن فعله".
ابتسمت رغد ابتسامة رضا وامتنان...
وفارقتها تلك الليلة والبسمة ملتصقة بوجهها...
ذهبت إلى البيت ليلا... وكان أمامي فتاة أخرى أنتظر أن تلتصق ابتسامة ما بوجهها هي الأخرى!
بعد أن أوصلت الخالة إلى المستشفى دخلت إلى مكتبي, فإذا بأروى توافيني بعد دقيقة...
كان جليا على وجهها أنها ترغب في الحديث معي... طلبت منها أن تجلس...
وجلست على المقعد المجاور لها... انتظرت حديثها... ومرت بضع ثوان وبعض التردد مسيطر عليها ثم نطقت أخيرا:
"هل اشتريت التذاكر؟"
تنهدت باستياء... فقد كانت فكرة السفر هي آخر ما أنتظر الحديث عنه...
ونحن في مثل هذه الظروف... ثم قلت:
"ليس بعد".
فقالت أروى متشككة:
"لكنك لم تنس أمرها أليس كذلك؟"
نظرت إلي نظرة مركزة فأجبتها:
"لا لم أنس... ولكن... دعي رغد تخرج من المستشفى أولا على الأقل".
ومررت أصابعي في شعري وزفرت بضيق...
إشارة مني إلى أنه ليس بالوقت المناسب لحديث كهذا...
راقبتني أروى قليلا وربما لم تفهم إشارتي وسألتني:
"تبدو قلقا جدا... هل ابنة عمك بخير؟"
انقبضت عضلات فكي لدى سماع سؤالها ثم أرخيتها وأجبت:
"نعم".
فإذا بأروى تقول مدافعة:
"وليد... اسمعني... أنا لم أدفع بها من أعلى السلم".
حدقت بها مستغربا... ثم أطلقت بصري للفراغ وقلت:
"أعرف".
فصمتت أروى ثم قالت:
"كنت أظن أنك فهمت شيئا خطأ... ماحصل هو أننا تشاجرنا وانثنينا لالتقاط شيء من على العتبات فانزلقت قدم رغد وأمسكت بي فوقعنا سوية".
أثارت جملتها اهتمامي... فأنا حتى الآن لا أعرف تفاصيل ما حصل وتحاشيت سؤال رغد ومن سؤال أروى...
التفت إليها وقلت باهتمام:
"ولأجل ماذا تشاجرتما؟؟"
التزمت أروى جانب الصمت ثم سألتني:
"ألم تخبرك؟"
أجبت:
"لم أسألها... ولن أفعل على الأقل في الوقت الراهن...
لا أريد أن تنفعل بشكل أو بآخر... أريد أن تتحسن نفسيتها قبل أي شيء... لكن أخبريني أنتِ؟"
ترددت أروى ثم عقدت العزم وقالت:
"إنه هاتفك".
استغربت:
"عفواً؟؟!"
فتابعت أروى:
"أنت نسيته في مكتبك... وكان يرن... وأرادت هي حمله إليك فطلبت منها إعطائي إياه فرفضت وأصرت على حمله إليك بنفسها...
كنا على الدرج... وحينما حاولت أخذه منها وقع على العتبات..."
وتوقفت. صمت لحظة أستوعب فيها ما قيل... ثم سألت:
"ثم ماذا؟؟"
فتابعت:
"أردنا إلتقاطه فوقعنا..."
قلت:
"أهذا كل شيء!؟"
غير مصدق... أن يكون سبب حادث فظيع ومؤلم هو شيء بهذه التفاهة...
ولما رأيت أروى تومىء برأسها (نعم) تملكني الغضب...
قلت تلقائيا:
"هكذا إذن... أردت نزع الهاتف من يدها فكسرتها".
اندهشت أروى من تعقيبي وقالت:
"قلت لك إنه وقع للأسفل وأردنا التقاطه".
وقفت مستاءً وقلت:
" أنا لم أنسه في المكتب أصلاً... بل أنا من أعطاها إياه تلك الليلة ولم يكن هناك داعٍ لأن تتدخلي لاستعادته".
عبس وجه أروى وقالت مستنكرة:
"وليد! لقد كنتَ نائما في غرفتك... أردت إعادته إليك ليوقظك وقت الصلاة كالمعتاد... وهي أرادت أن تفعل هذا بنفسها".
قلت بشيء من العصبية:
"ولماذا اعترضتها؟؟ أمن أجل شيء بهذه التفاهة تتسببان بحادث بهذا الحجم؟؟
لقد تكسرت عظامها وها هي طريحة الفراش كالمعاقة... كنت أعتقد أن شجاركما قام على أمر شأنا...
تقولين من أجل هاتف؟؟! ألا تخفين عني شيئا أكبر يا أروى؟؟"
هنا وقفت أروى بانفعال وهتفت بغضب:
ليس من أجل الهاتف... وأنا ليس لدي ما أخفيه عنك, مثلما تفعل أنت...
ولا أسمح بأن تتجاوز هي حدودها... كيف كنت تتوقع مني أن أتصرف؟؟ أأتركها تذهب إليك وأنا واقفة أتفرج؟؟
هل نسيت إنني أنا زوجتك وأقرب الناس إليك وليست هي".
اندهشت... فتحت فمي لأنطق مستنكرا:
"أروى"
غير أنها لم تدعني أتم جملتي بل قاطعتني مباشرة وبانفعال:
"ماذا يا وليد؟ ماذا؟؟ ما الذي ستجرؤ على قوله الآن؟؟ إنني أنا زوجتك لا هي...
وأنا من يحق لها الاقتراب منك ومن خصوصياتك... لا هي...
أنا من يجب أن تضعها في اعتبارك الأول... ومن يجب أن تصرف عليها عواطفك وحبك... لا هي
وليد... إنني لا أحظى بعلاقة أكثر دفئا وعاطفة منها... وطوال تلك الشهور وأنا أفسر مواقفك بأنها من باب المسؤولية والأمانة...
وأتقبلها وبسعة صدر بل وبإعجاب... والآن... أكتشف أن الحقيقة قد تخطت ذلك...
إنك تحبها هي... ألست كذلك يا وليد؟؟"
حملقت في أروى في دهشة من كلامها... وعجز عن الرد...
