المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابراهيم طوقان - الاعمال الشعرية الكاملة


الكرماوي
04-04-2007, 07:40 PM
..


نبذة عن الشاعر




أخي إبراهيم
بقلم: فدوى طوقان

لا أحب إلي من ساعة آخذ فيها مجلسي من أمي، فتحدثني عن طفولة شقيقي إبراهيم رحمه الله، ويا له شعوراً حزيناً، يتسرّب في شعاب قلبي، حين تفتتح حديثها عن إبراهيم بهذه الديباجة التي تفعم نفسي بالرحمة لها، والحسرة عليه: «لقد بلوت في إبراهيم الحلو والمر، ولقيت فيه من الحزن وطارقات الهموم، أضعاف ما لقيت فيه من السعادة والهناء..» وتترقرق في عيني كل منا دمعة، وتعتلج في صدر كل منا لوعة، ثم تشرع هي، في حديثها عن طفولة إبراهيم، وقد أقبلت عليها بحواسي وقلبي وروحي جميعاً.
كان إبراهيم لعوباً إلى حد بعيد، لا يقتصد إذا أخذ بسبب من أسباب العبث واللعب، وكأنما كانت نفسه تضيق بإهابه فلا يهدأ، ولا يستقر. وهو في أحيان كثيرة على خلاف مع جدته لأمه، رحمها الله، إذ كان على وفاق مع طبيعته المرحة اللعوب، كان يعرف نزق جدته وضيقها بالضجة والحركة، فلا يألو جهداً في معابثتها واستفزازها، وذلك لكي تزجره وتنتهره برطانتها التركية التي كانت تخالطها من هنا وهناك كلمات عربية، لا تستقيم لها مخارج بعض حروفها فتأتي ملتوية عوجاء، تبعث إبراهيم على الضحك، ولقد تهمّ الجدة باللحاق به، فيفر منها.. ويتسلق إحدى شجرات النارنج التي تمتلئ بها ساحة الدار، وهناك يأخذ مكانه بين الفروع الغليظة الصلبة، وينتهي الأمر بينهما عند هذا الحد. ثم يشرع، وهو في مقعده ذلك من الشجرة، يترنّم بالأهازيج الشعبية التي كانت تروقه وتلذه كثيراً.
وإنني لأمثل في خاطري، ذلك الشيخ الوقور، جدي لأبي، رحمه الله متربعاً في كرسيه، مشتملاً بعباءته، وإلى جانبه حفيده الصغير إبراهيم، يتقارضان من الشعر والزجل «والعتابا» ما يعيه قلباهما.
وإنني لأمثل إبراهيم في خاطري كما يصورونه لي، واقفاً أمام جده يرتجل ما ينقدح عنه فكره الصغير يومئذٍ، من قول يرسله في وصف حادث حدث في البيت، فيه نكتة، أو طرافة.. وذلك في عبارات تكاد تكون موزونة مقفاة، يقلد فيها ما كان يستظهره في المدرسة من شعر، أو ما يعيه قلبه من قصص «عنترة» و«أبي زيد الهلالي» و«سيف بن ذي يزن»، تلك التي كثيراً ما أصغى إلى أمه وهي تقرأها لجده لأبيه، في أمسيات الصيف الجميلة، أو في ليالي الشتاء الطويلة.
كان ذلك التقليد من إبراهيم لأسلوب الأشعار التي يحفظها في المدرسة، ولأسلوب القصص التي يسمعها تُقرأ في البيت، يملأ نفس الجد غبطة، ويفعمها بهجة، فيأخذ حفيده إليه، ويحتويه بين ذراعيه، ويقول له بلهجة المعجب المتعجب: «... من أين تأتي بهذا الكلام يا إبراهيم!.»، ثم يأخذ كيس نقوده من جيبه، ويتناول منه قطعة، يقبضها إبراهيم، وينطلق بها مرحاً خفيفاً، كأنه طيف من الأطياف.
على مثل تلك المقارضات والمساجلات، وعلى مثل هذه المحاولة الصبيانية لقول الشعر، التي كانت تروق الجد، بما فيها من تسلية لشيخوخته، والتي كانت تستهوي الحفيد، بما فيها من إشباع لفطرة شعرية كامنة فيه، نشأ إبراهيم أول ما نشأ.
وفي هذه الأثناء أيضاً، كان إبراهيم يبعث بالعجب والطرب معاً في نفس معلمه، إذ يقف أمامه وقفته الخاصة كلما قام لينشد الشعر في درس الاستظهار، سواء أكان ذلك الشعر عربياً أم تركياً، فيلقيه إلقاء موسيقياً جميلاً، ينبعث له طرب المعلم، فيشرع، وهو المعلم الوقور، ينقر بأصابعه على المكتب نقرات إيقاعية، تساير ذلك الإلقاء الرائع الذي كان يزيد في روعته صوت خلاب آسر، عُرف له في مواقفه الخطابية فيما يلي:

الكرماوي
04-04-2007, 07:41 PM
كانت «المدرسة الرشادية الغربية» حيث تلقّى إبراهيم دروسه الابتدائية تنهج في تعليم اللغة العربية نهجاً حديثاً لم يكن مألوفاً في مدارس نابلس في العهد التركي. وذلك بفضل بعض المدرسين النابلسيين الذين تخرجوا في الأزهر، وتأثروا في مصر بالحركة الشعرية والأدبية التي كان يرفع لواءها شوقي وحافظ وغيرهما من شعراء مصر وأدبائها. هؤلاء المدرسون، أشاعوا في المدرسة روح الشعر والأدب الحديثة، وأسمعوا الطلاب للمرة الأولى في حياتهم الدراسية قصائد شوقي وحافظ ومطران وغيرهم، وفتحوا أذهانهم على أسلوب إنشائي حديث، فيه رونق، وفيه حياة، يختلف اختلافاً كبيراً عن ذلك الأسلوب القديم الذي كان ينتهج في المدارس في نابلس، والذي لم يكن ليخرج عن كونه أسلوباً تقليدياً عقيماً، لا تأثير له، ولا غناء فيه.
من هؤلاء المدرسين المجددين، المرحوم الشيخ إبراهيم أبو الهدى الخماش، وكان جريئاً صريحاً، ذا نزعة عربية صميمة، ومبادئ وطنية قومية، يجهر بها ويبثها في النفوس عن طريق خطبه وتدريسه ومجالسه، وذلك في عهد، كان الجهر فيه بمثل تلك المبادئ، يوفي بأهله على المهالك، وقد التحق في ما بعد بالثورة العربية، تحت لواء المغفور له الملك فيصل.
ومن هؤلاء المدرسين أيضاً، صاحب الفضيلة، الشيخ فهمي أفندي هاشم قاضي قضاة شرقي الأردن في وقت مضى.
أمضى إبراهيم أربع سنوات في هذه المدرسة، هي سنوات الحرب العظمى، وانتقل على أثر الاحتلال الإنجليزي مباشرة، إلى مدرسة المطران في القدس، وله من العمر أربعة عشر عاماً.
وهنا نعرض لشخصية تَعرّف بها إبراهيم في القدس، فكان لها انطباع في نفسه في ذلك الحين، تلك هي شخصية المرحوم الأستاذ نخلة زريق، وكان هذا متأثراً باليازجيين، واسع الاطلاع على الآداب الإسلامية العربية، شديد التعصب للغة، شديد الوطأة على كل عربي متفرنج يتهاون في لغته أو عربيته، وكان ذا شخصية قومية، لابد من أن تترك في أعماق من تعرف بها، أثراً منها.
كان المرحوم نخلة زريق مدرساً للغة العربية في «الكلية الإنكليزية» في القدس: فتح عيون طلابه على كنوز الشعر العربي، وحبّبها إليهم.
ولقد كان إبراهيم، وهو في مدرسة «المطران» يأخذ من شقيقه أحمد - وكان طالباً في الكلية الإنكليزية - منتخبات الشعر القديم والحديث، مما يختاره المرحوم نخلة زريق لطلابه، فيستظهرها جميعاً، وعن طريق أحمد، تعرف إبراهيم بذلك المدرس الأديب، فكانا يزورانه معاً في بيته الذي كان محجّة العلماء والأدباء في القدس، ويصغي إليه وهو يتدفق في حديثه عن الأدب والشعر، والعرب والعروبة.. مما كان له شأن في إيقاظ وعي إبراهيم على مؤثرات أدبية وقومية أخرى.
وإذ أتم أحمد دراسته في الكلية الإنكليزية، وتوجه إلى الجامعة الاميركية في بيروت، ظلت تلك الأسباب موصولة بين إبراهيم وبين المرحوم نخلة زريق، ولكن لمدة قصيرة، إذ توفي الثاني سنة 1920.
في هذه الفترة من الزمن، كان إبراهيم يحاول أن يقول الشعر الصحيح، فتلتوي عليه مسالكه، ولا يفلح فيه، إذ لم يكن قد درس علم العروض بعد.
وفي العطلة المدرسية، يعود أحمد من بيروت، ويلتقي الشقيقان في نابلس وقد حمل أحمد لإبراهيم، ما حصّله هناك من علم العروض، ويشرح له تفاعيل الأبحر الشعرية ويُوقفه على أصول القوافي، فيستوعب الشاعر المنتظر كل أولئك جميعاً، وكأنما فُتح له فتح في دنيا الشعر التي كان يتشوق إليها ويعقد آماله ومطامحه عليها.
وعلى أثر ذلك، يبدأ إبراهيم يقرزم الشعر قرزمة، ويقوله في المناسبات التي تعرض له، والأحوال التي تمر عليه في مدرسة المطران مما يوحي به الجو المدرسي، بما فيه من جد وهزل.
وفي مجموعة أشعاره التي نظمها خلال عاميه الأخيرين في مدرسة المطران، نحس بالشاعرية الكامنة التي كانت تأخذ عدتها، لتستعلن بعد حين قصير في شعره القوي، كما نلمس تلك الروح الوطنية المشتعلة التي أُشربها منذ الصغر، والتي أذابها في ما بعد، في شعره الوطني.


وفي سنة 1923 نشر إبراهيم لأول مرة إحدى قصائده، ويقول إبراهيم بهذا الشأن:
« لعلها أول قصيدة نُشرت لي في صحيفة. رحم الله عمي الحاج حافظ!. قرأها، فأبدى إعجابه بها «على سبيل التشجيع» وطلب إلي أن أبيضها لينشرها في الجريدة! في الجريدة؟. شيء يطيش له العقل، فأسرعت إلى تلبية طلبه، وعُنيت بكتابتها قيراطاً، وبوضع اسمي تحتها ثلاثة وعشرين قيراطاً... ثم أتيت بها إليه، قال رحمه الله: «أتضع اسمك هكذا: إبراهيم طوقان؟ لا يا بني! يجب أن تضع اسم الوالد أيضاً، إبراهيم عبدالفتاح طوقان، اعترافاً بفضله عليك، وبره بك...» أدب أدبني به عمي رحمه الله، لا أعلم أني وقّعت اسمي بعد ذلك إلا تذكرت قوله وعملت به في كل أمر ذي بال أردت نشره».
ولقد كان من أكبر الأسباب التي أعانته على أن يقول الشعر فيجيده بالقياس إلى صغر سنه، هو كثرة حفظه للشعر المنتخب، واحتفاله الكبير بالقرآن الكريم، فقد كان كثير التلاوة له، عميق النظر فيه. وأما ذلك الاحتفال منه بكتاب الله، فإنه يرجع بدواعيه وأسبابه إلى بيئة في البيت، يُعنى أصحابها بتنشئة أطفالهم على تلاوته والتشبع بروحه. ولم ينفك إبراهيم منذ صغره يقرأ القرآن، ويطيل التأمل فيه، حتى أصبح له ذلك ديدناً، لا يعوقه عنه عائق، ولا يصرفه عنه تقلبه في مختلف معاهد العلم الأجنبية في ما بعد، ولم تكن تلاوة القرآن الكريم تلاوة سطحية عابرة، بل كان يتجه إليه بقلبه وروحه، ويحس له في نفسه وقعاً عجيباً، وأثراً بعيداً، فيهزه إعجازه هزاً، وتفعل فيه بلاغته فعل السحر، ويستولي عليه خشوع عميق، يصرفه عن كل ما يحيط به.
انتهى إبراهيم من تحصيله في مدرسة المطران سنة 1922 - 1923 وانتقل إلى الجامعة الأميركية في بيروت، وهنا تبدأ أخصب مراحل حياته الدراسية، أو أكثرها ألواناً.

الكرماوي
04-04-2007, 07:43 PM
فها هو في بيروت، يظله أفق أدبي واسع لا عهد له بمثله في فلسطين، هنالك الأدباء والشعراء، وهنالك الدنيا براقة خلوب.. وهنالك بعد ذلك، السهم الذي كان ينتظره، منجذباً عن وتره إلى آخر منزع، يتربص به الفرص، لينفذه في قلبه الذي لم يكن قد مسّه الحب بعد..
في هذه الجامعة، يعرّفه شقيقه أحمد بأحد أصدقائه من الطلاب، وهو «سعيد تقي الدين»، وسعيد، من أولئك الذين يتذوقون الشعر، ويميزون بين صحيحه وزائفه تمييزاً صائباً، فيلمح هذا في شعر إبراهيم بارقات وصوراً شعرية، تلوح من هنا، وتستتر من هناك. وتساند أحمد وصديقه سعيد، وبدأا يوجهان إبراهيم التوجيه الصحيح في عوالم الشعر ودنياواته الرحيبة الجميلة.
وفي عامه الدراسي الثاني في الجامعة، وكانت شاعريته قد بدأت تزخر وتمتلئ، لتنبثق عن معينها بعد أن أخذت عدتها من هذه الصناعة الدقيقة، صناعة الشعر، نظم إبراهيم قصيدته في الممرضات، أو «ملائكة الرحمة» فكانت أول قصيدة لفتت إليه الأنظار في لبنان.
ففي هذا العام «1924» مرض إبراهيم، واضطره ذلك إلى العودة إلى نابلس، قبل انتهاء الفصل الدراسي الأول، وفي أثناء مرضه نظم تلك القصيدة، ونشرها في جريدة «المعرض» التي كانت تصدر يومئذٍ في بيروت فإذا العيون تتطلع إلى هذا الشاعر الناشئ، الطالب في الجامعة، وإذا بالصحف تتناقلها، نقلتها مجلة «سركيس» عن «المعرض» وعلقت عليها بقولها: «ولعله أول من نظم شعراً عربياً في هذا الموضوع»، وطُلبت القصيدة من قبل مجلة «التمدن» في الأرجنتين، وأُهديت إليه المجلة سنة كاملة، وكان مما علقته عليها قولها: «ولو كان كل ما ينظمه شعراؤنا في هذا الباب من هذا النوع، لكان الشعر العربي في درجة عالية من القوة والفتوة» ونقلتها جرائد ومجلات أخرى، وكلها تُطري الشاعر، وتشجعه.
أما هذه القصيدة، فهي وإن تكن قد قيلت في موضوع الممرضات، غير أن قسماً كبيراً منها، كان في وصف الحمام، تلك الطيور الوديعة، التي كان يُغرم بها إبراهيم، ويُعنى باقتنائها وتربيتها، أيام صباه، وتحدثني أمي، كيف كان وهو طفل ينجذب إلى هذا الطائر انجذاباً خاصاً، ويتأمله محوّماً رائحاً غادياً، وكيف كان إبراهيم إذا وقف كل صباح ليغتسل على حوض الماء الذي يقوم في صحن الدار، أطال هناك الوقوف مستغرقاً في تأمله لأسراب الحمام، وقد حفت بالماء تغتسل وتعبث بريشها، فلا يزال على وقفته تلك، إلى أن ينبهه والده إلى إبطائه على المدرسة.
وهكذا يمضي إبراهيم في طريق النظم، وكانت نشوة توفيقه في قصيدة «ملائكة الرحمة»، قد فعمته بالزهو والخيلاء كما يقول، إلى أن تلقاه درساً أليماً، أوحى إليه يومئذٍ بقصيدة عنوانها «عارضي نوحي بسجع» وفيها تنعكس حالته النفسية الثائرة، التي ترجع بأسبابها إلى الدرس الأليم الذي تلقاه.
يقول إبراهيم بهذا الصدد: «كنت قد توفقت في قصيدة «ملائكة الرحمة»، وسمعت كثيراً من كلمات الإعجاب بها، فخُيّل إلي أن كل قصائدي في المستقبل، ستكون مثلها مدعاة للإعجاب!؟ وأخذت في نظم قصيدة غزلية، وأنا مفعم بزهوي وخيلائي، وأخذت أغوص على المعاني، وأتفنن بالألفاظ!!. وكان يشرف على نشأتي الأدبية اثنان من الزبانية هما أخي أحمد، وسعيد تقي الدين، فهرعت إليهما لأسمع إعجابهما وأنتشي به، وتلوت عليهما القصيدة، وظفرت بالإعجاب!... وتركاني، وعادا إلي بعد قليل. قال أحمد: «أخي أنا لا أفهم القصيدة جيداً حين تتلى علي، أريد أن أقرأها بنفسي»، فناولته القصيدة، ودنا رأس سعيد من رأس أحمد، وشرعا في قراءة صامتة، ثم كانت نظرات تبادلاها، أحسست منها بمؤامرة.. وإذا بالقصيدة تُمزّق، وإذا بها تُنسف في الهواء. قال أحمد: «هذه قصيدة سخيفة المعنى، ركيكة المبنى»، قال سعيد: «ليس من الضروري أن تنظم كل يوم قصيدة»! قال أحمد: «كلها تكلف وحذلقة!». قال سعيد ليهوّن أثر الصدمة: «لا بأس بها، لكنها لا شيء بالنسبة إلى قصيدة ملائكة الرحمة، اعمل كل سنة قصيدة مثل ملائكة الرحمة، وكفاك».. قال أحمد... وقال سعيد.. ولكن كان رأسي بين أقوالهما كأنه في دوار، ولم أتمالك عن البكاء، وتركتهما حانقاً ناقماً، وبعد ساعة كان سعيد فوق رأسي - وأنا لا أدري - يتلو أثر تلك الصدمة في قصيدتي: «عارضي نوحي بسجع». فاختطفها، وعاد إلي بها في الصباح، وعليها الجملة الآتية بقلم عمه الشيخ أمين تقي الدين: «روح شاعرة، ليتها في غير معاني اليأس، فالشباب واليأس لا يلتقيان، أما النظم، فيبشر بمستقبل فيه مجيد».
«قسوة وعنف، أفاداني أن أكون مع نفسي بعدئذٍ قاسياً عنيفاً، أمزق القصيدة حين أشعر بالتكلف يدب فيها، وأن أقف موقف الناقد الهدام، أحطم شعري بيدي، أو أبديه وأنا راض عنه، ضامن رضى قارئه أو سامعه. أحمد وسعيد ليسا من الزبانية، إنهما ملكان كريمان!. جزاهما الله عني خيراً».