وإذا بها تهتف في وجهي مستمرة بانفعال:
"لماذا لا ترد؟ أي حقائق تخفي عني بعد يا وليد؟؟ ماذا سأكتشف عنك أيضا؟؟
لماذا أتيت إلى مزرعتي أصلا؟؟ لماذا ظرت في حياتي؟؟ لماذا تزوجتني؟؟"
صعقني كلام أروى فانفضت يداي ثم إذا بهما تطبقان على ذراعيها وإذا بي أهتف بعصبية:
"أروى... هل فقدت صوابك؟؟"
أروى دفعت بيدي بعيدا عنها وهي تقول:
"اتركني... لماذا تزوجتني إن كنت تحبها هي؟؟ ماذا تخفي عني بعد؟؟
ما الذي تخططان له من خلفي؟؟...
ماذا... ماذا كنتما تفعلان عند النافذة؟؟قل".
قلت مستاءً:
"أي نافذة وأي هذيان؟؟"
قالت مندفعة وهي تشير بيدها إلى نافذة الغرفة:
"هنا... ضحكاتك كانت تحترق الأبواب... وأراكما واقفين جنبا إلى جنب عند النافذة والأضواء مطفأة...
هل كنتما تتبادلان كلمات الحب وتضحكان علي؟؟"
وفهمت أنها تعني يوم الجمعة الماضي... عندما وقفت رغد تستمع للأذان عند النافذة في غرفة مكتبي وقدمت إلى جوارها...
لم أتحمل جنونها الفظيع هذا... فقبضت على يدها بشدة وهتفت في وجهها:
"حسبك... تماديت يا أروى؟؟ هل جننت؟؟"
فصرخت:
"وكيف تريد مني ألا أجن وأنا أكتشف أن زوجي خائن...؟؟
يظهر النبالة والشهامة مع ابنة عمه بينما في الخفاء يتبادلان الحب والصور ويستغفلاني؟؟"
هنا فقدت السيطرة على أعصابي وضغطت على يدها بقوة أوشكت معها على عصرها في قبضتي...
وصرخت وأنا أعض على أسناني:
" إياك... إياك أن تكرري الكلمة ثانية... أتسمعين؟؟
وإياك... ثم إياك... أن تقحمي رغد في هذا... لا علاقة لها بشي... فهمت؟؟
ولا أسمح بأن تتحدثي عنها هكذا... ولا تجعلي أفكاركِ تقودكِ إلى الجحيم..."
وتابعت:
"أكون خائنا لو كنت عرفتها بعد زواجي منك... لكن... لكن حبهها نشأ في صدري منذ طفولتي... ولا أسمح... بأن تصفيه بالخيانة...
إنه أكبر من أن... تفهميه... أو يفهمه أي أحد... وسواءً عرفت أو لم تعرفي...
وأعجبك أو لم يعجبك... فإن شيئا لن يتغير... وما في قلبي سأحمله إلى قبري...
وأنا أتحمل أي شيء في هذه الدنيا... أي شيء... إلا أن يصيب صغيرتي الأذى أو الإساءة...
بأي شكل... ومن أي شخص... مهما كان... أعرفت هذا الآن؟؟"
وأطلقت سراح يدها وابتعدت عنها وسددت ركلة عشوائية إلى المقعد...
أروى بقيت تنظر إلي برهة... ثم تصم أذنيها وكأنها تريد أن تحول دون تكرر
صدى كلامي بينهما...
ثم إذا بها تهتف:
"كيف... أمكنك... فعل هذا بي!؟"
ثم تهرول بسرعة خارجة من الغرفة...
بقيت واقفا على النار وجبت في الغرقة بضع خطوات عشوائية حتى استقررت أخيرا
على مقعدي خلف المكتب...
ركزت مرفقي على طاولة المكتب وأسندت رأسي على كفي بمرارة...
ما الذي فعلته؟؟
ما الذي قلته؟؟
ما الذي أصابك يا وليد؟؟ وما الذي ينتظرك؟؟
درت في دوامة الأفكار حتى داهمني الدوار والغثيان وشعرت بألم حاد في معدتي...
رفعت رأسي عن كفي وهممت بالتفتيش عن أقراص المعدة التي أتناولها عند الحاجة والتي أضع بعضها في أدراج مكتبي...
لفت انتباهي وجود مجموعة من الأوراق على المكتب, يعلوها قلم رصاص...
تركت يدي الدرج واتجهت إلى الأوراق عفويا... أزحت القلم ورأيت الورقة الأولى بيضاء خالية إلا من تجعيد خفيف...
تصفحت ما يليها... ودهشت لما رأيت...!!
أتعرفون ماذا رأيت؟؟
شيئا سيدهشكم مثلي ويلقي بكم في بئر الحيرة...
على تلك الأوراق كانت هناك صور مرسومة بقلم الرصاص...
لوجه شخص مألوف جدا... كان ينظر إلى إحدى النواحي وقد على وجهه تعبير القلق...
ملامحه كانت مرسومة بدقة عجيبة وكأنها خرجت من أصل الواقع مباشرة... وأكثر ما يثير الدهشة...
هو وجود انكسار بسيط على أنفه الطويل... مشابه تماما للانكسار الذي يعلو أنفي أنا!
قلبت الورقة بعد الأخرى... والدماء تتصاعد إلى وجهي... والدهشة تملأ عيني...
كان وجهي أنا... مرسوما على أكثر من ورقة... رسما هيكليا بسيطا وغير مكتمل... بقلم الرصاص...
هذه رسمات رغد...
تذكرت... إنني في ليلة الحادث, كنت قد تركتها في مكتبي مع هاتفي... لتنقل الصور التي التقطناها في النزهة إلى الحاسوب...
الصور... الهاتف... الحاسوب...!
أخذت أفتش في هاتفي وحاسوبي عن تلك الصور... لم أعثر عليها في الهاتف...
لكنني وجدتها في الحاسوب...
أتدرون ماذا وجدت بين الصور؟؟
صورة لي!
صورة وأنا أنظر إلى البحر... وعلى وجهي أمارات القلق...
مطابقا تماما لتلك التي وجدتها مرسومة على الورق...
رغد...
رغد...
آه... يا حبيبتي...





********************


اليوم سأجرب السير على عكازي...