ونعود إلى ما بدأنا به من الحديث عن أيام إبراهيم في بيروت فنقول: مضت عليه سنوات ثلاث في الجامعة، بلغ في نهايتها الثانية والعشرين، وقد قعد به المرض خلالها عن إتمام دراسته في الصف الأول العلمي، فانتقل إلى نابلس، ثم عاد في العام الذي تلا ذلك إلى الجامعة. وكان في هذه السنوات الثلاث لا ينقطع عن قول الشعر، وفي سنة 1925 نشرت له جريدة «الشورى» في مصر نشيداً وطنياً لتحية المجاهد الأمير عبدالكريم الريفي. فلما اطلع الشاعر الأستاذ خير الدين الزركلي على النشيد قال:
«إن صدق ظني، فإن صاحب هذا النشيد سيكون شاعر فلسطين».
ومن عجب، أن يظل قلب إبراهيم خالياً من المرأة حتى ذلك الحين، ولقد كان أصدقاؤه في الجامعة يعجبون لذلك ويقولون له على سبيل المزاح: «أنت شاعر ولكن بلا شعور، أين وحي المرأة في شعرك؟».
في نهاية تلك السنوات الثلاث، بلغ إبراهيم الثانية والعشرين كما ذكرنا من قبل، وهنا مس الحب قلبه.. ولكن هل كان مس ذلك الحب رفيقاً رحيماً؟ كلا، بل كان مساً عنيفاً ملهباً أشعل روحه وأيقظ حسه، وأرهف نفسه.
ففي سنة 1926، طلعت في الجامعة في بيروت، فتنة تمثلت في صورة فتاة فلسطينية طالبة هناك، فأحيت قلوباً وسحقت قلوباً... وتورط إبراهيم، ودخل المعركة، وابتلى حسنات وسيئات، أما السيئات، فليس هذا بموضع تدوينها، وأما الحسنات، فتنحصر في الطريق الأدبي الجديد الذي نهجه، والاستعداد الكبير للسير في هذا الطريق.
صار قوي الملاحظة، حاضر العاطفة، متوفز الأعصاب، صار كثير المطالعة، صياداً للمعاني، بسيط العبارات، سهل الفهم، مصيباً.
تلك هي حسنات ذلك الحب، على حد تعبيره.
ونظم في فتاته قصيدته «في المكتبة» ونشرت القصيدة في إحدى الصحف في بيروت، فنطقت بألسنة الكثيرين من الطلاب والأساتذة أيضاً.. ومنذ ذلك الحين، أخذ إبراهيم يضرب على قيثار الغزل، فيطرب سُمّاعه، ويعجب قراءه. وقد أحبته فتاته بمقدار ما أحبها، ثم ضرب الدهر بينهما، فكانت نهاية حبه مأساة، خلّفت في قلب الشاعر جرحاً، كان يندمل حيناً، وتنكأه الذكرى حيناً آخر، فينعكس ذلك كله في شعره، كما تنعكس صورة على صفحة المرآة المصقولة.
نكتفي بهذا القدر من قصة ذلك الحب، الذي كان له أكبر الأثر في إرهاف حسه، والسمو بشاعريته إلى سماء الشعر الصادق، الذي ينبثق من ذات النفس، وينبعث من أعماق الروح.
ونلتفت الآن إلى بعض الأجواء الأخرى، التي كانت تحيط بإبراهيم في أعوامه التي قضاها طالباً في الجامعة.

الكرماوي
04-04-2007, 07:44 PM
لقد احتضنت إبراهيم في الجامعة وخارجها، بيئة شعرية أدبية لم تكن لتحتضنه لو لم يكن في بيروت. أما في الجامعة، فقد كان هناك رعيل من أقرانه الطلاب، امتاز بصبغته الشعرية، وتعاطيه لقول الشعر الجزل. من ذلك الرعيل كان عمر فروخ «صريع الغواني» وحافظ جميل «أبوالنواس» ووجيه بارودي «ديك الجن» وإبراهيم «العباس بن الأحنف». وكان تجاوب الذوق والمشرب قد وصل بين هؤلاء بأسباب المحبة والأخوة. وكانت تجري بين حافظ ووجيه وإبراهيم، مساجلات شعرية عديدة، تناقلها الطلاب وأحبوها، غير أن هذه المساجلات لم تكن لتخرج عما توحي به طبيعة الشباب الملتهب، المندفع وراء الحياة..
هذا في الجامعة، وأما خارجها، فقد كانت هنالك مجالس الأدب العالي والشعر الرفيع، وكلها تفتح لإبراهيم صدرها، وتوليه من عنايتها واهتمامها، وتعقد بينه وبين أصحابها صلة الود. وحسبي أن أذكر من أصحاب تلك المجالس الأدبية الرفيعة المرحوم الشيخ أمين تقي الدين والمرحوم الأستاذ جبر ضومط، والشاعر بشارة الخوري «الأخطل الصغير».
أصبح إبراهيم شاعر الجامعة، كما لقبته صحف بيروت، ولم يقتصر في ذلك العهد على الشعر الغزلي فحسب، بل كانت أغاريده الوطنية الفياضة بالعواطف الصادقة، والإيمان الوطني القوي، تسير جنباً إلى جنب مع أغاريده الغزلية، وهذان الوتران كانا من الأوتار التي امتاز إبراهيم بالضرب عليها.
وفي سنة 1929، نال شهادته من الجامعة، ليخوض بحر الحياة العملية المزبد المتلاطم.
معلم، معلم، معلم، هذه هي الكلمة التي كان يسمعها تتردد على شفاه الكثيرين من الطلاب الخريجين، يوم توزيع الشهادات، فيقول لنفسه: «أبعد هذا العناء والكد، يختار هؤلاء التعليم مهنة؟. ألا ساء ما يفعلون، ما أقصر مدى طموحهم».
أما هو، فقد كانت المفاوضات جارية بينه وبين إحدى دور الصحافة في مصر، وتوشك أن تنتهي على أحسن ما يتمناه، فهذه مهنة تلائم ذوقه على الأقل، وتسير مع اختصاصه، سيكون محرراً في مجلة كبرى في القاهرة، وناهيك بالقاهرة من مدينة فن وأدب وجمال، وأي شيء تصبو إليه نفس الأديب الناشئ الطموح، ولا يجده في القاهرة؟ المكتبة الكبرى، الأزهر، الصحف، الشعراء، الكتاب، «يا مصر، لله مصر!.» صحافي، صحافي..
هذا ما كان إبراهيم يحدث به نفسه في أيامه الأخيرة في الجامعة.
من المنصة التي منح عليها «البكالوريا»، مشى إبراهيم إلى سرير المستشفى، وأراني حتى الآن، لم أُشر إلى أنه كان يشكو ألماً في معدته منذ أيام التلمذة في مدرسة المطران في القدس، وكثيراً ما أقعده ذلك عن مواصلة التحصيل، إلى أن يُشفى فيعود إليها، وكثيراً ما حمله بعد ذلك، على الاستقالة من وظائفه التي تَقلّب فيها.
أبلّ إبراهيم من مرضه، وكان والده إلى جانبه في هذه الآونة، إذ قدم بيروت ليشهد حفلة الجامعة، ثم توجه الاثنان إلى مصر ليستشيرا الأطباء هناك، وليبحث إبراهيم في شغله الصحافي.
وفي مصر ينفذ البرنامج، وتتجه صحة إبراهيم اتجاهاً حسناً، وبعد بضعة أسابيع يعود الوالد بولده إلى نابلس، قرير العين، ناعم البال، على أن يعود إبراهيم للشغل في مصر بعد أن يُمضي مع ذويه أياماً قليلة.
غير أن الأم تأبى عليه ذلك، وتحكم أن يظل ولدها قريباً منها، وتدخل العاطفة في الموضوع.. زد على ذلك أن أباه لم يكن راغباً في شغله في مصر.
وكانت هنالك ظروف أخرى، شاءت أن يلغي إبراهيم برنامجه الصحافي ويضرب بهذا الأمل المنشود عرض الحائط، ولو لمدة سنة.
وفي هذه الآونة، كانت وظيفة معلم اللغة العربية في مدرسة النجاح الوطنية بنابلس شاغرة. فيأتي إلى إبراهيم والده، يقنعه بالموافقة على التدريس هناك، فهذه خدمة وطنية مشكورة، أضف إلى ذلك أن المسؤولين في المدرسة، سيجعلون ساعات العمل بحيث لا يرهقونه، ثم إن هذا العمل في بلده، وإنه لون من ألوان الاختبار يقطع فيه إبراهيم جزءاً من أوقات الفراغ الطويلة المملة.
ويكون رد إبراهيم على أبيه بأنه لا يستطيع أن يتصور نفسه معلماً، فهذا عمل لم يُخلق له، وسيكون فيه خائباً لا محالة، ولكن أباه يبين له أنه سيعلّم في موضوعه، فلا يخرج عن نطاق ما خُلق له.
وإذا بإبراهيم ذات صباح أمام فريق من الطلاب، على مقاعدهم الخشبية، وإذا به يكتب على اللوح: «الطقس جميل»، ثم يقول لأحد التلاميذ: أدخل «كان الناقصة» على هذه الجملة، فيقول التلميذ: «كان الطقس جميلاً».
نعم.. كان الطقس جميلاً، فتعكّر، وجرت الرياح بما لا تشتهي السفن..
زاول إبراهيم مهنة التعليم في هذه المدرسة سنة واحدة، وكان له تأثير في بعض طلابه من الصفوف العالية، فحبب إليهم الشعر والأدب، ولا أزال أذكر ذلك اليوم الذي أقبل فيه يحدثنا مبتهجاً، بأن بعض تلاميذه النجب، قد بدأوا ينظمون الشعر على يده.
خلال هذا العام الدراسي «1929 - 1930» كان إبراهيم ينظم الشعر الوطني، فيرسله صرخات حافزة، وناراً مشتعلة، ومن أشهر قصائده في ذلك الحين «الثلاثاء الحمراء».
ففي حزيران سنة 1930 صدر حكم الإعدام على شهداء فلسطين الثلاثة، وذلك على أثر ثورة سنة 1929. وقد ضجّ أهل البلاد لهذا الحكم، وقدموا احتجاجاتهم ورجاءهم، فلم يغنِ ذلك عنهم شيئاً.
وفي نهار الثلاثاء، السابع عشر من حزيران سنة 1930، كان التكبير على المآذن، وقرع النواقيس في الكنائس، يتجاوب صداهما في أرجاء فلسطين قاطبة، إذ في ذلك النهار، نُفّذ حكم الإعدام بالشهداء الثلاثة، في ثلاث ساعات متوالية، فكان أولهم فؤاد حجازي وثانيهم محمد جمجوم، وثالثهم عطا الزير، وكان من المقرر رسمياً أن يكون الشهيد «عطا الزير» ثانيهم، ولكن «جمجوماً» حطم قيده، وزاحم رفيقه على الدور حتى فاز ببغيته..
وهنا يأخذ الشاعر ريشته ليصور هذا اليوم المخضب بالدماء أروع تصوير، وليسجل في سفر الشعر الوطني الخالد، مصارع أولئك الشهداء، فتكون قصيدة «الثلاثاء الحمراء».
وكان يوم حفلة مدرسة النجاح السنوية في نابلس، ولم يكن قد مضى على تنفيذ حكم الإعدام بهؤلاء الشهداء أكثر من عشرة أيام، فالنفوس لا تزال ثائرة، والعواطف لا تزال مضطربة، وفي تلك الحفلة، ألقى إبراهيم قصيدته «الثلاثاء الحمراء».. وذُهل عن الجمهور، وشعر كأنما خرج من لحمه ودمه، فكان يلقي بروحه وأعصابه، فما انتهى حتى كان بكاء الناس يعلو نشيجه، ثم تدفقوا خارج القاعة في حالة هياج عظيم حتى لقد قال بعضهم يومئذٍ: «لو أن إبراهيم ألقى قصيدته في بلد فيه يهود، لوقع ما لا يحمد عقباه». يشير بذلك إلى فرط الحماس الذي أثارته هذه القصيدة في أولئك السامعين.
لم تكد تبدأ عطلة العام الدراسي الأخيرة لسنة 1930 حتى كانت الجامعة الأميركية في بيروت، قد عرضت على إبراهيم، بواسطة الأستاذ أنيس الخوري المقدسي، التعليم في قسم الأدب العربي في الجامعة.

الكرماوي
04-04-2007, 07:48 PM
كان مجرد فكرة العودة إلى بيروت، وآفاقها الرحيبة السحرية، كفيلاً بأن يجعل إبراهيم يوافق على مزاولة التعليم مرة أخرى، وعن طيب خاطر.. فلقد كان حبه لهذا البلد، ولأهله الكرام، حباً متمكناً من نفسه، إلى حد بعيد، بل لقد كانت بيروت عنده بمنزلة الوطن الثاني له، يرى في أهلها أهله، وفي عشيرتها عشيرته، وكيف لا يكون لهذا البلد في نفس إبراهيم مثل هذا المكان الرفيع، وفيه تفتحت زهرة شبابه أول ما تفتحت:



أولُ عهدي بفنون الهوى=بيروتُ، أَنْعِمْ بالهوى الأولِ


وانتقل إلى الجامعة الأميركية، فدرّس فيها عامين، نظم خلالهما أروع قصائده التصويرية، مما يدخل في باب الموضوعيات من شعره. ولإبراهيم في هذا الباب قصائد فذة، تفيض بالصور الحية الناطقة.
ولقد عادت المرأة، أو بالأحرى، عاد الجمال يحرّك قلب إبراهيم في بيروت، فيوحي إليه بأرق الشعر وأجزله. ومسارح الجمال في بيروت مختلفة الألوان، متعددة الصور، وهي هناك تكاد تكون مكشوفة النقاب لا تختبئ وراء حجاب. وإبراهيم نشأ في بلد متمسك بتقاليده وعاداته أشد التمسك، فهو يسدل دون المرأة ستاراً كثيفاً نسجه. ومن هنا، كانت بيروت مهبط وحيه في ما قاله من شعر في المرأة.
وفي غادة أشبيلية أندلسية، كانت في بيروت، نظم إبراهيم في ما نظم من شعر غزلي في ذلك الحين، عدة قصائد، وهو يعترف بأن انجذابه إلى هذه الغادة، قد لا يكون بدافع جمالها، وخفة روحها، بمقدار ما كان يتقرّاه في خلقتها من الدم العربي وما كان يلاحظه من الفن العربي في ثيابها ورقصاتها.
وأثناء إقامته في بيروت قدم الجامعة الأميركية الدكتور «لويس نيكل البوهيمي»، وهو مستشرق تخصص في الغزل العربي، فكان يتنقل بين عواصم الشرق والغرب، باحثاً في مكاتبها الكبرى عن الكتب المتعلقة بموضوعه، وكان من نتيجة ذلك أن ترجم إلى اللغة الإنكليزية كتاب «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي، وقد تعرف إبراهيم بالدكتور نيكل عن طريق صديقه الأستاذ أنيس فريحة، وكان هذا المستشرق، حين تعرف بإبراهيم، قد بدأ بتصحيح كتاب «الزهرة» لابن داود الأصفهاني، وتعليق حواشيه وتنظيم فهارسه. فلما رأى مدى اطلاع إبراهيم على الشعر القديم دعاه إلى العمل معه وأشركه في تصحيح الكتاب وطبعه، وباشرا العمل معاً في اليوم الثاني للمقابلة الأولى، وفي بضعة شهور أنجزا عملهما فيه حيث طُبع الكتاب سنة 1932، ويقول الدكتور نيكل بهذا الشأن في رسالة خاصة تلقيتها منه: «... ثم أقمنا حفلة «الزهروية» في مطعم نجار، ونظم إبراهيم قصيدته «غادة أشبيلية»، وكانت تلك الأيام من أسعد أيامه وأيامي...».
وفي نهاية العام الثاني لتدريسه في الجامعة، قدّم إبراهيم استقالته من العمل، وعاد إلى فلسطين، حيث زاول مهنة التعليم في المدرسة الرشيدية في القدس. وفي هذا الحين، ضاق بعمله أشد الضيق، فنفّس عن الكرب الذي لحقه من هذه المهنة بقصيدته «الشاعر المعلم» وقد صاغها في قالب فكاهي عذب، صور فيه ما كان يكابده من مشقة التعليم، والجهد الذي كان يبذله، والعناء الذي كان يلاقيه من جراء ذلك كله.
وفي أواخر سنة 1932، وقبل انتهاء الفصل الدراسي الأول، ألح عليه السقم، ولازمته العلة، فانقطع عن التدريس، وظل طريح الفراش، إلى أن اشتدت وطأة المرض، فأشار الأطباء بضرورة نقله إلى المستشفى، وإجراء عملية جراحية في معدته، ولقد كان من خطورة شأن هذه العملية، أن نفض الجراح يديه من نجاة مريضه من الموت بعدها، لما كان عليه إبراهيم من النحول والضعف. ولكن «الله في السماء، والأمل في الأرض!» فقد أُجريت العملية بالرغم من الشك الكبير في نجاته من خطرها. وتشاء حكمة الله، أن ينجو إبراهيم من الموت المحقق، ولقد أقر الطبيب سلامة مريضه كانت من معجزات الله، لا شأن لفن الطب فيها، ولا لحذق الطبيب، إذ كانت حال إبراهيم فوق هذين كليهما.
وتماثل للشفاء، وحانت الساعة التي سيغادر فيها المستشفى، فشيّع الطبيب هذا «المولود الجديد»، كما كان يسميه، مهنئاً والديه به، وخرج إبراهيم وفي جيبه ورقة عليها هذه الأبيات:





إليكَ توجّهتُ يا خالقي=بشكرٍ على نعمة العافيه
إذا هي ولّتْ فمن قادرٌ=سواكَ على ردّها ثانيه
وما للطبيب يدٌ بالشفاءِ=ولكنّها يدكَ الشافيه
تباركتَ، أنتَ مُعيد الحياةِ=متى شئتَ في الأعظم الباليه
وأنتَ المفرِّج كربَ الضعيفِ=وأنتَ المجيرُ من العاديه




بلى، لقد كان إبراهيم يؤمن بالله إيماناً عميقاً صادقاً، وقد ابتلاه ربه بالحرمان من نعمة العافية، وهو في ريعان الشباب، فما وجده إلا صابراً متفائلاً، وإنك لتتصفح ما خلفه من مآثره الأدبية، فتراه قد عرض فيها مراراً عديدة لذكر مرضه وسقمه، ولكنه عرض مرح مبتسم، لا روح للتشاؤم فيه ولا أثر لشكوى الزمان، إذ كان المرح والابتسام خلقة في إبراهيم، فلم يكن لينظر إلى الدنيا إلا من وجهها الضاحك المشرق، وانظر إلى هذه الأبيات لترى كيف كان يواجه تنكر العافية:



وطبيبٍ رأى صحيفةَ وجهي=شاحباً لونُها، وعُودي نحيفا
قال: لابدَّ من دمٍ لكَ نُعطيـ=ـهِ نقيّاً، ملءَ العروقِ عنيفا
لكَ ما شئتَ يا طبيبُ ولكنْ=أعطني من دمٍ يكون خفيفا

الكرماوي
04-04-2007, 07:53 PM
ضعف في البنية شديد، قد يبعث في غير إبراهيم التشاؤم والضجر، ولكنه هو، القوي بروحه، المرح بطبيعته لا يدع النكتة تفلت منه وهو في أشد حالات المرض: «أعطني من دم يكون خفيفا»..
غادر إبراهيم المستشفى موفور الصحة، وعاد إلى بلده بعد أن قدم استقالته إلى المدرسة الرشيدية في القدس، وقد عزم عزماً أكيداً على عدم العودة إلى هذه المهنة، مهنة التعليم، مرة أخرى.
أمضى بعد ذلك عامين في نابلس، خدم خلالهما مدة في دائرة البلدية، وفي هذين العامين، نظم إبراهيم مقطعاته الوطنية التي كان يوالي نشرها في جريدة «الدفاع» والتي كان يُقبل عليها القراء بشغف عظيم، لما فيها من تصوير صادق لوضع فلسطين الخطير، وتفكك الأمة المريع، في تلك الفترة من الزمن.
وفي سنة 1936 استلم إبراهيم عمله الجديد في القسم العربي في إذاعة القدس، وقبل الحديث عن أعماله هناك، أوثر أن أقف عند شعره وقفة قصيرة.
إذا قرأت شعر إبراهيم، تجلت لك نفسه على حقيقتها، لا يحجبها عنك حجاب، ذلك أنه كان ينظر نظراً دقيقاً في جوانب تلك النفس، ثم يصوّر ما يعتلج فيها من عواطف وخلجات، كأصدق ما يكون التصوير، ومما كان يعينه على البراعة والصدق في التعبير، علم غزير بفنون الكلام وأساليبه، وهذا العلم كان نتيجة لاطلاعه الواسع على المآثر الأدبية الرفيعة، من قديمة وحديثة، إلى جانب القرآن الكريم، والحديث الشريف.
وما أعرف كتاباً أدبياً كان أحب إليه من كتاب «الأغاني»، فقد كان يرى فيه دنيا تغمرها الحياة على اختلاف ألوانها، وناهيك «بالأغاني» من كتاب أدبي توفرت فيه المادة، وتنوع الأسلوب، واتسع فيه مجال القول في الأخبار والنوادر الأدبية على اختلافها.
وكما كان كتاب «الأغاني» من أحب كتب الأدب العربي إلى إبراهيم فقد كان «المتنبي» من ناحية، «والعباس بن الأحنف» من ناحية أخرى من أحب الشعراء إليه وأقربهما من قلبه، وكان الدكتور «نيكل» قد ساعده في الحصول على نسختين تصويريتين لديوان «العباس» من إستنبول إذ كان في نية إبراهيم - لو أمهله الزمن - أن يُخرج هذا الديوان في طبعة جيدة أنيقة.
وأما «شوقي» في الشعراء المعاصرين فهو سيد المكان في قلب إبراهيم، يمكنك أن تُقسّم شعر إبراهيم إلى ثلاثة أقسام: الغزليات، والوطنيات، والموضوعيات، وهذه الأخيرة تمتاز بعمق الفكرة، ودقة التصوير، وقد حلّق فيها إلى آفاق الشعر العالي، هنالك «الشهيد» و«الفدائي» و«الحبشي الذبيج» وغيرها. ولعل واسطة العقد في موضوعياته، قصيدة «مصرع بلبل» وهي فتح جديد في القصة الشعرية، نلمس فيها تأثر إبراهيم بالأدب الغربي دون أن يفقد مميزات خياله الخاص، وتعبيراته الشعرية الخاصة.
وفي قصيدة «الشهيد»، ينقلنا إبراهيم بدقة وصفه، وروعة تصويره إلى ما يثور في نفس الشهيد من عواطف، واستقتال في سبيل الواجب الأسمى، لا يبتغي من وراء ذلك ذيوع اسم ولا اكتساب صيت، وإنما هو عنصر الفداء، وجوهر الكرم، صيغت منهما نفس الشهيد، فهان عندها الموت في سبيل الله والوطن.
ومن موضوعياته الرائعة قصيدة «الحبشي الذبيح» وهي صورة حية ناطقة، يرسم فيها إبراهيم حالة ذلك «الديك الحبشي» الأليمة حين يُذبح ويأخذ يصفق بجناحيه، ويجري من هناك وهناك، مزورّ الخطى، كأنما هو يلحق بالحياة التي استُـلبت منه، ولقد أوحى إليه بهذا الموضوع العنيف، وقوفه يوماً برجل على جانب الطريق في بيروت يذبح ديوكاً حبشية يعدها لرأس السنة، وإذا بالنفس الشاعرة يروعها أن لا يقوم السرور إلا على حساب الألم، وإذا بها تفيض بأقوى الشعر التصويري الحي.
ونلتفت الآن إلى إبراهيم شاعر الوطن، الذي سجل آلام فلسطين وآمالها خلال الانتداب الإنكليزي، كما لم يسجله شاعر فلسطيني من قبل.
انظر إليه وقد خلّد ثورة فلسطين وشهداءها سنة 1929 في قصيدة «الثلاثاء الحمراء»، ثم يوم عاد في الذكرى الرابعة لهؤلاء الشهداء فخلدهم مرة أخرى في قصيدة «الشهيد»، كل ذلك في شعر لاهب حماسي، فلا بكاء ولا استخذاء، وإنما هي صرخات مدوية مجلجلة، تحفز الهمم، وتثير الشعور بالعزة والإباء.
وأما بيع الأرض، فلم يزل إبراهيم يصور لقومه الخطر الذي ينتظر البلاد من وراء البيع، ولم يزل يفتح عيونهم على الشر الذي عمّ واستحكم من جراء ذلك:



أعداؤنا منذ أن كانوا صيارفةً=ونحن منذ هبطنا الأرضَ زُرّاعُ
يا بائعَ الأرضِ لم تحفل بعاقبةٍ=ولا تعلّمتَ أن الخصمَ خَدّاع
لقد جنيتَ على الأحفاد وا لهفي!=وهم عبيد.. وخُدّام.. وأتباع
وغرّكَ الذهبُ اللمّاع تُحرزهُ=إن السرابَ كما تدريه لـمّاع
فَكّرْ بموتكَ في أرضٍ نشأتَ بها =واتركْ لقبركَ أرضاً طولُها باع



وقد التفت إبراهيم مرات عديدة في شعره، إلى هذه الناحية، وحين نشرت الصحف أن زعيم الهند «غاندي» قد أنذر إنكلتره بالصيام مدى الحياة، ما لم تُغيّر خطتها السياسية في الهند، راح إبراهيم يغمز ويقارن بين زعيم هنا.. وزعيم هناك:



حبذا لو يصوم منا زعيمٌ= مثل «غندي» عسى يفيد صيامُهْ
لا يصمْ عن طعامه.. في فلسطيـ=ـنَ، يمـوت الزعيمُ لولا طعامه
ليصمْ عن مبيعه الأرضَ يحفظْ=بقعةً تستريح فيها عظامه!



وهو في رثائه للمغفور له الملك فيصل، يضرب على هذا الوتر نفسه، مشيراً إلى استقبال الجثمان الطاهر في فلسطين:



ما الذي أعددتِ من طيب القِرى=يا فلسطينُ لضيفٍ مُعجِلِ
لا أرى أرضاً نلاقيه بها=قد أضاع الأرضَ بيعُ السُّفَّل
فاستري وجهَكِ لا يُلمحْ على=صفحتيه الخزيُ فوق الخجل !.


ولم يكن ليدع مناسبة تمر، دون أن يشير إلى هذا الداء العضال، الذي بُليت به فلسطين. ولشدّ ما صب نقمته على تلك العصبة الحقيرة، عصبة السماسرة، التي يقوم على يديها ضياع البلاد:



أمّا سماسرةُ البلاد فعصبةٌ=عارٌ على أهل البلاد بقاؤها
إبليسُ أعلن صاغراً إفلاسَهُ=لما تَحقّقَ عنده إغراؤها
يتنعّمون مُكرَّمين.. كأنما=لنعيمهم عمَّ البلادَ شقاؤها
هم أهلُ نجدتها.. وإن أنكرتَهم=وهُمُ- وأنفُكَ راغمٌ- زعماؤهما

الكرماوي
04-04-2007, 07:58 PM
ولكم كانت تروعه تلك الحزبية التي يضطرم وقودها في البلاد، فلا ينتج منها إلا تفكك الأمة وشقاقها، وفي ذلك ما فيه من إعاقة السير نحو الهدف الواحد:


وطني، أخاف عليك قوماً أصبحوا=يتساءلون: مَنِ الزعيمُ الأليقُ؟
لا تفتحوا بابَ الشقاقِ فإنهُ=بابٌ على سُودِ الحوادثِ مُغلَق
واللهِ لا يُرجى الخلاصُ وأمركم=فوضى، وشملُ العاملين مُمزَّق



ولطالما نقد أصحاب الأحزاب في شعره وندد بهم، لا يخص فريقاً دون فريق، وإنما يوجه القول إليهم جميعاً:




ما لكم بعضُـكم يُمزّق بعضاً=أفرغتم من العدو اللدودِ ؟
اذهبوا في البلاد طولاً وعرضاً =وانظروا ما لخصمكم من جهود..
والمسوا باليدين صَرحاً منيعاً=شاد أركانَه بعزمٍ وطيد!
كلُّ هذا استفاده بين فوضى=وشقاقٍ، وذلّة، وهُجود..
واشتغالٍ بالترّهات، وحبِّ الذْ=ذاتِ.. عن نافعٍ عميم مجيد
شهد اللهُ أنّ تلك حياةٌ=فُضِّلت فوقها حياةُ العبيد


وما كان أنكأ لقلب إبراهيم من خمود العزائم في حاملي عبء القضية الوطنية ووقوفهم عند تقديم «البيانات» و«الاحتجاجات»، لا يتعدونها إلى غيرها من الأعمال المجدية، انظر إليه يخاطبهم متهكماً:




أنتمُ «المخلصون» للوطنيّه=أنتمُ الحاملون عبءَ القضيّه..
أنتمُ العاملون من غير قولٍ=بارك اللهُ في الزنود القويّه..
و«بيانٌ» منكم يعادل جيشاً=بمعدّات زحفه الحربيّه..
و«اجتماعً» منكم يردّ علينا=غابرَ المجدِ من فتوح أميّه..
ما جحدنا «أفضالكم».. غيرَ أنا=لم تزل في نفوسنا أمنيّه
في يدينا بقيّةٌ من بلادٍ=فاستريحوا كي لا تطيرَ البقيّه



وبذلاقة ورشاقة، كان إبراهيم يتغلغل بقلمه إلى صميم الأشياء فيزيح عنها الستر ويبين ما خفي وراءها من حقائق مرة، ويا لها من مرارة يرسلها في شعره متألماً «لمظاهر العبث» التي كان يراها تغلب على ميول الأمة:



أمامكَ أيها العربيُّ يومٌ=تشيب لهوله سودُ النواصي
وأنتَ كما عهدتُكَ.. لا تبالي=بغير مظاهرِ العبث الرخاصِ
مصيرُكَ بات يلمسه الأداني=وسار حديثُه بين الأقاصي
فلا رحبُ القصورِ غداً بباقٍ=لساكنها، ولا ضيقُ الخصاص
لنا خصمان، ذو حَوْلٍ وطَوْلٍ=وآخرُ ذو احتيالٍ واقتناص
تواصَوْا بينهم.. فأتى وبالاً=وإذلالاً لنا ذاك التواصي
مناهجُ للإبادة.. واضحاتٌ=وبالحسنى تُنفَّذ، والرصاص..