الطبيب والنعالجة الطبيعية والممرضة والسيدة ليندا جميعهم يقفون إلى جانبي وأنا أحاول النهوض مستندة على العكاز...
أخصائية العلاج الطبيعي أجرت لرجلي تمارين تحريك بسيطة قبل قليل, وشرحت لي وللسيدة لينداكيفيتها... كانت سهلة ولكنها هيجت بعض الألم في قدمي ولذلك أنا متخوفة من استخدام العكاز...
الطبيب كان يكرر عبارات التشجيع... ويطمئنني بأن رجلي بخير...
لكنني قلقة وخاشية أن أصيب رجلي بالعرج... وأنتهي عرجاء... تثير شفقة الآخرين...
ولأن إصابتي شملت يدي اليمنى أيضا فإن استخدام العكاز لم يكن بالأمر السهل...
ولاقيت صعوبة في تثبيته والارتكاز عليه...
المحاولات الأولى لم تككن ناجحة ولم تثر في نفسي إلا القلق والكآبة...
وفيما أنا أخطو خطواتي البطيئة الثقيلة تعثرت بعباءتي وكدت أنزلق لولا أن تداركتني أيدي من حولي.
"لا أريد أن أستخدم هذا".
قلت بذلك بغيظ مشيرة إلى العكاز... شاعرة بنفور منه ورفض كلي لاستخدامه...
اخصائية العلاج الطبيعي حاولت تشجيعي وحثي على إعادة المحاولة...
كانوا جميعا مسترسلين في تحريضهم لي على السير وتصوير الأمر بالمهمة السهلة فيما هي شاقة بدنيا ونفسيا...
"لا أستطيع".
صرحت... فعقبوا جميعا:
"بلى تستطيعين... هيا حاولي مجددا... ستنجحين هذه المرة".
أخيرا وافقت كارهة على المحاولة وسرت خطوتين أجر فيهما رجلي من خلفي وأكاد أتعثر بملابسي...
"هيا... أحسنت... واصلي..."
يشجعوني وأنا أكاد أنهار من التوتر...
هنا سمعت طرقا على الباب والذي كان نصف مغلق وجاء صوت وليد يحييّ.
ثم رأيته يدخل الغرفة وينظر إلينا... كان يحمل حاسوبه المحمول وكيساً ما.
عندما نظر إلي هتفت مستنجدة:
"وليد..."
وألقيت بالعكاز جانبا ومددت يدي إليه... طالبة الدعم...
وليد وضع ما كان في يده جانبا وأسرع نحوي وما إن بلغني حتى ألقيت بثقل جسدي عليه
هو بدلا من العكاز وأنا أقول:
"لا أستطيع... لا أريد أن أمشي بالعكاز.. لا أريد".
ربت وليد على يدي المجبرة وقال:
"اهدئي رغد... ماذا حصل؟؟"
قلت مستغيثة:
"قل لهم ألا يضغطوا علي... لا أريد هذا العكاز...
قدمي تؤلمني... لن أستخدمه ثانية... أرجوك أخرجني من هنا".
تنقل وليد ببصره على الطاقم الطبي وقال مخاطبا الطبيب:
"ما الأمر يا دكتور؟"
الطبيب أجاب:
"لا شيء. إتها خائفة من استخدام العكاز ونحن نحاول تشجيعها".
أبدى وليد تعبيرات الضيق على وجهه وقال:
"لكننا لم نتفق على هذا".
استغرب الطبيب وسأل:
"على ماذا؟"
رد وليد:
"على بدء التمارين... لا أحب أن تقرروا شيئا دون إبلاغي...
ولا أقبل أن تضغطوا على الفتاة في شيء".
نظر الطبيب وأخصائية العلاج الطبيعي إلى بعضهما البعض, نظرات ذات مغزى,
ثم التقطت الأخيرة العكاز الملقي على الأرض وقالت:
"حسنا... سنحاول مع العكاز لاحقا... لكن يجب الاستمرار على تمارين الرجل".
التفت وليد إلي وقال:
"سنعود إلى السرير".
وسرت متعمدة عليه إلى أن جلست باسترخاء على سريري...
"كيف تشعرين؟"
سألني وليد فأجبت منفعلة:
"أنا لن أمشي بهذا العكاز... إما أن أسير على قدمي كالسابق أو سأبقى في سريري للأبد".
وليد رد:
"هوني عليكِ..."
كتمت خوفي وصمت...
غادر الطاقم الطبي وتبعهما وليد ثم عاد بعد بضع دقائق... ابتسم وقال:
"أحضرت لك بعض المجلات لتطلعي عليها".
وقرب إلي الكيس الذي أحضره معه...
نظرة إله بامتنان وقلت:
"ولكن يا وليد أنا أريد الخروج من هنا... دعنا نعود للبيت".
وليد ارتسم بعض القلق على وجهه ثم قال:
" من الأفضل أن تبقي لأيام أخرى بعد... ريثما تتحسن إصابتك وتتدربين على السير على العكاز أكثر".
قلت:
"لن أحاول ثانية".
بدأ القلق يتفاقم على وجه وليد فقلت:
"أرجوك... أنا لا أريد البقاء هنا".
السيدة ليندا تدخلت قائلة:
"شرحت لنا أخصائية العلاج الطبيعي كيفية التمارين وسأتولى العناية بها في المنزل...
فإذا كان الطبيب يوافق فمن الخير لنا المغادرة يا بني".
وليد لم يظهر تأييدا ولا أعرف لم يريد لي البقاء في المستشفى أكثر...
رغم الإرباك الذي سببه الأمر في عمله وفي وضعنا بشكل عام...
إضافة إلى تكاليف المستشفى الباهضة...
قال:
"لثلاثة أيام أخرى على الأقل".
وكان الإصرار مغلفا بالرجاء ينبع من عينيه... فقلت باستلام:
"ثلاثة فقط".
ابتسم وليد ثم التفت إلى السيدة ليندا وخاطبها:
"هيا بنا الآن إلى المنزل ياخالتي... وكان الله في عونك هذه الليلة أيضا".
وكالعادة بعد اصطحابها للمنزل عاد وليد وبقى برفقتي طوال ساعات الزيارة...