وأما وعد بلفور، وأما هجرة اليهود إلى هذا الوطن المنكود، فلم يبرحا مجالاً لقولٍ ذا سعة في شعر إبراهيم، وهدفاً يرمي إليه، ويحوم حواليه.
وهكذا، ترى شعره الوطني شعراً يحمل طابعاً فلسطينياً خاصاً، كان حتماً أن تطبعه به أحوال البلاد المضطربة في هذا العهد المظلم من عهود فلسطين، وما كان إبراهيم ليفوز بلقب شاعر الوطن، وشاعر فلسطين لو لم يسجل قضية بلاده في شعره القوي، الذي يمتاز بذلك الطابع الفلسطيني الخاص.. ولو لم تنعكس في ذلك الشعر أصدق صورة لهذا الوطن في هذا العهد..
تأسست إذاعة القدس سنة 1936، ووقع الاختيار على إبراهيم ليكون مراقباً للقسم العربي فيها، فاحتضن هذا القسم، ولفه تحت جناحيه، وتعهده بعنايته مدة أربع سنوات.
وفي سنة 1937 تعرف إبراهيم «بسامية عبدالهادي» من إحدى أسر نابلس، فاتجه إليها قلبه، وهناك استقر؟ فأصبحت شريكة حياته، وعاش هانئاً في بيته، سعيداً بعاطفة جديدة مقدسة هي عاطفة الأبوة، إذ ولد له «جعفر» ثم ولدت «عريب».
أقبل إبراهيم على عمله في الإذاعة بكل قلبه، إذ كان مثل هذا العمل يوافق ذوقه ويمشي مع ميوله، ولم تمض مدة يسيرة على إشرافه على البرامج العربية، حتى كانت تلك البرامج مرآة ينعكس عليها ذوق هذه البلاد، وآراء أهلها العرب، وكان أكبر همه أن تكون الأحاديث قريبة من مستوى العقول على اختلاف طبقاتها، لا سيما الأحاديث الأخلاقية، فكان يصل إلى هذا الغرض التهذيبي بطريقة لا يشك في نجاحها، وهي طرق هذه الموضوعات من نواحٍ ثلاث: الآية القرآنية، الحديث الشريف، المثل المشهور. ولكل من هذه النواحي أثرها البعيد في العقليات المختلفة لأهل المدن والقرى على السواء، لما لها من علاقة ماسة بالحياة الاجتماعية.
ولقد كان لإبراهيم في الإذاعة أحاديث أدبية كثيرة، أضف إلى ذلك قصصاً وروايات تمثيلية، كان يصنعها بنفسه، وأناشيد، منها ما كان ينظمه لبعض البرامج الخاصة، كنشيد «أشواق الحجاز» والنشيد الذي وضعه في رثاء المغفور له الملك غازي، ومنها ما كان ينظمه لأحاديث الأطفال.
لم تكن الوظيفة لتقعد بإبراهيم عن تقديم رسالته إلى هذا الوطن الذي تفانى في حبه، وجمع له همّ قلبه، ولئن كانت قد اعترضت لهاة بلبل الوطن الغريد، وحالت دون تسلسل أغانيه الوطنية الشجية، التي طالما أيقظت القلوب النائمة، وألهبت النفوس الهامدة، فلم تكن لتستطيع، أن تحول دون حبه لهذا الوطن، وبذله أقصى مجهوده لخدمة أمته عن طريق الإذاعة.
ولعل من أهم ما قام به هناك، تصديه لفئة غير عربية.. كانت تسعى سعيها لتنشيط اللغة العامية، وجعلها اللغة الغالبة على الأحاديث العربية المذاعة.. وكانت حجتها في ذلك، أن الإذاعة لا يمكنها أن تحقق الغرض الذي هدفت إليه، وهو نفع الطبقة المتوسطة، إذا جرت على استعمال اللغة الفصحى.. لأن هذه الطبقة من أهل المدن والفلاحين، لا تُحسن اللغة الفصحى، على حد تعبير أصحاب القول بتنشيط اللغة العامية، ولا تفهم اللغة العربية «القديمة» التي جرى عليها المذياع!..
وقف إبراهيم وقفة حازمة أمام هذا الرأي، ونقضه يومئذٍ بحجج دامغة، أظهرهم فيها على أن المذياع لم يجر على اللغة العربية القديمة، وأنه ليس في بلاد العرب من يعرف هذه اللغة بالمعنى الذي قصده أصحاب القول باللغة العامية، غير أفراد متخصصين، وهي عندنا لغة الجاهلية التي قضى عليها القرآن بأسلوبه الجديد المبتدع، وأن عندنا اليوم لغة عربية صحيحة، يصطنعها المؤلفون ومحررو الجرائد، ويفهمها المتعلم والأمي على السواء.. وأن الفلاحين، وجلهم من الأميين، لتقرأ عليهم الجريدة، فيناقشون القارئ في افتتاحيتها، ولا يعقل أن يناقش المرء في شيء لم يفهمه، هذا وإن العرب، مسلمين ومسيحيين، يدينون بالقومية، وهذا مشروع غايته القضاء على اللغة العربية، وهي عندنا كل ما بقي من ذلك التراث الطويل العريض الذي اجتمع لنا من الفتوحات والحضارات والعلوم والآداب والفنون.. فما من عاقل اليوم، يعرف قدر نفسه ويعتز بعربيته، يرضى عن العبث بهذا التراث الباقي، والقضاء عليه بيده..
بهذه الصراحة التي عُرفت لإبراهيم في كل موقف ذي خطر، هُزمت تلك الفئة التي اعترفت على أثر ذلك، بأن إبراهيم يحتاج إلى جلسات أخرى، لتُزعزع أركان عقيدته في لغته.. وأستغفر الله، وحاشا لإبراهيم..
ولشد ما لقي من صعوبات أثناء عمله، إذ كانت فلسطين خلال السنوات الأربع التي خدم فيها في الإذاعة، في ظرف دقيق جداً، ففي السنوات الثلاث الأولى، كانت الثورة في فلسطين قائمة على ساقها، وفي السنة الرابعة، كانت الحرب العالمية الأخيرة.
أما الصعوبات التي لقيها في عمله أثناء الثورة، فتنحصر في ذلك الشغب الذي كان يدور حوله من قبل بعض الجهات اليهودية، ووقوفها له بالمرصاد في كل ما يذيعه من أحاديث، أو ما يذيعه غيره من المحدّثين العرب، فكانت تلك الجهات اليهودية تُخرّج كل ما يقال تخريجاً سياسياً، وتُشكّل من القصة ذات اللغة البسيطة، والوضع المحكم، شعوباً ودولاً، وحكومات وانتدابات.. ولم تكن لترى في الأحاديث الأخلاقية، إلا تحريضاً تحت قناع ديني.. وأما الدعاية فقد كانت في رأيها مبثوثة في الموضوعات التاريخية!. زد على ذلك، قول تلك الجهات اليهودية بأن الأحاديث النبوية، والأمثال المشهورة التي تقدم في الإذاعة، فيها الخطر كل الخطر!. إذ يطلب فيها من الأمهات أن يُنشّئوا أطفالهم بعضلات قوية، ومنشأ الخطر على زعمها هو أن تلك التنشئة القوية، إنما يُقصد من ورائها المقدرة في المستقبل على المقاومة. وعن الطريق الأقصر، فالبرنامج العربي الذي كان يشرف عليه إبراهيم مُسخَّر للتحريض.. كما كانت تقول الصحف اليهودية.
وهكذا كانت تُوضع في الميزان جلّ أحاديث القسم العربي في الإذاعة، فيُناقَش إبراهيم فيها، ويُحاسب عليها، ولكنه كان يعرف كيف يقف أمام ذلك كله.
وانتهت الثورة، وقامت الحرب العالمية الثانية، فكانت الرقابة على الصحف والنشر والإذاعة.
ومن قبل بعض المشرفين عليها يومئذٍ، قامت الدعاية السيئة وقام التحريض ضد إبراهيم.
وكانت قصة «عقد اللؤلؤ» أو «جزاء الأمانة» التي اقتبسها إبراهيم من كتاب «الاعتبار» لأسامة بن منقذ، وقدّمها في المذياع في أحد برامج الأطفال، فأخذ الرقيب وعصبته تلك القصة، وخرّجوها تخريجاً يكفل لهم استفزاز المستعمر.. فإذا بتلك القصة التي تشيد بالأمانة والوفاء تُشهر سلاحاً في وجه إبراهيم او بالأحرى في ظهره، من قبل من لا يعرف قيمة لمعنى الأمانة المقدس.
تكاتفت جموع الشر على إبراهيم من هنا وهناك، فأُقيل من عمله في الأول من أكتوبر سنة 1940.
وإذا كان بوسع أحد من الناس، أن يبيع ضميره، ويضرب بمبدأه وعقيدته عرض الحائط، فيظل هانئاً بعمله، قرير العين، فما كان بوسع إبراهيم أن يفعل ذلك، وهو الأبي النفس، العيوف للاستخذاء والذل، وهو الذي كان يتحول عن الحظ السعيد يأتيه وفيه جرح لكبريائه وكرامته، أو خلاف لعقيدته، كما يتحول المؤمن الصادق عن وسوسة الشيطان.
اشمأزت نفس إبراهيم، وعافت البقاء بين قوم لا خلاق لهم.. فآثر الرحيل عن وطنه الذي تفانى في حبه، وأذاب روحه في مناجاته، وعزم على الرحيل إلى العراق، بلد العروبة والعزة.
وفي مساء اليوم الذي أقيل فيه إبراهيم من عمله، خفّ صديقه أكرم بك الركابي إلى السيد طالب مشتاق، قنصل العراق في القدس يومئذٍ، وأطلعه على ما جرى لإبراهيم، وفي محادثة تلفونية من قبل السيد طالب، الصديق المحب، سُجّل اسم إبراهيم في وزارة المعارف في بغداد ليزاول مهنة التعليم في أحد معاهد العلم هناك، ولقد كان ذلك بسرعة، ودون أخذ وردّ، إذ كان إبراهيم معروفاً لدى الأوساط الأدبية الرفيعة في العراق.
ولقد لاقى من والده معارضة شديدة بشأن ذلك الرحيل، وإلحاحاً عليه بالبقاء عنده في نابلس، ولكن إبراهيم، على بره بوالده براً يفوق الوصف، وعلى تعلقه العجيب بوالديه وإخوته - ولقد كان هذا البرّ وهذا التعلق من خلائق إبراهيم الممتازة - سافر إلى العراق وهو عازم عزماً أكيداً على عدم العودة إلى فلسطين مدى الحياة!.
ومن هؤلاء الذين يصدق فيهم قول يزيد بن المهلب: «هم أهل العراق، أهل السبق والسباق، ومكارم الأخلاق» وجد إبراهيم على أبواب بغداد من ينتظره من الأصحاب العراقيين، وفي بيت السيد محمد علي مصطفى، الأستاذ في دار المعلمين العليا، نزل إبراهيم وأهله معززين مكرمين، إذ لم يكن قد تهيأ بعد، وفي دار المعلمين الريفية في الرستمية، باشر عمله.
كان للمعاملة السيئة التي لقيها إبراهيم في وطنه وبين قومه تأثير كبير على بنيته النحيلة، فلم تكن تلك البنية لتحتمل كل هذه الآلام النفسية التي كابدها إبراهيم خلال شهور، وهو الرقيق الشعور المرهف الإحساس إلى حد يكاد يكون مرضاً، فلم يكد يمضي شهران على إقامته في العراق حتى وقع فريسة العلة والسقم، مما حمله إلى العودة إلى نابلس قبل انتهاء الفصل الدراسي الثاني.
ونهكت الأسقام إبراهيم، فنقل إلى المستشفى الفرنسي في القدس، وبعد أيام قليلة، وفي مساء الجمعة، الثاني من شهر مايو سنة 1941 أسند إبراهيم رأسه إلى صدر أمه، وقد نزف دمه، وخارت قواه، وهناك أسلم روحه الطاهرة إلى بارئه، واستراح استراحة الأبد.

كان لإبراهيم - رحمه الله - مصحف صغير، لا يخلو منه جيبه، تبركاً به من جهة، وليكون في متناول يده كل حين من جهة أخرى، فلما توفاه بارئه، كان ذلك المصحف تحت وسادته، ولا تزال إلى اليوم ثنية ثناها في إحدى صفحات سورة «التوبة». وكانت هذه الآيات الشريفة آخر ما تلاه إبراهيم من كتاب الله أثناء مرضه، ولقد آثرت أن أختم بها الحديث عن حياة إبراهيم إرضاء لروحه:
«الذين آمنوا وجاهدوا في سبيل اللهِ بأموالهم وأنفسهم أعظمُ درجةً عند اللهِ وأولئك هم الفائزون. يُبشّرهم ربُّهم برحمةٍ منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيمٌ مقيم. خالدينَ فيها أبداً إن اللهَ عنده أجرٌ عظيم».

الكرماوي
04-04-2007, 08:09 PM
إن قلبـي لبلادي .. لا لحزبٍ أو زعيمِ



الشعر السياسي

ذكرى حميّة أهل الشام
البحر الخفيف




هو ذا البحرُ مُزبداً يتعالى=إثْرَ بعضٍ أمواجُه تتوالى
تلطم الصخرَ كبرياءً وعنفاً=ثم ترتدّ للخضمّ خذالى
بضجيجٍ كأنه زجل الرَّعْـ=ـدِ، ورجفٍ تخاله زلزالا
ما ونتْ عن جهادها الدهرَ لكنْ=لَطّفَ الصبحُ كَرَّها والنضالا
وَهْي تستأنف الجهادَ بعزمٍ=كلَّ يومٍ إذا النهارُ تعالى
عند ذاك الخِضمِّ بقعةُ أرضٍ=قدَّر اللهُ منحَها استقلالا
هي حدُّ السُّوريّتينِ شمالاً=وجنوباً وما تنوء مجالا
لستَ تلقى سوريّتين ولكنْ=قيل هذا تَفنّناً وضلالا
يبتغون التفريقَ في الجسد الوا=حِدِ، خابت تلك الشياطينُ فالا
خَلِّ عني وذكرَ من اعتقوا العَبْـ =ـدَ، وشدّوا من الطليقِ العقالا
عند ذاك الخضمِّ بقعةُ أرضٍ=حرس اللهُ سهلَها والجبالا
لا ترى في فِنائها آدميّاً=وَهْي آوتْ صوادحاً وصِلالا
شمسُنا دون شمسِها تتجلّى=بدرُنا دون بدرها يتلالا
وسكونُ الدجى يفكّ عن القَلْـ=ـبِ قيوداً ويبعث الآمالا
ويهبّ النسيمُ في السَّحَر الدا=كِنِ، يُحيي من الزهور تِلالا
زانها من لآلئ الطلِّ تِيجا=نٌ، زهتْ رونقاً وفاضت جمالا
فإذا اجتاز تلكمُ الأرضَ غادٍ=يلبس الطَلُّ ساقَه خَلخالا
وترى الطيرَ نافراتٍ خِفافاً=وثِقالاً ويَمْنةً وشِمالا
ويلوح الصباحُ لوناً فلوناً=كلّما الشمسُ قاربتْه استحالا
وكذا البحرُ خاشعٌ مستكينٌ=وَهْو يُكْسَى من كلّ لونٍ شالا
يا لها من مظاهرٍ تملك الحِسْ=سَ، وتوحي لناظرِيها الخيالا
أيها السائرُ المجدُّ، رويداً=واخفضِ الطَّرْفَ عندها إجلالا
تلك مأوى «حريّةٍ» سُلِبتْ مِنْـ=ـنا قديماً واليومَ عزّتْ منالا
إيهِ يا فتنَةَ الشعوبِ ويا أُنْـ=ـشُودةَ الكونِ شقيتِنا أجيالا
لكِ وجهٌ ملائكيٌّ وسيمٌ=نُورُه يُفعِم القلوبَ جلالا
ومزاجٌ جهنّميٌّ عتيٌّ=يصدع الجوْرَ يصهر الأغلالا
صانكِ اللهُ كم فَداكِ وفيٌّ=أَوَ تُحصين كم أبدتِ رجالا؟
أنا أستغفر الوَفا لم يَبيدوا=يومَ خلّدتِ بعدهم أعمالا
لكِ في تُرْب «ميسلونٍ» دفينٌ=كان للذائدين عنكِ مِثالا
مات في ميعة الشبابِ شهيداً=وكذا الحرُّ لا يموت اكتهالا
في سبيل الأوطانِ سالت دِماهُ=«ذي المعالي فَلْيَعْلُوَنْ من تعالى»
فسلامٌ عليه يومَ دعاهُ=وطنٌ مُرهَقٌ فصال وجالا
وسلامٌ عليه يومَ أُريق الدْ=ـدَمُ منه وضمّخَ الأجيالا
هذه روحُه أطلّتْ على الشّا=مِ، تزور الرُّبا وتَغشى الظلالا
وتحضّ الرجالَ فيها على تَضْـ=ـحِيَةِ النفسِ ما أُهينوا احتلالا
يومَ كانت قلوبُنا تتلظّى=والعِدى تُوسِع البلادَ احتمالا
برجيمٍ لما أتاهم وَقاحٍ=كان إتيانُه عليه وبالا
لم يبتْ غيرَ ليلةٍ كان فيها=يُبصِر الموتَ حوله أشكالا
وكأني به تُجاذبه الأَوْ=هامُ رعباً، فيستوي إجفالا
قَلِقٌ يرقب الصباحَ فلمّا=أَنْ تجلّى شدّ الرحالَ وقالا
الفِرارَ الفرارَ أَلْفَيْتُ في الشا=مِ نَكالاً وفتيةً أبطالا
وَلَوَ انّ المقامَ طال ببَيْرُو=تَ، لكان المصيرُ أسوأَ حالا
هذه شيمةُ الكرامِ بني الشّا=مِ، سَمتْ هِمّةً وطابت فَعالا
عربيٌّ إباؤكم أمويٌّ=لا أبادَ الزمانُ تلك الخِلالا
كلُّ جرحٍ أصابكم حلّ منّا=في صميم القلوبِ يأبى اندمالا
يحرس اللهُ مجدَنا ما بذلنا=في سبيل الأوطانِ نَفْساً ومالا

الكرماوي
04-04-2007, 08:16 PM
ياموطني

البحر الكامل



خطر الـمَسَا بوشاحه المتلوّنِ=بين الرُّبا يَهَب الكرى للأَعْيُنِ
وتَلمّسَ الزهرَ الحَيِيَّ فأطرقتْ=أجفانُه شأنَ المحبِّ المذعن
ودعا الطيورَ إلى المبيت فرفرفتْ=فوق الوكونِ لها لُحونُ «الأُرْغُن»
وتَسرّقتْ نسماتُه في إثْرهِ=فإذا الغصونُ بها تَرنُّحُ مُدْمِن
آصالُ أيامِ الربيعِ جميعُها=حَسَنٌ و«عِيبالُ» اكتسى بالأَحْسن
جبلٌ له بين الضلوعِ صَبابةٌ=كادت تحول إلى سَقام مُزْمِن
وتفجّرتْ شِعراً بقلبي دافقاً=فسكبتُ صافيه ليشربَ موطني
يا موطناً قرع العُداةُ صَفاتَهُ=أشجيتَني ومن الرقاد منعتني
يا موطناً طعن العُداةُ فؤادَهُ=قد كنتَ من سِكّينهم في مأمن
لَهْفي عليكَ وما التلهّفُ بعدما=نزلوا حِماكَ على سبيلٍ هَيّن
وأتَوْكَ يُبدون الودادَ، وكلُّهم=يزهو بثوبٍ بالخداع مُبطَّن
قد كنتُ أحسب في التمدّن نعمةً=حتى رأيتُ شراسةَ المتمدّن
فإذا بجانب رِفْقه أُكَرُ الوغى=وإذا الحديدُ مع الكلامِ الليّن
الذنبُ ذنبي يومَ هِمتُ بحبّهم=يا موطني هذا فؤادي فاطْعن
واغمرْ جراحَكَ في دمي فلعلّهُ=يُجدي فتبرأَ بعده يا موطني
عجباً لقومي مُقْعَدين ونُوَّماً=وعَدوُّهم عن سحقهم لا ينثني
عجباً لقومي كلُّهم بُكْمٌ ومَنْ=ينطقْ يَقلْ يا ليتني ولعلّني
لِمَ يُوجسون من الحقيقة خِيفةً؟=لِمَ يشطحون عن الطريق البيِّن؟
إن البلادَ كريمةٌ يا ليتها=ضنّتْ على من عقَّها بالمدفن
ويغيظني من باتَ حَشْوُ رؤوسهم=كَلِمَ السّبابِ، وليتهُ لم يُعْلِن
فتحتْ لهم بعضُ الصحائفِ صدرَها=حرصاً على ترويجِ فنٍّ مُتقَنِ
الذنبُ ذنبي يومَ هِمْتُ بحُبّهم=يا موطني هذا فؤادي فاطْعنِ
واغمرْ جراحَكَ في دمي فلعلَّه=يُجدي فتبرأ بعده يا موطني
قالوا: الشبابُ.. فقلتُ سيف باترٌ=وإذا تَثقّفَ كان صافي المعدن
مرحى لشبّان البلادِ إذا غدا=كلٌّ بغير بلاده لم يُفْتَن
مرحى لشبّان البلادِ فما لهم=إلاّ السموُّ إلى العُلا من دَيْدَن
نهض الشبابُ يطالبون بمجدهم=يا أيها الوطنُ المجيد تَيمَّن

****

الكرماوي
04-04-2007, 08:19 PM
يا سراة البلاد
البحرالخفيف



يا سَراةَ البلادِ يكفي البلادا=ما أذاب القلوبَ والأكبادا
انتدابٌ أحدُّ من شفرة السَّيْـ=ـفِ وأورى من المنايا زِنادا
وعدُ بَلفورَ دكّها فلماذا=تجعلون الأنقاضَ منها رمادا ؟
ما الذي تفعلون والجوُّ مُرْبَدْ=دٌ، وهذي الأعداءُ تقضي المرادا ؟
أَفَرَغْتُمْ من كلّ أمرٍ سوى الـمَجْـ=ـلِسِ، يحتاج هِمّةً وجهادا ؟
أحبطَ اللهُ سعيَكم، أَلِـحُبِّ الذْ=ذاتِ، قمتم تُهيّئون العتادا
تنبذون الأوطانَ، في طلب الـمَنْـ=ـصِبِ، والدينَ والهدى والرشادا
إن في الموطن العزيزِ سواهُ=ألفَ شُغْلٍ فأَوْسِعوها اجتهادا
وطنٌ بائسٌ يُباع وأنتم=لا تزالون تخدعون العبادا
مُثخَنٌ بالجراح أبرأه الْلَـ=ـهُ، فهلاّ كنتمْ له عُوّادا
كيف يلقى من هادميه بناةً ؟=كيف يرجو من جارحيه ضِمادا ؟
يا جُناةً على البلاد بدعوى الْـ=ـخَيرِ والبِرِّ، لا نَعمتم رُقادا
قام من بينكم سماسرةُ السُّو=ءِ، فهل تشتكون ثَمّ اقتصادا ؟
في غدٍ ينشأ الصِّغارُ فيبغو=نَ تِلاداً وما تركتم تِلادا
بعتموه إلى العدوّ، فمن أَيْـ=ـنَ يلاقون ملجأً ومهادا؟
أنتمُ اليومَ تزرعون فساداً=وغداً سوف يُثمر استعبادا
يا سماءُ انقضّي ويا أرضُ مِيدي=قتلتْ أمّةً وبادت بلادا

****

الكرماوي
04-04-2007, 08:27 PM
ذكرى دمشق
البحر الخفيف



هادئُ القلبِ مُطبَقُ الأجفانِ=مُطلَقُ الروحِ راقدُ الجثمانِ
مَلَكٌ عند رأسه باسمُ الثَّغْـ=ـرِ، جناحاه فوقه يخفقان
غادةٌ تملأ الكؤوسَ وخَوْدٌ=تنضح الجرحَ من رحيق الجِنان
وحواليه طاف أسرابُ حُورٍ=بغصون النخيلِ والريحان
وتهاوى الطيورُ عن شجر الخُلْـ=ـدِ، تَغنّى بأعذب الألحان
من كبيرٍ يزهو بأبهى رياشٍ=وصغيرٍ مُصوَّرٍ من حنان
وأفاق الشهيدُ مُنشرِحَ الصَّدْ=رِ، شكوراً لأنعُمِ الرحمان
واستوى جالساً على رَفْرفٍ خُضْـ=ـرٍ غوالٍ وعبقريٍّ حِسان
وسقتْه ملائكُ اللهِ خمراً=جعلتْه حيّاً مدى الأزمان
وتجلّتْ أنوارُ مَنْ مَلَكَ الـمُلْـ=ـكَ، فخرَّ الحضورُ للأذقان
ثم حيّا ذاك الشهيدَ ونادى=أيّهذا الشهيدُ لستَ بفان
رضي اللهُ عن جهادكَ فاخلدْ=وتَبوّأْ في الخُلْد أعلى مكان
وخلودُ النعيمِ عندي جزاءٌ=للذي مات في هوى الأوطان
ما مصيرُ الشهيدِ يا ربِّ إلا=غبطةٌ عند راسخِ الإيمان
غيرَ أن الشباب إنْ كان غَضّاً=والتوى الغصنُ منه في الريعان
وتراءتْ أزهارُه ذابلاتٍ=عبثتْ للرياح فيها يدان
تُعْذَر العينُ في البكاء عليهِ=دمعَ سلوى، لكنْ بلا سُلْوان
رَبِّ عفواً إنْ راعنا فَقْدُ نَدْبٍ=ضاحكِ الوجهِ في قُطوب الزمان
صارمٌ كان مُغمَداً صقلتْهُ=يدُ حُرّيةٍ أَنوفٍ حَصان
شهرتْهُ حتى أذابتْه مَسْحاً=في رقاب الأعداءِ يومَ الطعان
يا دموعي وهبتُكِ القلبَ إن لم=تَقنعي بالقريح من أجفاني
فَهْو قلبي أليفُ هَمّي وحزني=وحليفُ الزفيرِ والخفقان
يا ربوعَ «الفيحاءِ» أنتِ عروسٌ=أَيّمتْها طوارقُ الحَدَثان
الأكاليلُ لم تزل غضّةَ الزَّهْـ=ـرِ، ولم تنقطع أغاني الغواني
والمغاني مأهولةٌ والروابي=بادياتٌ نواضراً للعيان
والندامى بين الكؤوسِ قيامٌ=رَنّحتْهم مُدامةُ الغُدران
والعذارى سوافرٌ لاهياتٌ=بالأراجيح وَهْي في الأغصان
يا عروسَ الدنيا وما حال قلبٌ=فجعتْه أحزانُه بالأماني
الخطوبُ اللائي نزلنَ جِسامٌ=قد أحلنَ الهَنا إلى أحزان
والأسى في الضلوع أشبهُ شيءٍ=بكِ لما قُذِفتِ بالنيران
منكِ دمعٌ ومن مُحبّيكَ دمعٌ=«بـردى» والمحـبُّ مُتّفقان
رحل العامُ عنكِ جَهْمَ المحيّا=مُكفهِرّاً، فكيف حالُ الثاني؟
لا ترعْكِ الخطوبُ يا ابنةَ مَرْوا =نَ، ولُوذي بالله والفتيان
الشبابُ النضير والأملُ الثّا=بتُ خِلاّن، كيف يفترقان؟
والشبابُ النضير إن سِيم خسفاً=ثائرٌ، باسلٌ وَثُوب الجَنان
لفرنسا أنْ تستبدَّ وتَطغى=لفرنسا التنكيلُ بالبلدان
لفرنسا أن تحشدَ الجيشَ كالسَّيْـ=ـلِ، وتُبدي عجائبَ الطيران
لفرنسا ما تشتهي، لفرنسا=ما تَمنَّى فموعدُ الثأرِ دان
يا لَهولِ الوغى وقد هاج «سُلْطا=نٌ» ، وأضحى يجيشُ كالبركان
أَسَدٌ فوق ضامرٍ عربيٍّ=شاهرٌ للوغى حُساماً يَماني
أرهفتْه المنونُ، ثمّ أنامتْـ=ـهُ ليومٍ مُحجَّلٍ أَرْونان
«صفحتاه عقيقتان من البَرْ=قِ، وفي مَضربَيْه صاعقتان»
وطبيبٌ أغرُّ يُعطي دواءً=لسَقام الأوطانِ.. والأبدانِ
ألُيوثاً أَفْلتَّ يا سجنَ «أَرْوا=دَ »، تذيق العداةَ كأسَ الهوان ؟
أيُّ حربٍ أثار ظلمُ فرنسا=فدهاها ما ليس بالحُسْبان؟
المغاويرُ حُضَّرٌ وبُداةٌ=زمجروا دون أُمّةِ الطغيان
والجيادُ العِتاق وَلْهى طِرادٍ=مسرعاتٌ بهم إلى الميدان
والسيوفُ الرقاق ظمأى دماءٍ=تشتكي بثَّها إلى الـمُرَّان
فاسألي عن فَعالهم يا فرنسا=إن أبناءهم لدى «غملان»
وأقيمي ممالكاً وعروشاً=وافزعي للخداع والبهتان
إنّ من تمنحين مجداً ومُلْكاً=ورثوا الملكَ عن بني مروان
سوف لا ينثنون عن طلب الحقْ=قِ قتالاً أو تضرعي للأمان
إيهِ روحَ الشهيدِ زُوري فِلسطيـ=ـنَ، وطُوفي قدسيّةً بالمغاني
وانزعي من صدورنا جمرةَ الحِقْـ=ـدِ، وسُـلّي سجيّةَ الشَّنَآن
هَمُّ إخواننا الجهادُ وأضحى=همُّنا في مجالسٍ ولجان
أيها العاشقُ المناصبَ مهلاً=أبتاجٍ ظفرتَ أم صولجان ؟
كيف أنساكَ حبُّ ذاتكَ مهداً=أنتَ لولاه كنتَ للنسيان ؟
يا فلسطينُ هل لديكِ سَريٌّ=غيرُ ذي مطمعٍ ولا مُتَوان ؟
ليس عندي سوى التلهّفِ أهديـ=ـهِ، وقلبٍ مُولَّهٍ بكِ عان
وشعورٍ نسّقتُه في بياني=ودموعٍ أودعتُها أشجاني
هل أَمِنّا العُداةَ حتى رقدنا=أم وجدنا الهوانَ حلوَ المجاني ؟
أين منّا الأبيُّ؟ أين الـمُعَزّي ؟=أين منّا مُعذَّبُ الوجدان ؟
فاتّقوا اللهَ واذكروا نهضةَ الشّا=مِ، وخُصّوا العدوَّ بالأضغان

****

الكرماوي
04-04-2007, 08:27 PM
تحية الريحاني

البحر الخفيف




مرحباً بالثقافة الغربيّهْ=تتجلّى في روحكَ الشرقيّهْ
مرحباً بالحكيم مُحيي «المعرّي»=مرحباً بالنبوغ والعبقريّه
مرحباً بالعظيم أكرمِ ضيفٍ=لملوك الجزيرةِ العربيّه
فيلسوفِ «الفريكةِ» الصائب الرَّأْ=يِ، ربيبِ الحريّة الفكريّه
لم يزدنا قدومُكَ اليومَ علماً=بكَ يا صاحبَ البَنانِ النديّه
حملتْ هذه البنانُ يَراعاً=فبَلَوْنا كيف القوى السحريّه
فاض حتى غدوتَ والناسُ منهُ=بعيونٍ عن أن تراكَ غنيّه
عيبُهُ أنه لسانُ حسودٍ=نشرَ الفضلَ منكَ بين البريّه
فيه ما شاء ذو الحِجى وتَمنّى=من غذاءٍ له ومن أُمنيّه
حكمةٌ تملأ الصدورَ ضياءً=خبرةُ الدهرِ أمُّها والرويّه
وهدى جائرٍ وسلوى حزينٍ=من ضميرٍ حيٍّ وأصدق نيّه
ببيانٍ كأنه نَفَحاتٌ=حملتْها يدُ النسيمِ زكيّه
جئتَ والقومُ يا «أمينُ» سكارى=وعبيدُ المآربِ الشخصيّه
جئتَ والقومُذاهلون نيامٌ=قد أضاعوا القضيّةَ الوطنيّه
جئتَ والقومُ في فلسطينَ نَهْبٌ=لأيادي المطامعِ الأشعبيّه
بلدي كان قُدوةً لفلسطيـ=ـنَ، شديداً دفاعُه في القضيّه
كان ذا نخوةٍ وفيه حميّه=أين منها حميّةُ الجاهليّه ؟
كان يُدعى حصنَ البلادِ فأضحى=وفلسطينُ منه تَلقى الرزيّه
نَبِّهِ القومَ يا أمينُ وسَلْهم=أين باتت تلك النفوسُ الأبيّه
جعلتْهم أهواؤهم، ساعةَ الشِدْ=دَةِ، شتّى القلوبِ سُودَ الطويّه
بينما أنتَ بالجزيرة تسعى=لوفاقٍ ووحدة قوميّه
وترود القفارَ وَهْي سعيرٌ=من حجازيّةٍ إلى نجديّه
دبَّ فينا الشقاقُ يا لَبلادٍ=أصبحتْ تحت رحمةِ الحزبيّه
دمعةً يا أمينُ قد غاض دمعي=وفلسطينُ منه ليستْ رويّه
صرخةً يا أمينُ قد بُحَّ صوتي=أتراهم في رقدةٍ أبديّه؟
بُثَّ فيهم روحاً جديداً يفيقوا=ويرَوْا كم يدٍ تعيث خفيّه
إنْ أكنْ مُسْرِفاً بلومي فَلَوْمي=صادرٌ عن مَحبّتي القلبيّه
وعزيزٌ عليَّ أنْ تُبصر العَيْـ=ـنُ فلسطينَ وَهْي تُعطى هديّه
وفلسطينُ لن تكونَ ضحيّه=قبل أنْ تذهب النفوسُ ضحيّه
أيها الفيلسوفُ جئتَ بخيرٍ=فسلاماً وراحةً وتحيّه
دمتَ حتى تشاهدَ العُرْبَ طُرّاً=في ظلال السلامِ والحريّه

الكرماوي
04-04-2007, 08:28 PM
بين الحب والوطن

البحر الخفيف



كان قبل الهوى خليّاً طروبا=يجهل السُّهْدَ والجوى والنسيبا
كان كالطير آمناً يتحرّى=زهرةً غضّةً وغصناً رطيبا
كان عذبَ الغناءِ يُنشد للفَجْـ =ـرِ، ويشدو للشمس حتى تغيبا
فإذا أقبلَ الدجى سامرَ البَد=ْ رَ، ولاقى من الرُّقاد نصيبا
غبطةُ العيشِ هذه علّمتْه=ُ أنّ في الكون عاشقاً وحبيبا
فرماه الهوى فهاض جناحَيْـ =ـهِ، وألقى به حزيناً كئيبا
يا فتاةُ ارحمي صريعاً يُقاسـي=ألمَ الوجدِ والحِمامَ القريبا
زورةً منكِ! وانظري سِمةَ الإشْـ=ـراقِ في وجهه تحول شحوبا
واسمعي نوحَه ولا تسأليهِ=كيف أمسى الغناءُ منه نحيبا
واقربي منه.. لا بل ابقي بعيدًا=إن هذا الزفيرَ كان لهيبا
أترى تذكرين عهدَ غرامي=أم تقولين ليته لن يؤوبا
اهجريني فلا وحسنكِ أنسى=منهلاً صافياً ومرعىً خصيبا
يا حياةَ الهوى عليكِ سلامٌ=حسناتُ الوفاءِ أضحتْ ذنوبا
أملٌ غَرّني، وقد خاب مَسْعا=يَ، فأوشكتُ حسرةً أن أذوبا
فدعيني أَصرِفْ فؤادي لقومٍ=وبلادٍ تلقى البلاءَ الرهيبا
وطني مُرهَقٌ وأهلي نِيامٌ=واستحال الراعي فأصبح ذِيبا
لَهْفَ نفسي وهم سُكارى غرورٍ=كيف يُبدي مَخالباً ونُيوبا؟
لهفَ نفسي وقد دنا يتقرّى=مَقتلاً يستشفّ منه القلوبا
أين ما للشباب من نزواتٍ=يصعق الدهرَ كَرُّها والخطوبا؟
كيف يرضى أن يقطع العمرَ مَطْلو=باً؟ وليس الشبابُ إلا طَلوبا
عهدتْه الأوطانُ في الروع يُبدي=ساعداً أَيِّداً وعُوداً صليبا
وإذا ما الخطوبُ شَدّتْ تَصدّى=كيف تغشى الخطوبُ صدراً رحيبا؟
يا رجالَ الغدِ العصيب وإنّا=لملاقوه، أين كنّا، عصيبا
سوف لا يدرك النجاحَ ويحيا=غيرُ من كافح الحياةَ لبيبا
وهناءُ الأوطانِ يومَ تُلاقي=بين أبنائها الطَّموحَ الأريبا
وَهْي لا تستعيد مجداً عريقا=ً قبل أن تُخْرِجَ الدخيلَ الغريبا
والوبالُ الوبالُ إن لم تضمّوا=ليراع الشبابِ سيفاً خضيبا
بئسَ عهدُ الشبابِ إنْ هَُو لم يَحْـ =ـمِلْ ثماراً تُجنى وكان جديبا


****

الكرماوي
04-04-2007, 08:28 PM
تفاؤل وأمل

مجزوء الكامل



كفكفْ دموعَكَ، ليس يَنْـ=ـفَعُكَ البكاءُ ولا العويلُ
وانهضْ ولا تشكُ الزَّما=نَ، فما شكا إلا الكسول
واسلكْ بهمّتكَ السَّبِيـ=ـلَ، ولا تقلْ كيف السبيل
ما ضلّ ذو أملٍ سعى=يوماً وحكمتُه الدليل
كلاَّ، ولا خاب امرؤٌ=يوماً ومَقصدُه نبيل


أفنيتَ يا مسكينُ عُمْـ=رَكَ بالتأوُّه والحَزَنْ
وقعدتَ مكتوفَ اليَدَيْـ=نِ، تقولُ: حاربني الزمن
ما لم تقم بالعبء أَنْـ=ـتَ، فمن يقوم به إذن ؟



كم قلتَ: «أمراضُ البلا=دِ»؛ وأنتَ من أمراضها
والشؤمُ عِلّتُها: فهلْ=فتّشتَ عن أعراضها ؟
يا مَن حملتَ الفأسَ تَهْـ=ـدِمُها على أنقاضها
اقعدْ فما أنتَ الذي=يسعى إلى إنهاضها
وانظرْ بعينيكَ الذّئا=بَ تعبّ في أحواضها


وطنٌ يُبـاع ويُشتــرى=وتصيحُ : «فَلْيحيَ الوطنْ»
لو كنتَ تبغي خيرَهُ=لبذلتَ من دمكَ الثمن
ولقمتَ تضمد جرحَــهُ=لو كنـتَ مـن أهل الفِطَن



أضحى التشاؤمُ في حَدِيْـ=ـثِكَ بالغريزة والسليقَهْ
مثلَ الغُرابِ، نعى الديا=رَ وأسمعَ الدنيا نعيقَه
تلك الحقيقةُ، والمريـ=ـضُ القلبِ تجرحُه الحقيقه
أملٌ يلوحُ بريقُهُ =فاستهدِ يا هذا بريقه
ما ضاق عيشُـكَ لو سعَيْـ=ـتَ له، ولوْ لم تشكُ ضِيقه


لكنْ توهّمتَ السَّقا=مَ، فأسقمَ الوهمُ البدنْ
وظننتَ أنّكَ قد وهَنْـ=ـتَ، فدبّ في العظم الوَهَن
والمرءُ يُرهبه الردى=ما دام ينظرُ للكفن



اللهَ ثُمّ اللهَ ما أحلى=التضامنَ والوفاقا
بُوركتَ مُؤتَمراً تَألْـ=ـلَفَ، لا نزاعَ ولا شِقاقا
كم من فؤادٍ راق فِيْـ=ـهِ، ولم يكنْ من قبلُ راقا
اليومَ يشربُ موطني=كأسَ الهناءِ لكم دِهاقا
لا تعبأوا بمشاغبيـ=ـنَ، تَرَوْنَ أوجهَهم صِفاقا



لا بدَّ من فئةٍ - أُجِلْـ=ـلُكُمُ - تَلَذّ لها الفِتَنْ
تلك النفوسُ من الطُّفُو=لةِ، أُرضِعتْ ذاك اللبن
نشأتْ على حُبِّ الخِصا=مِ، وبات يرعاها الضَّغَن



لا تحفِلوا بالمرجفيـ=ـنَ، فإنَّ مطلبهم حقيرُ
حبُّ الظهورِ على ظُهو=رِ الناسِ منشأه الغرور
ما لم يكنْ فضلٌ يَزيـ=ـنُكَ، فالظهورُ هو الفجور
سِيروا بعون اللهِ؛ أَنْـ=ـتُمْ ذلك الأملُ الكبير
سيروا فقد صفتِ الصُّدو=رُ؛ تباركتْ تلك الصدور



سِيروا فسنّتُـكم لخَيْـ=ـرِ بلادكم خيرُ السُّنَنْ
شُدّوا المودّةَ والتَّآ=لُفَ والتفاؤلَ في قَرَن
لا خوفَ إن قام البِنا=ءُ على الفضيلةِ وارتكن




حَيِّ الشبابَ وقلْ سَلا=ماً إنكم أملُ الغدِ
صحَّتْ عزائمكم على=دفعِ الأثيم المعتدي
واللهُ مدَّ لكم يداً =تعلو على أقوى يد
وطني أزفُّ لكَ الشبا=بَ، كأنه الزَّهرُ الندي
لا بد َّمن ثمرٍ لَه=ُ يوماً وإنْ لم يَعْقِد