وكان يشغل نفسه بانجاز أعماله في حاسوبه الخاص, بينما كنت أنا أتصفح المجلات التي جلبها لي وبين لحظة وأخرى ألقي نظرة على الساعة...
النهار غدا طويلا... وشعرت بالملل... وراودتني فكرة الاتصال بنهلة والتي لم أهاتفها منذ أيام ولم أعلمها عما حصل معي...
"وليد".
ناديته وقد كان مركزا في الشاشة فالتفت إلي:
"نعم؟"
قلت:
"من فضلك هلا ناولتني الهاتف؟"
وأشرت إلى المنضدة المجاورة حيث كان الهاتف موضوعا على الوصول إليه.
أقبل وليد وناولني الهاتف وسألني عفويا:
"بمن ستتصلين؟"
أجبت:
"ببيت خالتي".
وليد أمسك بالهاتف وأبعده عني... نظرت إليه باستغراب فرد على استغرابي بسؤال:
"هل سبق وأن أخبرتيهم؟"
أجبت:
"لا".
وليد أعاد الهاتف إلى المنضدة وقال:
"جيد. لا داعي لأن تقلقيهم الآن".
تعجبت وسألت:
"ألا تريد مني الاتصال بهم؟"
قال:
"أرجوك لاتفعلي رغد".
ازداد عجبي وسألت:
"لماذا؟؟"
يتبع
__________________
نسمة ياسمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 28-01-2010, 10:57 AM   #110
نسمة ياسمين
مميز وفعـــال
 
الصورة الرمزية نسمة ياسمين
 
تاريخ التسجيل: 15 / 1 / 2008
الدولة: الـزهــرة
الجنس:    
المشاركات: 1,068
معدل تقييم المستوى: 761
نسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدىنسمة ياسمين من أهم أعضاء المنتدى
افتراضي رد: رواية (رغد.. انت لي) كاملة من البداية الى النهاية

وليد شد على قبضتيه وعلاه التوتر ثم قال:
"تعرفين... إن ذلك سيسبب لهم القلق وأنت لا تزالين في المستشفى... الحمدلله أنك بخير ولا داعي لإشغال بالهم عليك".
إنني أوافي نهلة بتفاصيل سخيفة عن حياتي اليومية فهل يعقل ألا أخبرها عن حادثة كهذه؟
قلت:
"سأطمئنهم إلى أنني بخير وسأغادر قريبا".
وليد حرك رأسه اعتراضا.
قلت:
"لكن..."
وتكلم وليد بنبرة شديدة الرجاء:
"أرجوك يا رغد... لا تخبريهم بشيء... أرجوك".
ورغم أنني لم أفهم موقف وليد غير أنني أذعنت لطلبه ولم أتصل بعائلة خالتي ولم أطلعهم على شيء مما حصل إلى أن التقينا فيما بعد...
ومضت الأيام الأخيرة... وأخيرا غادرت المستشفى...
كاد وليد قد أعد إحدى غرف الطابق السفلي لأقيم فيها مؤقتا...
ولأن منزلنا كبير وموحش ومليء بالعتبات والدرجات, فقد اختار لي أقرب غرفة إلى المطبخ وإلى غرفة المعيشة السفلية والتي استقلها هو بدوره للمبيت قريبا مني.
كنتقد تدربت على السير بالعكاز مضطرة... المهمة شاقة وتحركي بطيء وثقيل... لكنني عدمت حلا آخر...
أخذت أتنقل بالعكاز في غرفة نومي وفي الجوار بحذر ومشقة وغالبا ما أعتمد على الآخرين لجلب الأشياء إلي.
وليد والسيدة ليندا والخادمة تناوبوا على رعايتي وملازمتي معظم الأوقات.
أما الدخيلة الشقراء فلم أر وجهها الملون مُذ زارتني في المستشفى بعد الحادث...
وليد أصر على إقامة حفلة عشاء صغيرة دعونا إليها المقربين احتفالا بخروجي من المستشفى.
الفكرة لم تعجبني لأنني بالتأكيد سأضطر لمجالسة الشقراء مع الضيوف. لكنني رضخت للأمر من أجل وليد.
ما كان أطيبه وأكرمه... طوال فترة بقائي في المستشفى...
أول ضيفة وصلت كانت صديقتي مرح مع والدتها وشقيقتيها وقد استقبلتهن السيدة ليندا وقادتهن إلى غرفة الضيوف حيث أجلس.
أمطرتني الثلاث بالتحيات والتهنئات على خروجي من المستشفى وأهدينني سلة حلويات رائعة.
"ولكن أين هي السيدة أروى؟ نتوق للتعرف إليها".
قالت ذلك مرح بكل عفوية وهي تجهل أن مجرد ذكر اسم هذه الدخيلة يثير غيضي...
السيدة ليندا ردت مبتسمة:
"إنها في الجوار... سوف أستدعيها".
وذهبت لاستدعائها.
مرح قالت مازحة:
"أتحرق شوقا لرؤية مالكة المصنع وصاحبة الملايين! يقول أبي أنها كانت تعيش في مزرعة حياة عادية!"
أم عارف- والدة مرح- زجرت مرح على تعليقها ولكن مرح ابتسمت وقالت:
"هيا أمي! هذه رغد صديقتي المقربة وهي تعرف أنني أحب المزاح! ألا تبدو حكاية السيدة أروى أشبه بالأساطير؟؟"
لحظات وإذا بالشقراء تهل علينا...
قامت الثلاث وحيينها بحرارة وعبرن عن سرورهن الشديد بالتعرف إليها ولهفتهن المسبقة للقائها...
وكان جليا عليهن الانبهار بها... نعم فهي جميلة بدرجة آسرة للنظر وقد تزينت هذه الأمسية بشكل متقن جدا...
إنني أمهر منها في فن المساحيق والألوان... لكني الآن قابعة في مكاني بجبيرتي وعكازي...
وبدون أي زينة... ولا أثير سوى شفقة الأخرين...
بمجرد حلولها, سرقت الشقراء كل الأضواء بعيدا عني... أنا من كان يفترض أن تكون هذه الحفلة قد أقيمت من أجلها!
وعندما أتت أم سيف وأم فادي كذلك انضمتا إليهن.
وحتى على المائدة, كن يأكلن بسرور وعفوية ويمتدحن الأطباق اللذيذة واليد الماهرة التي أعدتها...