ريحانُه العِلمُ الصَّحِيـ=ـحُ، وروحُه الخُلُقُ الحَسَنْ
وطني، وإنَّ القلب يا=وطني بحبّكَ مُرتَهن
لا يطمئنُّ، فإنْ ظفر=ْ تَ بما يريد لكَ اطمأن

الكرماوي
04-04-2007, 08:28 PM
حطين

مجزوء الكامل



أهلاً بربِّ المهرجانِ=أهلاً بنابغة البيانِ
مَلِكِ القلوبِ المستقلْ=لِ بعرشها، والصولجان
ومُتوَّجٍ حالتْ أشعْـ=ـعةُ تاجه دون العِيان
أهلاً «بشوقي» شاعرِ الْـ=ـفُصحى ومعجزةِ البيان
يا فرقدَ الشعراءِ كم=ْ من فرقدٍ لعُلاكَ ران
عَلَما الخلودِ مُنشَّرا=نِ، على سريركَ يخفقان
جبريلُ ينفخ في فُؤا=دِكَ ما يفيض على اللسان
وأمدَّ بالنّفحات رُو=حَكَ، حين طوّف بالجِنان
فإذا بأبكار الجِّنا نِ لديكَ أبكارُ المعاني
يا باكيَ «الفيحاءِ» حِيـ=ـنَ أبتْ تقيمُ على الهوان
أيامَ كانت وردةً بدم البواسلِ كالدِّهان
أرسلتَ عن «بردى» سَلا=مَكَ في لظى الحرب العَوان
وذرفتَ «دمعاً لا يُكفْـ=ـكَفُ» هيّجتْه «الغُوطتان»
البيتُ ممّا قلتَهُ فيه تَخايَلُ جنّتان
أبداً رثاؤكَ فيهما=عينانِ دمعاً تجريان
هذا وإنّ جَناهما=لَلصعبُ فاعجبْ وَهْو دان
عَرِّجْ على حِطّينَ واخْـ=ـشَعْ يُشْجِ قلبَكَ ما شجاني
وانظرْ هنالك هل ترى=آثارَ «يوسفَ» في المكان
أيقظْ «صلاحَ الدينِ» رَبْ=بَ التاجِ والسيفِ اليماني
ومُثيرَها شعواءَ أَيْـ=ـيُوبيّةَ الخيلِ الهِجان
بالعاديات لديه ضَبْـ=ـحاً والأسنّةُ في اللَّبان
ترمي بمارجها وما=غيرُ العجاجةِ من دخان
في كلّ خطّارٍ على الْـ=أخطارِ صبَّارِ الـجَنان
حلقاتُ أدْرعهم قُيو=دُ الموتِ في دَرَك الطعان
وسيوفُهم ماءُ الحَمِيـ=ـمِ، على مَضاربهنَّ آن
والخيلُ طَوْعُ كُماتها=في النّقعِ مُرخاةُ العِنان
لا تنثني أو تُحرزَ الْـ=قَصَباتِ في يوم الرهان
حطّينُ يومُكِ ليس يُنْـ=ـكِرُ شاهدِيه الخافقان
تتطايرُ الأرواحُ فِيـ=ـهِ، من السِّنان إلى السنان
وترى السّهامَ مُقوَّما=تٍ، فوق أجسامٍ حَوان
فإذا أديمُ الأرضِ أَحْـ=ـمَرُ، من دم الإفرنج قان
يُسقَوْن من كأس الرَّدى=ومليكُهم ظمآنُ عان
حتى انجلى رَهْجُ الوغى=والنصرُ مرموقُ العَنان
ومشى صلاحُ الدينِ تَحْـ=ـتَ لوائه في مهرجان
وعلا الأذانُ ورَجَّعتْ=تكبيرَهُ شُرَفُ الأذان
أمُقوِّضَ الدَّولاتِ مَنْ=لي من صروفكَ بالأمان؟
دُكَّتْ صروحٌ ما بنى=أمثالَها في المجد بان
جلَّ المصابُ «أبا عَلِيْ=ـيٍ»، فابْكِ هاتيكَ المغاني
ذهب الذين عهدتَهم=لا يصبرون على الهوان
في مصرَ يطمعُ «أشعبٌ»=وهنا تبادى أشعبان
وهنا التخاذلُ في الشَّدا=ئِد، والتشاؤمُ والتواني
والنفسُ يقتُلُ عزمَها=طولُ التعلُّلِ بالأماني
خُذها إليكَ وأنتَ عَنْـ=ـها يا أميرَ الشعرِ غان
حسناءَ فيها للصِّبا=نَزَقٌ على خَفَر الحِسان
نفحاتُها من «كَرْمةٍ»=تُعزى إلى« الحَسَن بن هاني»
هيهات تبلغُ شأوكَ الشْـ=ـشُعراءُ يوماً أو تُداني

الكرماوي
04-04-2007, 08:28 PM
الى بائعي البلاد

البحر البسيط



باعوا البلادَ إلى أعدائهم طَمَعا ً=بالمال لكنّما أوطانَهم باعوا
قد يُعذرون لَوَ انّ الجوعَ أرغمهم=واللهِ ما عطشوا يوماً ولا جاعوا
وبُلْغَةُ العارِ عند الجوعِ تلفظها =نفسٌ لها عن قَبول العارِ ردَّاعُ
تلك البلادُ إذا قلتَ: اسمُها «وطنٌ»=لا يفهمون، ودون الفهمِ أطماع
أعداؤنا، منذ أن كانوا، «صيارفةٌ»=ونحن، منذ هبطنا الأرضَ، «زُرّاعُ»
لم تعكسوا آيةَ الخلاّقِ، بل رجعتْ=إلى اليهود بكم قُربى وأطباع
يا بائعَ الأرضِ لم تحفل بعاقبةٍ=ولا تعلّمتَ أنّ الخصمَ خَدّاع
لقد جنيتَ على الأحفاد، وا لَهَفي=وهم عبيدٌ، وخُدَّامٌ، وأتباع
وغرّكَ الذَّهبُ اللمّاع تُحرِزهُ=إن السَّرابَ كما تدريه لمّاع
فكِّرْ بموتكَ في أرضٍ نشأتَ بها =واتركْ لقبركَ أرضاً طولُها باع


****


رد على رئوبين شاعر اليهود

البحر الخفيف



«هاجَرٌ» أمُّنا ولودٌ رؤومُ=لا حسودٌ ولا عجوزٌ عقيمُ
هاجرٌ أُمّنا ومنها أبو العُرْ=بِ، ومنها ذاك النبيُّ الكريم
نسبٌ لم يَضِعْ ولا مزّقتْهُ=بابلٌ أيها اللقيطُ اللئيم
ودمٌ في عروقنا لم يُرقْهُ=سوطُ فرعونَ والعذابُ الأليم
يعلم الدهرُ أيَّ أهرامِ مصرٍ=ذلُّكم في صخوره مرقوم
هَرَمٌ خالدٌ يُغشّيه ظِلٌّ=من عبوديّةٍ لكم لا تريم
أيْ «رئوبينُ» غطِّ وجهَكَ حتى=لا يُرى الأنفُ أنه مهشوم
يا يهوديُّ كيف علمُكَ بالتَّوْ=راةِ، قل لي، أم فاتكَ التعليم؟
بين أسفارها خلائقُ عنكم=مُبتداها ومُنتهاها ذميم
«يوسفٌ» باعه أبوكم «يَهوذا»=إنَّ حبّ الدينارِ فيكم قديم
وكفرتم بنعمة اللهِ حتى=ضاق ذَرْعاً بالكفر موسى الكليم
يشهد «التّيهُ» أنكم، شعبُ إسْرا=ئيلَ، شعبٌ منذ الخروج أثيم
يشهد «العِجْلُ» أن ألواحَ موسى=يومَ زُغْتم أصابها التحطيم
وبطونُ التاريخِ فيها عجيبٌ=وغريبٌ بعاركم موسوم
أَيْ رئوبينُ، أين ألواحُ موسى=والوصايا؟ فكلّهنَّ قويم
هُنَّ عشرٌ نبذتموها جميعاً=ورتعتم في الغيّ وهْوَ وخيم
ونقضتم أحكامَها فإذا الما=لُ مَقامَ الإلهِ فيكم يقوم
والرِّبا ربُّكم له صنمُ الحِرْ=صِ، مثالٌ أنتم عليه جُثوم
وإذا السبتُ فيه مكرٌ وغدرٌ=أين فيه التقديسُ والتعظيم ؟
وعكستم آياتِها فإذا القَتْـ=ـلُ مُباحٌ والفسقُ فيكم عميم
فجهلتم آباءَكم فغدوتم=واحترامُ الآباءِ فيكم عديم
وهضمتم حقَّ الجوارِ وصحتم: =«أيها الناسُ حقُّنا مهضوم»..
كلُّكم شاهدٌ على الحقّ زُوراً=هل أتاكم من شأنه تحريم!؟
حسبُكم، لا يبارك اللهُ فيكم،=أن شيطان بغيكم لَرجيم
فلَوَ انَّ النجومَ أمستْ رُجوماً=ما عدتْكم واللهِ تلك الرجوم
أيْ «رئوبينُ»، أيَّ شعبٍ تنادي؟=إن ربّاً أباده لَـحكيم
أيْ رئوبينُ هل قرأتَ «شِكِسْبِيـ =ـرَ»؟ بلى، أنتَ شاعرٌ مشؤوم
وشكسبيرُ خالدُ القولِ فيكم=أمرُ «شيلوخَ» في الورى معلوم
غيرَ أنّ الذين منهم شِكِسْبِيـ=ـرُ، تَناسَوْا ما قال ذاك العظيم
يا يهوديُّ، هل سمعتَ بشعبٍ=ضلَّ حتى في كلّ قطرٍ يهيم ؟
شعبُكم كالذباب في كلّ أرضٍ=منه شيءٌ على القَذور يحوم
وعجيبٌ مِنَ العجائب أنْ يَطْـ=ـلُبَ حُكْماً ودهرَه محكوم
وغريبٌ مِنَ الغرائب أنْ يَجْـ=ـمَعَ شَمْلاً شَتاتُه محتوم
غَضَبُ اللهِ ما يزال عليكم=وعدُ بلفورَ دونه مهزوم
نادِ أبطالَكَ الذين توارَوْا=في الشبابيك إنهم لَقُروم
يرقبون الأطفالَ مِنّا فإنْ لا=حُوا، رمَوْهم، فهالكٌ وكَليم
في يديهم سلاحُ قومٍ.. عليهِ=«أسَدٌ» في حديده مختوم
نادِهم يقذفوا القنابلَ واصرخْ:=«شعبُ صهيونَ أعزلٌ مظلوم»
والعنِ الإنكليزَ واحملْ ظُباهم=إنّ نكرانَ فضلهم لَـجسيم
لبنُ الأرضِ فاض سُمّاً زُعافاً=ودماً، فانزلوا بها وأقيموا
واشربوه ملءَ البطونِ هنيئاً=هكذا تشرب الذئابُ الهِيم
يا يهوديُّ لا عليكَ سلامٌ=وإذا شئتَ لا عليك «شَلوم»

الكرماوي
04-04-2007, 08:28 PM
البلد الكئيب

مجزوء الكامل



يا أيها البلدُ الكئيبُ=حيّاكَ مُنهمِرٌ سَكوبُ
لا تبتئسْ بالظلم «إنْ=نَ غداً لناظره قريب»
وغَدٌ عصيبٌ لا يَسُرْ=رُ الظالمين، غدٌ عصيب
أشرقْ بوجهكَ ضاحكاً=ولشمسِ شانئكَ الغُروب
ما بعدَ غمّكَ غَيْرُ يَوْ=مٍ، تطمئنّ به القلوب
لَهْفي على البلد الكئيـ=ـبِ، تعطّلتْ أسواقُهُ
عارٍ كما اعرورى الخَريـ=ـفُ، تساقطتْ أوراقه
خفقتْ جوانحُه أسىً=وتقرّحتْ آماقه
صبراً فإنّ الصبرَ قد=يحلو بفِيكَ مذاقه
هذا عدوُّكَ، لا يَرُعْـ=ـكَ، وهذه أخلاقه
بلفورُ كأسُكَ من دم الشْـ=شُهَداءِ، لا ماءِ العِنَبْ
لا يخدعنّكَ أنّها=راقت وكَلّلها الحَبَب
فحَبابُها الأرواحُ قد=وثبتْ إليكَ كما وثب
فانظرْ لوجهكَ إنّهُ=في الكأس لوّحه الغضب
وانظرْ، عمِيتَ، فإنّهُ=من صرخة الحقِّ التهب
بلفورُ يومُكَ في السَّما=ءِ، عليكَ صاعقةُ السماءِ
ما أنتَ إلا الذئبُ قد=صُوِّرتَ من طين الشقاء
والذئبُ وحشٌ لم يزلْ=يَضْرى برائحة الدماء
اِخْسأْ بوعدكَ، إنّ وَعْـ=ـدَكَ، دونه ربُّ القضاء
وإلى جهنّمَ أنتما=حطبٌ لها طولُ البقاء
اِخْسأْ بوعدكَ لن يَضْيـ=ـرَ الوعدُ شعباً هبَّ ناهضْ
لا تنقضِ الوعدَ الذي=أبرمتَه فله نواقض
ويلٌ لوعد الشيخِ مِنْ=عزماتِ آسادٍ روابض
أتضيع يا وطني وها=عِرْقُ العروبةِ فِيَّ نابض؟
فلأذهبنَّ فداءَ قومي=في غمار الموتِ خائض
بُشراكَ يا وطني فقد=نُفِض الرقادُ عن البلادِ
نهضتْ بواسلُ فيكَ تَقْـ=ـذِفُ بالنفوس إلى الجهاد
شقّوا الطريقَ إلى العلا=وخطَوْا على نهج السداد
وَلَسوف تنطق في سبيـ=ـلِ الحقِّ ألسنةُ الجماد
والويلُ يا وطني لمن=أضحى يُصرّ على العناد
بُشراكَ يا وطني فقد=نهضتْ بكَ الغيدُ الأوانسْ
حيّتْ جموعَ الغانيا=تِ عيونُ نرجسِك النواعس
أقبلنَ من باب الخليـ=ـلِ، يمسنَ في سُودِ الملابس
وصرخنَ في وجه العميـ=ـدِ، وحقُّهنَّ لهنَّ حارس
وطني، ظفرتَ إذا النِّسا=ءُ، هتفنَ باسمكَ في المجالس
وطني، علينا العهدُ جَمْـ=ـعاً أنْ نسير إلى الأمامِ
ونعيشَ إخواناً على=محضِ المودّةِ والوئام
ونردَّ عنكَ النّازِلا=تِ، مُسابقين إلى الحِمام
ونكونَ، في إعلاء شَأْ=نِكَ، عاملين على الدوام
حتى تُرى مُتَفيّئاً =ظلَّ الكرامةِ والسلام

****

الكرماوي
04-04-2007, 08:29 PM
عتاب إلى شعراء مصر

البحر الخفيف



روضُنا من رياضكم فَيْنانُ=وثَرانا من نِيلكم رَيّانُ
وهوانا - لو تَقْدرون هوانا=كلُّ قلبٍ منه لكم ملآن
وبرغم العِدا أواصرُ قُرْبا=نا وَثاقٌ لم تُبْلها الأزمان
وعيونٌ يقظى روانٍ إليكم=دمعُها في مُصابكم لا يُصان
إن سُررتم ففي فلسطينَ عيدٌ=أو حزنتم لم تعدُها الأحزان
قد رَأَوْا بالقناة أن يقطعونا=فإذا الدينُ جسرُها واللسان
وإذا بالقلوب تهفو على النِّيْـ=ـلِ ظماءً يُودي بها الخفقان
أحسنَ اللهُ وِردَكم، هل يُغيض النْـ=ـنِيلَ كأسٌ يحيا بها ظمآن ؟
جئتُكم عاتباً بلابلَ مصرٍ:=بلبلُ الروضِ عتبُه ألحان
رفرف الشعرُ فوقكم بجناحَيْـ=ـهِ، وفي ساحكم غَذاه البيان
وتسامى صرحُ العروبةِ في مِصْـ=ـرَ، وهل غيرُكم له أركان ؟
كم بلادٍ تهزّكم ليس فيها=لكمُ جيرةٌ ولا إخوان
خطُبنا لا يهزُّ «شوقي» ولكنْ=جاء روما فهزّه الرومان
خطبُنا لا يهزّ حافظَ إبرا=هيمَ لكنْ تهزّه اليابان
ما لمطرانَ يا فلسطينُ شأنٌ=بكِ لكنْ له بنيرونَ شان
سيقولونَ قُدِّستْ هذه الأَرْ=ضُ، فما أنْ لنا بها شيطان
بل فلسطينُ بالشياطين ملأى=ضجّتِ الإنسُ منهمُ والجان
إنْ بلوتم منهم فريقاً فإنّا=قد رمانا باثنين هذا الزمان
فإذا المالُ فات ذاك فهذا=قَرِمٌ لا تفوته الأبدانُ
سيقولون: رُبَّ إخوانِ صدقٍ=لكَ في مصرَ بينهم أضغان
قطعوا الوحيَ بالتقاطع عنا=إن هذا جزاؤه الحرمان
تلك شكوى تروعني كيف صاروا=فعساها ذكرى لهم كيف كانوا

الكرماوي
04-04-2007, 08:29 PM
هذه القصيدة لم اجد لها عنوان

من البحر المجتث



يا تَعْسَ مَنْ سِيمَ خَسْفا=وراح يُظهِر ضَعْفا
ومَنْ إذا صفعتْه الْـ=حُكّامُ قبَّلَ كفَّا
ومَنْ إذا شتمتْه= فليس ينطق حرفا
آهٍ فلسطينُ كم ذا=ترينَ ظلماً وعسفا
هذي جيوشُ الرزايا=عليكِ تزحف زحفا
مدَّ الدخيلُ إلى قَلْـ=ـبكِ المحطّمِ ظَلْفا
خالَ العويلَ نشيداً=وأنّةَ اليُتمِ عَزْفا
وشقوةَ الشعبِ سَعْداً=وحُرقةَ البؤسِ عَرْفا
أبناؤكِ الصِّيدُ ها هم=ْ ما بين سجنٍ ومنفى
ومَنْ يريدون عدلاً=منهم يلاقون حتفا
باتوا ضحايا انتدابٍ=وظلمُه ليس يَخفى
ما ذنبُهم غيرَ أنّ الْـ=ـجَميعَ يطلب «حِلْفا» !