فيما كنت أنا المعاقة بالكاد ألمس الطعام بيدي اليسرى...
وعوضا عن أن تبهجني هذه الحفلة كما يفترض زادتني غيضا ونفورا من الدخيلة.
التزمت جانب الهدوء معظم الوقت لشعوري بأنني لا أملك شيئا أمام ما تملكه الشقراء مما يثير اهتمام وإعجاب الآخرين...
وعندما قامت الدخيلة برفع الأطباق الرئيسية إذا بمرح والتي كانت جالسة إلى جواري
تقترب مني وتهمس في أذني:
"زوجة أبيكِ مذهلة! جذابة مثله! كم هما ثنائي رائع".
ولو لم أتمالك نفسي لأفرغت ما في معدتي من شدة الغيظ...
بعد أن خرج الضيوف, أويت مباشرة إلى غرفتي والنار تحرق صدري وتفحمه...
ولم أجد من حولي ما أفرغ فيه غضبي ولا من أبثه همي أو أعبر له عما يختلج داخلي...
فأخذت أبكي بحرقة... وأردت أن أكسر الجبيرة وأحطم العكاز اللذين لم يزيداني إلا بؤسا...
ومن شدة غيظي رميت بالعكاز بعيدا بقوة فارتطم بطاولة على مقربة وأحدث بعض الجلبة...
طرق الباب وسمعت وليد يخاطبني:
"هذا أنا يا رغد... هل انت بخير؟؟"
قلت:
"نعم. لا تقلق".
قال:
"هل تحتاجين إلى شيء؟"
أجبت:
"كلا... شكرا".
فقال:
"إذن تصبحين على خير".
وأحسست به يبتعد...
شعرت برغبة مفاجئة في التحدث معه... أردت النهوض ولكن عكازي كان بعيدا...
ناديته لكنه لم يسمعني... زحفت على الأرض إلى أن وصلت إلى عكازي...
ثم ارتديت حجابي على عجل وسرت نحو الباب...
ذهبت إلى غرفة المعيشة المجاورة حيث يبات هو حاليا... وكان الباب مفتوحا ويكشف ما في الداخل...
إلى الجدار المقابل لفتحة الباب كانت أروى تسند ظهرها وقد مددت إحدى يديها إلى خصرها بينما يقف وليد أمامها مباشرة وذراعاه ممدودتان إلى الأمام ومسندتان إلى ذات الجدار مشكلتين طوقا حولها...
حين وقع بصري على منظرهما شعرت بالشلل المفاجىء وترنحت بعكازي...
بسرعة استدرت للوراء وخطوت خطوتين بالعكاز مبتعدة عن الصدمة... ولأنني شعرت بالشلل فقد رميت ثقلي كاملا على العكاز الذي انزلق فوق الأرضية الملساء وأوقعني فجأة...
تأوهت ألما... ولم أستطع النهوض ليس من شدة الإصابة بل من العشي الذي أصاب عيني من منظر الاثنين...
لمحت وليد يقبل نحوي قلقا ويجثو بقربي وهو يقول:
"أأنت بخير؟"
بخير...؟ لا! أنا لست بخير... لست بخير... لست بخير...
هب وليد لمساعدتي على النهوض فقلت زاجرة:
"دعني من فضلك".
ومددت يدي إلى العكاز وأقمته عموديا على الأرض وحاولت النهوض...
غير أنني لم أستطع...
كانت أطرافي ترتجف وأعصابي منهارة وعجزة عن شد قبضتي على العكاز فانزلق مجددا...
قال وليد:
"دعيني أساعدك".
لكنني رددت باقتضاب:
"قلت دعني وشأني... سأنهض بمفردي".
وأعدت الاستناد إلى العكازوانهرت أرضا...
وليد حينما رأى ذلك مد ذراعيه ورفعني عن الأرض...
قلت بغضب:
"ماذا تفعل؟ كلا... أنزلني..."
قال وليد بانفعال:
"ستكسرين بقبة أطرافك إن تركتك هكذا".
وسار بي رغما عني إلى أن أوصلني إلى غرفتي ووضعني على السرير.
قلت ثائرة:
"لا أريد مساعدة من أحد... دعوني وشأني".
وليد نظر إلي باستغراب واستهجان معا وقال:
"ماذا جرى لك يا رغد؟ ما غيرك هكذا فجأة؟"
قلت بغضب:
"ليس من شأنك... إياك أن تكررها ثانية... من تظن نفسكك؟؟"
وليد حملق بي مندهشا:
"رغد!! أتهذين؟؟"
صرخت:
"نعم أهذي... أنا مجنونة... ماذا يهمك في ذلك؟؟"
أطرق وليد برأسه ثم قال مستاء:
"الظاهر أنني تسرعت حين أحضرتك من المستشفى... أنت لاتزالين متعبة".
استفزتني جملته... فصرخت:
"متعبة ومجنونة وعرجاء... ثم ماذا؟ هل اكتشفت حقيقة ما أكون الآن؟"
تنفس وليد نفسا عميقا ثم أولاني ظهره وغادر.
ناديت بغضب:
"إلى أين تذهب؟ عد إلى هنان".
لكنه اختفى... ثم فجأة ظهر يحمل العكاز وأتى به إلى جانبي...
لما رأيت العكاز قربي مباشرة ثار جنوني... أخذت العكاز ورميت به بقوة بعيدا فارتطم بنفس الطاولة وأحدث ذات الجلبة... وليد وقف بجواري يراقب بصمت...
قلت بحدة:
"لا أريد هذا ولن أستخدمه ثانية... هل فهمت؟"
لم يتحرك ولم يقل شيئا... فاشتططت غضبا من بروده وصرخت:
"لا تعده إلي ثانية... مفهوم؟؟"
وليد وقف يسمعني وينظر إلي ولا يرد!
أردت منه أن يقول شيئا.. أن يغضب... أن يتشاجر معي أو يواسيني... أن يبدي أي ردة فعل تفيد بأنه يسمعني ولكنه لم يحرك ساكنا.
قلت بتهيج:
"لماذا لا ترد؟"
وليد حدق بي لحظة ثم قال:
"هل انتهيت الآن؟"
حملقنا ببعضنا لفترة ثم استدار وليد بقصد المغادرة.
هتفت بسرعة:
"انتظر".
استدار إلي بنفاذ صبر وقال بضيق بالغ:
"ماذا بعد؟"
ولما أحسست بضيقه هدأت فجأة وشعرت بالذنب...
صمت برهة متراجعة, وقبضت على ما أفلت من أعصابي... ثم قلت وقد تحول صوتي بغتة إلى السكينة:
"إلى أين تذهب".
رد وليد بانفعال:
"إلى قعر الجحيم.. هل يهمك هذا؟"
وأراد أن يخرج فناديته مجددا :
"وليد".
التفت إلي بطول بال وزفر زفرة قوية من صدره وقال باقتضاب:
"نعم؟"
إنه غاضب بالفعل...
يا أنت!.. يا من تقف هناك تشتعل غضبا.. يا من تدعي أنك ذاهب إلى قعر الجحيم...
إنك أنت جحيمي! اقترب وابتعد مني في آن واحد... فأنا أفقد توازني في كلا الوضعين...
ولاشيء يحرقني ويزيدني سعيرا وجنونا أكثر من رؤيتك إلى جانب الشقراء الدخيلة...
"نعم يا رغد هل هناك شيء آخر؟؟"
قال وليد ذلك لما استبطأ ردي ورأى ترددي...
"رغد؟؟!!"
قال مستغربا ومستاءً... فقلت منكسرة:
"أنا... آسفة".
ومن التعبيرات التي تجلت على وجهه أدركت أنه لم يكن يتوقع أسفي أو ينتظره...
قلت:
"لا تغضب مني".
حملق بي وليد في صمت ثم ضغط بإصبعه على المنطقة بين حاجبيه ثم قال:
"لست غاضبا... لكنني تعب من تقلبات مزاجك هذه يا رغد..."
ثم تابع بصوت راج:
"أعطيني فترة نقاهة أرخي فيها أعصابي المشدودة قبل أن تنقطع".
فسرت الإرخاء الذي يقصده على أنه أروى... فهيجني المعنى وقلت منفلتة من جديد:
"وأعصابك هذه لا تسترخي إلا مع الشقراء؟"
نظر إلي بتعجب وتابعت:
"أما أما.. فأعصابي لن تستريح ومزاجي لن يصفو إلا إذا أرسلتها للمزرعة وأبعدتها عني نهائيا".
مرر وليد أصابع في شعره كما يفعل عندما يتوتر... ثم زفر:
"يا صبر أيوب".
وأحسست بالجملة تطعن قلبي.. فقلت ثائرة:
"يلزمك صبر بحجم المحيط إن كنت ستبقيها أمام عيني تصول وتجول...
وأنا معاقة بهذا الشكل.. لتتحمل النتائج.. قلت لك أنني أكرهها ولا أريد رؤية وجهها ثانية...
إنها حتى لم تفكر في الاعتذار عما سببته لي... بل لا بد أنها فرحة بإصابتي وتشمت بي..
وأنا أفضل الموت حرقا على أن أراها تجول أمام ناظري بكل حرية".
ربما بالغت بالتعبير عن غيظي الشديد أمام وليد... هو وضع يديه على صدغيه ثم هتف بقوة:
"حاضر... حاضر يا رغد... حاضر... سأرسلها إلى المزرعة وأخلصك من كل هذا... أفعل أي شيء لأجلك... ماذا تأمرين بعد؟ فقط أريحيني..."
وضرب الباب بقبضته بقوة وانصرف...


وعدت إلى غرفة المعيشة والمجاورة لغرفة رغد فوجدت أروى لا تزال هناك...
واقفة عند الباب وتستمع إلى شجارنا...
لم تتحدث بل ألقت علي نظرة خيبة سريعة ثم غادرت المكان...
قبل قليل كنت أحاول مصالحتها وتوضيح بعض الأمور العالقة منذ أيام...
إننا متخاصمان والجو مربوك للغاية وكلما حاولت التقرب منها صدتني بجملة: (أعدني إلى المزرعة).
أحاول بذل جهودي لإقناعها بالعدول عن الفكرة حاليا ولكن...
وإن كان هناك شعرة أمل واحدة فإن رغد بكلامها الأخير هذا... قطعتها...
رغد كانت بصحة مقبولة مُذ غادرت المستشفى وتقبلت بعد جهد فكرة السير على العكاز...
والأمور سارت على نحو مرضٍ إلى أن انتهت حفلت العشاء الصغيرة التي أقمتها إحتفالا بسلامتها...
وأعتقد... بل أنا على يقين من أن سبب تدهورها المفاجىء هو مقابلة أروى...
إن علي ألا أقف مكتوف اليدين وأترك الفتاة تتخبط وتنهار من جديد... في السابق كانت تنشغل في الجامعة وفي الدراسة...
أما وهي حبيسة الجبيرة والمنزل... فإن اصطدامها بأروى سيسبب كارثة نفسية لها...
ولأن الوضع لم يكن ليطاق البتة فقد انتهى قراري إلى أن اشتري تذاكر السفر عاجلا...
"لا بأس.. فنحن أعددنا أمتعتنا منذ أيام يا بني وسنضيف ما يلزم".
أجابتني الخالة حين أخبرتها بعد أن عدت من شركة الطيران في اليوم التالي...
قلت:
"جيد. وهلا ساعدت رغد في تجهيز أمتعتها؟"
"بكل تأكيد".
سألت:
"بالمناسبة هل هي مستيقضة؟"
فأننا لم أرها أو أعرف عنها شيئا منذ البارحة... ولا أعرف بأي مزاج استيقضت هذا الصباح!
ردت الخالة:
"نعم. انهت حمامها وطعامها قبل قليل فقد رأيت الخادمة تخرج بالأطباق من غرفتها".
قلت:
"إذن رجاء أعلميها بأنني أود التحدث معها".
وسبقتني الخالة إلى غرفة رغد لتعلمها بقدومي, ثم رأيتها تخرج وتقول:
"تفضل".
البارحة كانت فتاتي غير طبيعية وأظنني أنا أيضا لم أسيطر على أعصابي كما ينبغي...
لكن أنا حتى لو غضبت من رغد وتقلبات مزاجها يتغلب خوفي عليها وحبي لها على أي شعور آخر ويعيدني إليها ملهوفا...