*********



موسم النبي موسى

بحر الرمل





أيها الموسمُ، هل أنتَ سوى=صورةِ المجدِ الذي كان لنا ؟
قد مشى الدهرُ عليه وطوى=صُحُفاً كنَّ سناءً وسنا
أيها الموسمُ هل بين الجموعْ=غيرُ تردادِ صدى النصرِ المبينْ؟
أصلاحُ الدينِ حيٌّ في الربوعْ=أم سيوفُ الفتحِ فيها ينجلين؟
أين قومٌ جهلوا معنى الخنوعْ؟=ذهب الآباءُ، تَعْساً للبنين
حَلّق المجدُ بهم ثم هوى=وانثنى ينشدهم لما انثنى
أيها الموسمُ، هل أنتَ سوى=صورةِ المجدِ الذي كان لنا؟
يا شواظَ الحربِ ترمي بشررْ=يترك الآفاقَ في لون الدمِ
يا لظى حِطّينَ نشوى بالظفر=يا صلاحَ الدينِ اخلدْ وانعم
لكَ في التاريخ أيّامٌ غُرَر=كُتِبتْ بالسيف لا بالقلم
فرواها الدهرُ فيما قد روى=فاسمعوها واجعلوها سننا
أيها الموسمُ هل أنتَ سوى=صورةِ المجدِ الذي كان لنا؟

****




الفدائي

مجزوء الخفيف




لا تسلْ عن سلامتِهْ=روحُه فوق راحتِهْ
بدّلتْهُ همومُهُ=كفناً من وسادته
يرقبُ الساعةَ التي=بعدها هولُ ساعته
شاغلٌ فكرَ من يرا=هُ، بإطراق هامته
بين جنبيه خافقٌ =يتلظّى بغايته
من رأى فحمةَ الدجى=أُضرِمتْ من شرارته
حمّلتْه جهنّمٌ=طَرَفاً من رسالته
هو بالبابِ واقفُ=والرَّدى منهُ خائفُ
فاهدأي يا عواصفُ=خجلاً من جراءته
صامتٌ لو تَكلّما=لفظ النارَ والدما
قل لمن عاب صمتَهُ=خُلِق الحزمُ أبكما
وأخو الحزمِ لم تزل=ْ يدُهُ تسبقُ الفما
لا تلوموه، قد رأى=منهجَ الحقِّ مُظلما
وبلاداً أحبَّها=ركنُها قد تهدَّما
وخصوماً ببغيهم=ضجّتِ الأرضُ والسَّما
مرَّ حينٌ، فكاد يَقْـ=ـتُلُهُ اليأسُ، إنّما
هو بالباب واقفُ=والرَّدى منه خائفُ
فاهدأي يا عواصفُ=خجلاً من جَراءتِهْ

الكرماوي
04-04-2007, 08:29 PM
الثلاثاء الحمراء

بحر الكامل


مقدمة



لما تَعرّضَ نجمُكَ المنحوسُ=وترنَّحتْ بعُرى الحبالِ رؤوسُ
ناح الأذانُ وأعولَ الناقوسُ=فالليلُ أكدرُ، والنهارُ عَبوس
طفقتْ تثورُ عواصفُ=وعواطفُ
والموتُ حيناً طائفُ=أو خاطفُ
والمعولُ الأبديُّ يمعنُ في الثرى=ليردَّهم في قلبها المتحجِّرِ
يومٌ أطلّ على العصور الخاليَهْ= ودعا: «أمرَّ على الورى أمثاليَهْ؟»
فأجابه يومٌ: «أجلْ أنا راويهْ=لمحاكم التفتيشِ، تلك الباغيه
ولقد شهدتُ عجائبا=وغرائبا
لكنَّ فيكَ مصائبا=ونوائبا
لم ألقَ أشباهاً لها في جَورها=فاسألْ سوايَ وكم بها من مُنكَرِ»
وإذا بيومٍ راسفٍ بقيودهِ=فأجاب، والتاريخُ بعضُ شهودهِِ
«انظرْ إلى بِيض الرقيقِ وسُودهِ=من شاء كانوا ملكَه بنقودهِ
بشرٌ يُباع ويُشترى=فتحرَّرا
ومشى الزمانُ القهقرى=فيما أرى
فسمعتُ مَنْ منع الرقيقَ وبيعَهُ =نادى على الأحرار: يا من يشتري»
وإذا بيومٍ حالك الجلبابِ=مُتَرنّحٍ من نشوةِ الأوصابِ
فأجابَ: «كلاّ، دون ما بكَ ما بي أنا=في رُبى «عاليه» ضاع شبابي
وشهدتُ للسفّاح ما=أبكى دما
ويلٌ له ما أظلما=لكنّما
لم ألقَ مثلَكَ طالعاً في روعةٍ =فاذهبْ لعلكَ أنتَ يومُ المحشرِ»
«اليومُ» تُنكرهُ اللَّيالي الغابرهْ=وتظلّ ترمقه بعينٍ حائره
عجباً لأحكام القضاءِ الجائره=فأخفُّها أمثالُ ظلمٍ سائره
وطنٌ يسيرُ إلى الفناءْ=بلا رجاءْ
والداءُ ليس له دواءْ=إلاّ الإباءْ
إنَّ الإباءَ مناعةٌ، إنْ تشتملْ=نفسٌ عليه تَمتْ ولمّا تُقهرِ
الكلُّ يرجو أن يُبكِّرَ عفوُهُ =ندعو له ألا يُكدَّرَ صفوُهُ
إنْ كان هذا عطفُه وحُنوُّهُ=عاشت جلالتُه وعاش سُموّه
حمل البريدُ مُفصِّلا=ما أُجْمِلا
هلاّ اكتفيتَ تَوسُّلا=وتَسوُّلا
والموتُ في أخذ الكلامِ وردّهِ=فخذِ الحياةَ عن الطريق الأقصرِ
ضاق البريدُ وما تغيّرَ حالُ=والذُّلُّ بين سطورنا أشكالُ
خُسرانُنا الأرواحُ والأموالُ =وكرامةٌ - يا حسرتا - أسمال
أَوَ تُبصرون وتسألونْ =ماذا يكونْ؟
إنّ الخداعَ له فنونْ=مثلُ الجنونْ
هيهات، فالنفسُ الذليلةُ لوغدتْ=مخلوقةً من أعينٍ لم تُبصِرِ!
أنّى لشاكٍ صوتُه أن يُسمَعا؟ =أنّى لباكٍ دمعُه أن يَنفعا؟
صخرٌ أحسَّ رجاءَنا فتصدّعا=وأتى الرجاءُ قلوبَهم فتقطّعا
لا تعجبوا، فمن الصخورْ=نبعٌ يفورْ
ولهم قلوبٌ كالقبورْ=بلا شعورْ
«لا تلتمسْ يوماً رجاءً عند منْ=جرّبتَه فوجدتَه لم يشعُرِ»


الساعات الثلاث

الساعة الأولى


أنا ساعةُ النفسِ الأبيّهْ=الفضلُ لي بالأسبقيّهْ
أنا بِكرُ ساعاتٍ ثَلا=ثٍ، كلُّها رمزُ الحميّه
بنتُ القضيّةِ إنّ لي=أثراً جليلاً في القضيّه
أثرَ السيوفِ المشرفيّـ=ـةِ، والرماحِ الزاعبيّه
أودعتُ، في مُهج الشبيـ=ـبةِ، نفحةَ الروحِ الوفيّه
لا بدَّ من يومٍ لهم=يَسقي العِدى كأسَ المنيّه
قسماً بروح «فؤادَ» تَصْـ=ـعَدُ من جوانحه زكيّه
تأتي السماءَ حفيّةً=فتحلّ جنّتَها العليّه
ما نال مرتبةَ الخُلو=دِ بغير تضحيةٍ رضيّه
عاشتْ نفوسٌ في سَبيـ=ـلِ بلادها ذهبتْ ضحيّه


الساعة الثانية



أنا ساعةُ الرجل العتيدِ=أنا ساعةُ البأسِ الشديدِ
أنا ساعةُ الموتِ الـمُشَرْ=رِفِ كلَّ ذي فعلٍ مجيد
بطلي يُحطّمُ قيدَهُ=رمزاً لتحطيم القيود
زاحمتُ مَنْ قبلي لأَ سْـ=ـبقَها إلى شرف الخلود
وقدحتُ، في مُهج الشَّبا=بِ، شرارةَ العزمِ الوطيد
هيهات يُخدَعُ بالوعو=دِ، وأنْ يُخدَّرَ بالعهود
قسماً بروح «محمّدٍ»:=تلقى الردى حلوَ الورود
قسماً بأمّكَ عند مَو=ْ تِكَ، وَهْي تهتف بالنشيد
وترى العزاءَ عن ابنها=في صيته الحَسَنِ البعيد
ما نال مَن خدم البِلا=دَ أجلَّ من أجر الشهيد


الساعة الثالثة


أ
نا ساعةُ الرجلِ الصبورِ=أنا ساعةُ القلبِ الكبيرِ
رمزُ الثباتِ إلى النِّها=يَةِ، في الخطير من الأمور
بطلي أشدُّ على لقا=ءِ الموتِ من صُمّ الصخور
جذلانُ يرتقبُ الردى=فاعجبْ لموتٍ في سرور
يلقى الإلهَ «مُخضَّبَ الْـ=ـكَفَّينِ» في يوم النشور
صبرُ الشبابِ على المصا=بِ، وديعتي ملءَ الصدور
أنذرتُ أعداءَ البِلا=دِ بشَرّ يومٍ مُستطير
قسماً بروحكَ يا «عطا=ءُ»، وجنَّةِ الـمَلِكِ القدير
وصِغارِكَ الأشبالِ تَبْـ=ـكي الليثَ بالدمع الغزير
ما أنقذ الوطنَ المفَدْ=دَى غيرُ صبّارٍ جسور


الخاتمة


الأبطال الثلاثة



أجسادُهم في تربة الأوطانِ=أرواحُهم في جنّة الرضوانِ
وهناك لا شكوى من الطغيانِ=وهناك فيضُ العفوِ والغفران
لا ترجُ عفواً من ســواهْ=هو الإلهْ
وهو الذي ملكتْ يـداهْ=كلَّ جاهْ
جبروتُهُ فوق الذيــن يغـرّهــمْ=جبروتُهم في بَرّهــم والأبْحُرِ


****

الكرماوي
04-04-2007, 08:29 PM
قصيدة بلا عنوان

بحر الخفيف



لَـجنةٌ إثْرَ لجنةٍ إثرَ لَـجنَهْ=كلِّفوا «الخاطرَ الكريمَ» بهُدْنَه
ولجانٌ تَلي وأخرى تُولّي=هكذا يُبدع السياسيُّ فنّه
حَسْبُنا من خصالهم أنْ عرفنا=أيهذا الخِداعُ أنكَ مِهنه
غيرَ أن المكروهَ يأتيكَ أحيا=ناً بخيرٍ، كالخير يأتي بمحنه
مثلما تقصف الرياحُ ولا تَنْـ=ـفَـكُّ، حتى تسوقَ للجدب مُزْنه
مرحباً بالوفود شكراً لقومٍ=جمعتْهم خطوبُنا المرجحنّه
نحن لولا الخطوبُ ما جمعتْنا=بعد طول الأعمارِ إلا الجنّه



قصيدة بلا عنوان

بحر المجتث



يا «وفدُ» سِرْ بأمانٍ=يا «وفدُ» لا ترجُ جِلْفا
فكلُّ راجٍ ذليلٌ=ولو جنى القولَ ألفا
قلْ: ذلك العهدُ ولّى=وأننا اليومَ أَكْفا
كم من فتىً طلب العِزْ=ـزَ في الحياة فوفّى
لـمّا رأى العيشَ ذُلاً=أبى وعانقَ سَيْفا
قضى شهيداً عزيزاً=وفي الفراديس أغفى
فيها الملائكُ تُزجى=إليه صَفّاً فصفّا
تحفّه وَهْو بالنُّبْـ =ـلِ والكرامةِ حَفَّا
دمُ الشهيدِ إلى الإسْـ=ـتِقْلالِ أشرفُ زُلفى !


تحية مصر


بحر البسيط



تحيّةً لكِ يا مصرَ الفراعينِ=ذوي المآثرِ من حيٍّ ومدفونِ
ولم تزل دوحةُ الآدابِ وارفةً=على جواركِ خضراءَ الأفانين
إليكِ يا مصرُ إيمائي ومُلْتَفتي=ونورُ نهضتكِ الغرّاء يهديني
ولي أواصرُ قُربى فيكِ ما برحتْ=لما مضى ذاتُ توثيقٍ وتمكين
شقّوا «القناةَ» عساها عنكِ تُبعدني=أنّى، ومن لغتي جِسرٌ سيُدنيني
أُحبُّ مصرَ ولكنْ مصرُ راغبةٌ=عني فتُعرض من حينٍ إلى حين
وإن بكتْ، لا بكتْ همّاً، فقد علمتْ=وأيقنتْ أنّ ذاك الهمَّ يُبكيني
وما عتبتُ على هَجْرٍ تدلُّ بهِ=إن الدلال يُمنّيني ويُغريني
لكنْ جزعتُ على ودٍّ أخاف إذا=فقدتُه لم أجد خِلاًّ يُواسيني
في أصدقائي أُعزّي إن هُمُ هلكوا=وفي الصداقات ما لي من يُعزّيني
قالوا شفاؤكَ في مصرٍ وقد يئسوا=مني وأعيا سَقامي من يداويني
خلّفتُها بلدةً «يعقوبُ» خلّفَها=شوقاً ليوسفَ قبلي فَهْو يحكيني
تُقلّني من بنات النارِ زافرةٌ=تَكْتَنّني وهجيرُ «التّيه» يصليني
تمضي على سَنن الفولاذِ جامحةً=وجذوةُ الشوقِ تُزجيها وتزجيني
حتى سمتْ ليَ جنّاتُ النخيلِ على=ضفافِ مُطَّردِ النعماءِ ميمون
هبطتُ مصرَ وظنّي أنها رقدتْ =في ظلِّ أجنحةٍ من ليلها جُون
كأنها وكأنّ الليلَ مُنصدِعاً=بنورها سرُّ صدرٍ غيرُ مكنون
و«الأزبكيّةُ» في الأَمْساء راقصةٌ=لها غلائلُ من شتّى الرياحين
والنَّوْرُ ذو لحظاتٍ في خمائلها=كأنها لحظات النُّهَّدِ العِين
ما لي وللسَّقْم أخشاه وأسأل عن=طبيبه «وعمادُ الدينِ» يشفيني
لو أنشب الموتُ بي أظفارَه لكفى=بأُمّ كلثومَ أن تشدو فتُحييني
هذا، ومصرُ بساتينٌ مُنمَّقةٌ=«شبابُها» بعضُ أزهارِ البساتين
خاضوا ميادينَ من جِدٍّ ومن لعبٍ=فأحرزوا السبقَ في كلِّ الميادين

****

الكرماوي
04-04-2007, 08:29 PM
الأرض تشتريكم من الضيم

البحر الخفيف




حبّذا لو يصوم منا زعيمٌ=مثلُ «غَنْدي» عسى يُفيدُ صيامُهْ
لا يَصُمْ عن طعامه.. في فِلَسْطيـ=ـنَ ، يموت الزعيمُ لولا طعامه
ليصمْ عن مبيعه الأرضَ يحفظْ =بقعةً تستريحُ فيها عظامه
باركَ اللهُ في حريصٍ على الأرْ=ضِ، غيورٍ يُنهَى إليها اهتمامه
هم حماةُ البلادِ من كلّ سوءٍ=وهُمُ معقلُ الحمى ودِعامه
نهجوا منهجَ القويِّ وصَفّوا=لجهادٍ منصورةٌ أعلامُه
إنما عدّةُ الضعيفِ «احتجاجٌ» =لم يجاوز حدَّ السطورِ احتدامه
كلَّ يومٍ حزبٌ وحُلْم فحدِّثْ=عن ضعيفٍ سلاحُهُ أحــلامُه
مُغرَمٌ بالبلاد صَبٌّ ولكنْ=بسوى القولِ لا يفيضُ غرامـه
بطلٌ إنْ علا المنابرَ، كَرّا=رٌ، سريعٌ عند الفَعالِ انهزامـه!
آزِروا القائمين بالعمل الصّا=لحِ، إن الأبيَّ هذا مقامـه
آزروهم بالمال فالأرضُ «صُنْدو=قٌ» لمالكم، بل قِوامه
اشتروا الأرضَ تَشْتريكم من الضَّيْـ=ـمِ، وآتٍ مُسْوَدَّةٌ أيّامـه


**********


يا رجال البلاد

بحر الخفيف




لا تبالي بألف خطبٍ عراها=نفسُ حُرٍّ مفجوعةٍ بحماها
شفَّها الغيظُ والأسى وتراها=كظمتْ غيظَها، وأخفتْ أساها
كلّما أوشكتْ تسيلُ دموعي=ملك اليأسُ غربَها فثناها
لا تلمني، فكم رأيتُ دموعا=ً كاذباتٍ ضحكتُ ممّن بكاها
قد سقى الأرضَ بائعوها بكاءً=لعنتْهم سهولُها ورُباها
وطني مُبْتلىً بعصبة «دَلاّ=لينَ»، لا يتّقون فيـه اللّهَ
في ثيابٍ تُريكَ عِزّاً ولكنْ=حَشْوُها الذلُّ والرياءُ سَداها
ووجوهٍ صفيقةٍ ليس تَندى=بجلودٍ مدبوغةٍ تغشاها
وصدورٍ كأنهنَّ قبورٌ=مظلماتٌ قلوبُهم موتاها
حُسِبوا في الرجال، هل كانتِ الأَنْـ=ـعامُ إلا لمثلهم أشـباها..؟
يا رجالَ البلادِ يا قادةَ الأُمْـ =مَةِ، ماذا دهاكُمُ ودهاها.؟
هل لديكم سياسةٌ غيرُ هذا الْـ=ـقَوْلِ، يُحيي من النفوس قُواها ؟
صكّتِ الألسنُ المسامعَ حتى=لقيتْ من ضجيجكم ما كفاها
عرف الناسُ والمنابرُ والأقْـ=ـلامُ أفضالَـكم فهاتوا سواها
كلُّكم بارعٌ بليغٌ - بحمد الْـ=ــلهِ، طَبٌّ بحالنا ودَواها
غيرَ أن المريض يرقبُ منكم=هذه الجرعةَ التي لا يراها
كان أولى بكم لَوَ انّ مع القَوْ=لِ فَعالاً محمودةً عُقباها
مَثَلُ القولِ لا يؤيّده الفِعْـ=ـلُ، أزاهيرُ لا يفوحُ شذاها
وَهْو كالدوحة العقيمِ: ظلالٌ=واخضرارٌ ولا يُرجّى جَناها
رحم اللهُ مُخلِصاً لبلادٍ=ساوموه الدنيا بها فأباها
لو أتَوْهُ بالتِّبْر وزنَ ثراها=لأباهُ وقال أفدي ثراها
انفروا أيها النيامُ فهذا:=يومَ لا ينفعُ العيونَ كراها
كُشِفتْ منكمُ المقاتلُ وامتَد=ْ دَتْ إليها المثقّفاتُ قناها
نَبّئوني عنِ القويّ متى كا=نَ رحيماً، هيهات من عَزَّ تاها
لا يلينُ القويُّ حتى يُلاقي=مثلَهُ عزَّةً وبطشاً وجاها
لا سمتْ أمّةٌ دهتْها خطوبٌ=أرهقتْها ولا يثورُ فتاها