أشتاق وأعود إليها حتى لو لم أكن أجد لديها ما يغذي شوقي...
إنها المحور التي تدور حوله أحاسيسي ومشاعري واهتماماتي... وأمور حياتي كلها...
وقفت عن الباب وطرقته... وسمعتها تأذن لي بالدخول...
لا أعرف لماذا هذه المره تسارعت نبضات قلبي وساورني التوتر... أكثر من المعتاد...
رغد كانت جالسة على المقعد أمام المرآة... ونظرت إلي من خلال المرآة فازداد توتري ثم حييتها بصوت خافت, وهي ردت بهدوء.
سألتها:
"كيف أنت هذا الصباح؟"
متمنيا أن تكون إجابتها مطمئنة شكلا ومضمونا.
فردت:
"الحمدلله".
وهي لا تزال تخاطبني عبر المرآة...
عقبت:
"الحمدلله".
ولمحت العكاز إلى جوارها فسألت:
"هل قمت بالتمارين؟"
فردت:
"نعم".
"وكيف تشعرين؟"
"بتحسن خفيف".
ابتهجت وقلت:
"عظيم... ستتحسنين بسرعة إن شاء الله وتستغنين عن هذا قريبا".
وأشرت إلى العكاز...
رغد نظرت إلى العكاز ثم إلي عبر المرآة نظرة تشكك وقلقوسألت:
"أحقا؟ أخشى أنني لا أستطيع الاستغناء عنه أبدا".
قلت بسرعة:
"ما هذا الكلام؟ غير صحيح".
وبدا على وجهها قلق أكبر وقالت:
"أو ربما يظل في قدمي شيء من العرج الأبدي".
قلت معترضا:
"كلا".
لكنها كانت شديدة القلق... بل إن أكبر مخاوفها كما استنتجت هو أن تنتهي إصابتها بالعرج لا سمح الله...
قلت مشجعا:
"لقد أكد الطبيب أنه أمر مؤقت إلى أن يشفى التمزق ويزول الورم وينجبر الكسر... لا تخافي صغيرتي".
تعلقت عينا رغد بسراب كلماتي الأخيرة... ثم إذا بها تستدير نحوي لتواجه نظراتي مباشرة...
وتقول:
"وليد... فيما لو... لو لا قدر الله أصبحت عرجاء أو معاقة...فــ.. هل... ستظل تهتم بي؟"
فوجئت من سؤالها الغريب... والذي أجهل المغزى الحقيقي من ورائه... وكانت تنتظر مني الإجابة من لهفة نظراتها إلي...
أي سؤال هذا يا رغد...!؟
قلت:
"لا تفكري هكذا يا رغد بالله عليك... أنا متفائل جدا وبإذن الله سيعود كل شي على ما كان".
لكنها عادت تسأل:
"لكن لو لا قدر الله لم أشف تماما... هل ستظل تعتني بي؟"
ومن الرجاء الذي قرأته في عينيها فهمت مقدار تشوقها لسماع إجابة مطمئنة...
آه يا رغد! أوتسألين؟؟ أيساورك أي شك تجاهي أهميتك وأولويتك أنت في حياتي..؟
قلت:
"وحتى لو بلغت المائتين من العمر وأصبحت عاجزة عن كل شيء... سأظل أعتني بك دوما يا صغيرتي".
رأيت الابتسامة تشق طريقها إلى وجهها... كأنها شمس أشرقت في سماء نقية... ثم قالت:
"شكرا لك".
ابتسمت بسرور وراحة وقلت:
"على الرحب والسعة".
رغد كررت:
"أنا عاجزة عن شكرك على كل ماتفعله من أحلي.."
قاطعتها مداعبا:
"وهل ينتظر الآباء شكرا على رعايتة بناتهم؟"
رغد نظرت إلى الأرض ثم إلي وقالت:
"ولكنك ستكون في المائتين وعشر سنين من عمرك... أشك في أنك ستكون قادرا على حملي!"
ضحكت ثم قلت:
"لاتستهيني بقدراتي".
ثم أضفت:
"حسنا! سأريك!"
وعلى غير توقع منها مددت يدي أسفل الكرسي الذي تجلس هي فوقه ورفعتهما سويا!
رغد هتفت متعجبة:
"أوه... ماذا تفعل؟!"
قلت:
"سأحملك إلى الطابق العلوي لتعدي حقيبة سفرك... ستساعدك الخالة".
ولم أدع لها الفرصة للاعتراض وحملتها إلى غرفتها في الطابق العلوي واستدعيت خالتي والخادمة لمساعدتها... وذهبت لأعد حقيبتي أيضا...

*************

موعد سفرنا مساء اليوم... ولأنه سيكون سفر قصيرا فأنا لم أجهز في حقيبتي الكثير من الحاجيات.
وكنت اتمنى لو أنني لا أضطر للسفر وأنا بهذه الحالة, ولكن وليد لم يجد بدا من أن يسافر بنا نحن الثلاث ثم يعود بي...
الساعة الآن الثالثة فجرا... تصورا أنني مستيقضة حتى الآن... يحول الأرق الفظيع دون استسلامي لسلطان النوم...!
وليد أخبرني بأنه سيأخذني إلى بيت خالتي لأقضي عندهم بضعة أيام... وأنا لم أخبر عائلة خالتي عن قدومي إليهم ولا عن إصابتي, بطلب من وليد نفسه.
سوف نترك الشقراء والسيدة ليندا في المزرعة... ونعود أنا ووليد إلى البيت!
ألا يكفي هذا سببا لجعلي أتأرق طوال الليل؟؟
هذا إضافة إلى تفكيري الدائم بإصابتي وخوفي من أنأنتهي عرجاء... أو تفقد يدي مهارتها في الرسم...
الرسم!
على ذكر الرسم تذكرت شيئا مهما فهببت جالسة فجأة...
"لوحاتي!"
هتفت أخاطب نفسي... كيف يعقل أن تكون رسماتي الأخيرة قد غابت عن ذهني هكذا..؟!
نهضت عن سريري وأضأت المصابيح وجلت ببصري فيما حولي مفتشة عن الأوراق التي رسمت وجه وليد ليلة النزهة...
"يا ألهي... أين يمكن أن تكون؟؟"
فقد كانت في يدي عندما وقعت من أعلى الدرج ولا أعرف ما حل بها بعد ذلك...
ربما الشقراء أزالتها وتخلصت منها... أو ربما السيدة ليندا جمعتها ووضعتها في مكان ما... أو ربما وليد بالصدفة شاهدها... رباه!!
ولم أستطع مقاومة رغبتي الملحة في العثور عليها تلك الساعة.
فتشت تفتيشا سطحيا في الأماكن التي افترضت أن يمكن أن يكون قد نقلها إليها....
ولم أعثر على شيء للآن... وحان دور غرفة مكتب وليد!
البيت يخيم عليه السكون والظلام... وحقيقة يبدو مرعبا... وأنا أتحرك ببطء وبحذر وببعض الخوف... إلى أن دخلت غرفة المكتب...
كانت الغرفة غارقة في الظلام الدامس, أشعلت المصابيح وألقيت نظرة على ما حولي واستقر بي العزم على أن أبدأ بتفتيش مكتب وليد...
"ربما يكون أحدهم قد جلبها إلى هنا! لكني أخشى أن يكونوا قد ألقوا بها في سلة المهملات".
قلت مخاطبة نفسي... وتأملت المكتب والأرفف العديدة والأوراق الكثيرة من حولي... وشعرت بالتقاعس... كيف يمكنني البحث بين كل هذه الأشياء؟؟
اقتربت من المكتب ولم ألحظ ما يسترعي الاهتمام على سطحه, فجلست على الكرسي خلفه وفتحت أول الأدراج وفتشت ما بداخله ثم تنقلت بين البقية واحدا تلو الآخر...
وفيما أنا أفعل ذلك فجأة سمعت صوتا مقبلا من ناحية الباب فجفلت وتسمرت في مكاني...
انكتمت أنفاسي من الفزع وتلاحقت نبضات قلبي... وكاد شعر رأسي يقف من الذعر...!
" رغد"!"
لقد كان صوت وليد!
سحبت يدي من الدرج الذي كنت أفتشه ووضعتها تلقائيا على صدري وأطلقت نفسا طويلا...
وليد تأملني وهو واقف عند فتحة الباب ويده ممسكة بمقبضه ووجهه يكسوه الاستغراب والقلق...
"ماذا تفعلين هنا وفي هذا الوقت!!؟؟"
نبعت قطيرات من العرق على جبيني من شدة فزعي وازدردت ريقي وتأتأت ولم أحر جوابا...
ولما رأى اضطرابي قال:
"هل أفزعتك؟؟"
أومأت برأسي (نعم) فأقبل نحوي حتى صار جواري وهو محملق بي باستغراب وحيرة...
ثم قال:
"أتبحثين عن شيء؟؟"
جمعت بعض الكلمات المبعثرة على لساني وقلت:
"أممم لا... أعني... لا شيء... لقد كنت..."
ولم أستطع التتمة...
وليد مد يدم وأمسك بيدي اليمنى المجبرة بلطف وقال:
"هوني عليك... هذا أنا ليس إلا!"
وبعد أن هدأت أنفاسي من فزعها وانتظمت خفقات قلبي ولاحظ وليد استرخائي قال:
"حسنا... عم كنت تبحثين؟؟"
شعرت بالخجل ولم أجرؤ على إجابته... ماذا أقول له؟!..
سحب وليد يده عن جبيرتي وانثنى أمامي ومد يده إلى أحد الأدراج واستخرج منه شيئا وضعه على المكتب مباشرة أمامي قائلا:
"عن هذه؟؟"
وإذا بها الأوراق التي كنت أفتش عنها ومعها قلمي الرصاصي...
تسلقت الدماء الحمراء أوداجي ورشت على وجهي صبغا شديد الاحمرار...
وسكنت عن أي كلام وأي حركة..
وليد بقي واقفا يراقب تقلبات لوني ولا أعرف ماذا كان يقول في نفسه...
وأخيرا قال:
"لم لم تنتظري حتى الصباح أو تطلبيها مني؟"
حينهها نطقت بارتباك:
"أأأ... طرأت... في بالي الآن".
وليد عاد ومد يده وأخذ الأوراق من جديد وقال:
"هلمي بنا إلى النوم... ينتظرنا سفر ومشقة".
وسار مبتعدا... والأوراق في يده!
هتفت:
"لوحاتي!"
فالتفت إلي وليد... ثم أمال إحدى زاويتي فمه للأعلى وهو ينظر إلي نظرة قوية ويقول:
"سآخذها إلى غرفتك! لا تخافي".
وسبقني إلى غرفتي... تنفست الصعداء... ثم سرت خلفه بعكازي ببطء... وعند الباب تقابلنا وجها لوجه... هو يهم بالخروج وأنا أهم بالدخول...
بالضبط في طريق خطوات بعضنا البعض لكن أيا منا لم يتنحى عن طريق الآخر...
رفعت نظري إليه فإذا به ينظر إلي...بعمق وغموض... وجسده يحجب النور عني وظله يغطي جسدي... كالشجرة الخرافية الممتدة إلى السماء...
حاولت أن أهرب من نظراته... وأن أبتعد عن طريقه... ولم أفلح...
كنت كالأسيرة المقيدة المربوطة بإحكام إلى جذع الشجرة... ونظراته كانت قوية وثافبة...كتلك النظرات التي كانت معلقة في سقف غرفتي... في بيتنا المحروق... تراقبني وتخترقني كل حين...
رأيت على طرف لسانه كلاما يوشك أن يقوله... أكاد أجزم بأن بعض الحروف قد تساقطت منه...
لكن وليد زم شفتيه وعض على أسنانه وتنهد ثم قال أخيرا:
"تصبحين على خير".
وغادر الغرفة...
نهايه الحلقه
43
__________________
نسمة ياسمين غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

أكواد BB متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عبدالله بن رواحة - يا نفس، الا تقتلي تموتي الكرماوي واحة ابو بكر الصّدّيق رضي الله عنه لشؤون اسلامية عامة 2 01-07-2005 05:15 PM


الساعة الآن 04:33 AM.


Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
هذه النسخة مسجلة ومرخصة رسميا لمنتديات اقصانا الجريح ©2000 - 2009