الشهيد


مجزوء الخفيف



عبس الخطبُ فابتسمْ=وطغى الهولُ فاقتحمْ
رابطَ الجأشِ والنُّهى=ثابتَ القلبِ والقدم
لم يُبالِ الأذى ولم=يَثْنِه طارئُ الألم
نفسُه طوْعُ همّةٍ=وجمتْ دونها الهِمم
تلتقي في مزاجها=بالأعاصير والحُمم
تجمعُ الهائجَ الخِضَمْ=مَ إلى الراسخ الأشم
وَهْي من عنصر الفدا=ءِ، ومن جوهر الكرم
ومن الحقِّ جذوةٌ=لفحُها حرَّرَ الأُمم
سارَ في منهج العُلا=يطرُقُ الخُلْدَ منزلا
لا يبالي، مُكبَّلا ناله أمْ مُجَدَّلا=فَهْو رهنٌ بما عزم
ربّما غاله الرَّدى=وَهْو بالسجن مُرتهَن
لم يُشيَّعْ بدمعةٍ=من حبيبٍ ولا سَكَن
رُبّما أُدرِجَ التُّرا بَ= سليباً من الكفن
لستَ تدري: بطاحُها=غيّبتْهُ أَمِ القُنن
لا تقلْ أين جسمُهُ=واسمُه في فم الزمن
إنه كوكبُ الهدى=لاح في غيهب المحن
أَرسلَ النورَ في العيو=نِ، فما تعرفُ الوسن
ورمى النارَ في القلو=بِ، فما تعرفُ الضَّغَن
أيُّ وجهٍ تَهلّلا=يَرِدُ الموتَ مُقْبِلا
صعَّد الرُّوحَ مُرسِلا=لحنَه يُنْشِدُ الملا


أنا للّه والوطنْ

الكرماوي
04-04-2007, 08:30 PM
الى الاحرار

البحر البسيط




أحرارَنا! قد كشفتم عن «بطولتكم»=غطاءها يومَ توقيعِ الكفالاتِ
أنتم رجالُ خطاباتٍ مُنمَّقةٍ=كما علمنا، وأبطالُ «احتجاجات»
وقد شبعتم ظهوراً في مُظاهرةٍ=«مشروعةٍ» وسكرتم بالهتافات
ولو أصيب بجرحٍ بعضُكم خطأً =فيها، إذًا لرتعتم بالحفاوات
بل حكمةُ اللهِ كانت في سلامتكم =لأنكم غيرُ أهلٍ للشهادات
أضحتْ فلسطينُ من غيظٍ تصيح بكم:=خَلُّوا الطريقَ فلستم من رجالاتي
ذاك السجينُ الذي أغلى كرامتَهُ=فداؤه كلُّ طُلاّبِ الزعامات
للخاملين نباهةٌ=فيها وللأغمار ذِكر
هذا يُقال له الزَّعِيـ =ـمُ.. كما يقال لذاكَ حُرّ
وهناك سِمسارُ البِلا=دِ، فإنه الشهمُ الأغرّ
فالمدحُ مثلُ القَدْحِ تَضْـ =ـمَنهُ لهم خُضْرٌ وحُمْر
تلك الصحافةُ «كيميا=ءُ»، لها بخلق اللهِ سِرّ
تَدَعُ الكرامةَ وَهْي هَزْ=لٌ، والمروءةُ وهْي سُخْر
أين الصحافيُّ الصَّريـ=حُ، تراهُ يُعلن ما يُسِرّ؟
صُلْبٌ فلا قُربى تَميـ=ـلُ به، ولا مالٌ يَغرّ
منذ احتلالِ الغاصبيـ=ـنَ، ونحن نبحث في السياسه
شأنُ الضميرِ مع السِّيا=سَةِ، كالرقيق مع النخاسه
مَرّتْ علينا ستَّ عَشْـ=ـرَةَ، كُنَّ مجلبةَ التعاسه
فإلى متى يا ابنَ البِلا=دِ، وأنتَ تُؤخَذ بالحماسه؟
وإلى متى «زعماءُ» قَو=ْ مِكَ يخلبونكَ بالكياسه؟
ولكم أحطنا خائناً=منهم بهالات القداسه
ولكم أضاع حقوقَنا الرْ=ـرَجلُ الموكَّل بالحِراسه
واللهِ ليس هناك إلْـ=ـلا كلُّ قنّاصِ الرئاسه
تأتيهِ من بيعِ البلا=دِ، وما إليه من الخساسه
و إذا اتّقاكَ «فبالجَّرا=ئدِ»، والنجاسةُ للنجاسه




***********



ياقوم

مجزوء الكامل




هزلتْ قضيّتُكم فلا=لحمٌ هناك ولا دمُ
حتّى العظامُ فقد تَعرْ=رَ قَها الذئابُ وأُتْخِموا
بَليتْ قضيّتُـكم فصا=رَتْ هيكلاً يتهدَّم
ضمرتْ إلى «بلديّةٍ»=فيها العِدا تَـتحكَّم
أوضاعُها مجهولةٌ=ومصيرها لا يُعلَم
يا قومُ ليس عدوُّكم=ْ مِمّن يلين ويرحم
يا قومُ ليس أمامكم=إلا الجلاءُ فحزِّموا




**************


الإيمان الوطني أو جماعة (السار)

البحر الخفيف




ليت لي من جماعةِ «السَّارِ» قوماً=يتفانَوْن في خلاص البلادِ
أو كإيمانهم رسوخاً وعمقا=ً ثابتَ الأصلِ في قرار الفؤاد
مِثلُ هذا الإيمانِ يضمنُ للأوْ=طانِ عزّاً، ومثلُ هذا التفادي
لا كإيمان من ترى في فلسطيـ=ـنَ، قصيرَ المدى، كليلَ الزناد
يتداعى إذا تَسلّط وَعْدٌ=أو وعيدٌ عليه عند العوادي
أو قُطوبٌ.. تخيب منه المساعي،=وابتسامٌ... تذوب فيه المبادي
لا تلمني إن لم أجد من وميضٍ=لرجاءٍ ما بين هذا السواد

الكرماوي
04-04-2007, 08:30 PM
الشيخ المظفر


بحر الكامل




انظرْ لما فعل «المظفَّرُ» إنّهُ =نفعَ القضيّةَ غائباً لم يحضرِ
أحيا القلوبَ، ودونهنَّ ودونَهُ=غرفُ الحديدِ، وحامياتُ العسكر
عرضوا الكفالةَ والكرامة عندهُ=عبثاً، وهل عَرَضٌ يقاس بجوهر؟
ورأى التحيُّرَ في التخيُّر سُبّةً=ففدى كرامتَه «بستّةِ أشهر»
لم يخلُ ميدانُ الجهادِ بسجنهِ=فلقد رماه بقلبه المتسعِّر
ولكم خلا بوجود جيشٍ زاخرٍ=يمشي إليه بخطوه المتعثِّر
إن «المظفَّرَ» من حديدٍ جسمُهُ=فيما أرى، وجسومُهم من سُكَّر



************



السماسرة

البحر الكامل




أمّا سماسرةُ البلادِ فعصبةٌ=عارٌ على أهل البلادِ بقاؤها
إبليسُ أعلن صاغراً إفلاسَهُ=لما تحقَّق عنده إغراؤها
يتنعّمون مُكرَّمين، كأنّمـا=لنعيمهم عمَّ البلادَ شقاؤها
همْ أهـلُ نجدتها، وإنْ أنكرتَهم=وهُمو، وأنفُكَ راغمٌ، زعماؤها
وحماتُها، وبهم يتمّ خرابُها=وعلى يديهمْ بيعُها وشراؤها
ومن العجائب إن كشفتَ قُدورَهم=أنَّ الجرائدَ، بعضَهنَّ، غطاؤها
كيف الخلاصُ إذا النفوسُ تزاحمتْ=أطماعُها، وتدافعتْ أهواؤها ؟




***********


ايها الاقوياء


بحر الخفيف




قد شهدنا لعهدكم «بالعدالهْ»=وختمنا لجندكم بالبسالَهْ
وعرفنا بكم صديقاً وفيّاً=كيف ننسى انتدابَه واحتلاله
وخجلنا من «لطفكم» يومَ قلتم:=وعدُ بلفورَ نافذٌ لا محاله
كلُّ «أفضالكم» على الرأس والعَيْـ=ـنِ، وليستْ في حاجةٍ لدلاله
ولئن ساء حالُنا فكفانا=أنكم عندنا بأحسن حاله
غيرَ أن الطريقَ طالت علينا=وعليكم... فما لنا والإطاله ؟
أجلاءً عن البلاد تُريدو=نَ فنجلو، أم مَحْقَنا والإزاله ؟

الكرماوي
04-04-2007, 08:30 PM
زيادة الطين

البحر البسيط



من كان يُنكر نُوحاً أو سفينتَهُ=فإن نوحاً بأمر اللهِ قد عادا
حلَّ الوبالُ «بعيبالٍ» فمالَ بهِ=يا هيبةَ اللهِ إبراقاً وإرعادا
في جارفٍِ كعجيج البحرِ طاغيةٍ=أمواجُهُ تحمل الأسواقَ أمدادا
ولا تزالُ من الزلزال باقيةٌ=تَذكارُها يُوقد الأكباد إيقادا
منذ احتللتم وشؤْمُ العيشِ يرهقنا =فَقْراً وجَوْراً وإتعاساً وإفسادا
بفضلكم قد طغى طوفانُ «هجرتهم»=وكان وعداً تلقّيناه إيعادا
واليومَ، من شؤمكم، نُبلى بكارثةٍ=هذا هو الطينُ والماءُ الذي زادا




**************



الى ثقيل

البحر الخفيف



أنتَ «كالاحتلال» زَهْواً وكِبْراً=أنتَ «كالانتداب» عُجْباً وتِيها
أنتَ «كالهجرة» التي فرضوها=ليس من حيلةٍ لقومكَ فيها
أنتَ أنكى من «بائع الأرضِ» عندي=أنتَ «أعذارُه» التي يدّعيها
لكَ وجهٌ كأنه وجهُ «سِمْسا=رٍ»، على شرط أن يكونَ وجيها
وجبينٌ مثلُ «الجريدةِ» لـمّا=لم تجد كاتباً عفيفاً نزيها
وحديثٌ فيه ابتذالُ «احتجاجٍ»=كلّما نَمّقوه عاد كريها
جُمِعتْ فيك «عُصبةٌ» للبلايا=وأرى كلَّ أُمّةٍ تشتكيها




*****************



غايتي

مجزوء الرمل




إن قلبي لبلادي=لا لحزبٍ أو زعيمِ
لم أبعْهُ لشقيقٍ=أو صديقٍ لي حميم
ليس منّي لو أراهُ=مَرّةً غيرَ سليم
ولساني كفؤادي=نِيطَ منه بالصميم
وغدي يُشبه يومي=وحديثي كقديمي
لم أهبْ غيظَ كريمٍ=لا ولا كيدَ لئيم
غايتي خدمةُ قومي=بشقائي أو نعيمي



*************


مناهج

البحر الوافر




أمامَكَ أيها العربيُّ يومٌ=تشيبُ لهوله سُودُ النواصي
وأنتَ، كما عهدتُـكَ، لا تبالي=بغير مظاهرِ العبثِ الرخاصِ
مصيرُك َبات يلمِسُه الأداني=وسار حديثُهُ بين الأقاصي
فلا رحْبُ القصورِ غداً بباقٍ=لساكنها ولا ضيقُ الخصاص
لنا خصمانِ: ذو حَوْلٍ وطَوْلٍ=وآخرُ ذو احتيالٍ واقتناص
تواصَوْا بينهم فأتى وبالاً=وإذلالاً لنا ذاك التواصي
مناهجُ للإبادة واضحاتٌ=وبالحسنى تُنفَّذُ والرصاص



************



انتم

البحر الخفيف



أنتمُ«المخلصون» للوطنيّهْ=أنتمُ الحاملون عبءَ القضيّهْ!
أنتمُ العاملون من غير قولٍ=باركَ اللهُ في الزنود القويّه
«وبيانٌ» منكم يعادل جيشاً=بمُعدّاتِ زحفه الحربيّه
«واجتماعٌ» منكم يردّ علينا=غابرَ المجدِ من فتوح أميّه
وخَلاصُ البلادِ صار على البا=بِ، وجاءت أعيادُه الورديّه
ما جحدنا «أفضالَكم»، غيرَ أنَّا =لم تزل في نفوسنا أُمنيَّه
في يَدَيْنا بقيّةٌ من بلادٍ=فاستريحوا كي لا تطيرَ البقيّه

الكرماوي
04-04-2007, 08:31 PM
الألف

بحر الطويل




أرى عدداً في الشؤم لا كثلاثةٍ=وعَشْرٍ، ولكن فاقه في المصائبِ
هو «الألفُ» لم تعرف فلسطينُ ضربةً=أشدَّ وأنكى منه يوماً لضارب
يُهاجر ألفٌ.. ثم ألفٌ مُهرَّباً=ويدخل ألفٌ سائحاً، غيرَ آيب
وألفُ «جوازٍ»، ثم ألفُ وسيلةٍ =لتسهيل ما يلقَوْنه من مصاعب
وفي البحر آلافٌ.. كأنّ عبابَهُ=وأمواجَه مشحونةٌ في المراكب
بني وطني، هل يقظةٌ بعد رقدةٍ ؟=وهل من شعاعٍ بين تلك الغياهب ؟
فو اللهِ ما أدري، ولليأس هَبّةٌ=أُنادي «أميناً» أم أُهيب «براغب»



**********


لمن الربيع ؟

مجزوء الكامل



أرأيتَ مملكةَ الرَّبيـ=ـعِ، يُعيدُ رونقَها الربيعُ ؟
وُيَتوَّج الراعي بها=مَلِكاً رعيَّتُه القطيع
الذئبُ يَرهبُه ويَلْـ=ـثمُ كفَّه الحَمَلُ الوديع
«آذارُ» في رحب الفضا=ءِ سفيرُ دولتِه الرفيع
هاتيك ألوانٌ تشعْ=عُ، وتلك ألحانٌ تَشيع
لمن الربيعُ وطيبهِ=وهواه والزهرُ البديع؟
فَرَحُ الربيعِ لمنْ له=أرضٌ، وليس لمن يبيع




*****************



ياحسرتا


البحر الكامل





يا حسرتا، ماذا دهى أهلَ الحِمى ؟=فالعيشُ ذلٌّ، والمصيرُ بوارُ
أرأيتَ أيَّ كرامةٍ كانت لهمْ=واليومَ كيف إلى الإهانة صاروا ؟
سَهُـلَ الهوانُ على النفوس فلم يعدْ=للجرح من ألمٍ... وخفَّ العار
همدتْ عزائمُهم، فلو شبّتْ لظىً =لتُثيرها فيهم، فليس تُثار
الظالمُ الباغي يسوس أمورَهم=واللصُّ والجاسوسُ والسمسار
يا من تَعلَّلَ بالسياسة ظنَّها لَطُفتْ ولان عَصيُّها الجبّار
ما لطفُها؟ ما اللينُ ذاك؟ وكلُّهم مستعمرون، وكلُّه استعمار




****************


نعمة

البحر الطويل




يقولون في بيروتَ: أنتم بنعمةٍ=تبيعونهم تُرْباً، فيُعطونكم تِبْرا
شقيقتَنا مهلاً! متى كان نعمةً=هلاكُ أُلوفِ الناسِ في واحدٍ أثرى ؟
وباذلُ هذا المالِ يعلم أنَّهُ=يُسلِّم باليُمنى إلى يده اليُسرى
على أنها أوطاننا.. ما كنوزُهم=وأموالُهم حتى تُساوَى بها قَدْرا ؟
ولو كان قومي أهلَ بأسٍ ونخوةٍ=إذن أصبحتْ للطامعين بها قبرا
ولكنهم قد آثروا السهلَ مركباً=تُسيِّره الأهواءُ واجتنبوا الوعرا
وما حسرتي إلاّ على مُتعفِّفٍ=يقومُ «لوجه اللهِ» بالنهضة الكبرى

الكرماوي
04-04-2007, 08:31 PM
ايتها الحكومة

بحر المتقارب



علامَ احتراسُكِ؟ لا أعلمُ=وفيمَ احتشادُكِ؟ لا أفهمُ
وهل في فلسطينَ ما ترهبينَ=سوى أنه اجتمعَ الموسم ؟
جوادٌ براكبه عاثرٌ=وأين له الفارس المُعْلَم؟
وسيفٌ بحامله ساخرٌ=وأين له الكفُّ والـمِعْصم ؟
وهذا بتهديده يدَّعي=وذاك بتنديده يزعم
معازيلُ إلا من العنعناتِ=مشاغيلُ عن كلّ ما يُكرِم
مظاهرُ، ليس بها ما يُخيفُ=ولكنّما خاف من يَظلِم



*********



القدس

البحر البسيط



دارَ الزعامةِ والأحزاب كان لنا=قضيّةٌ فيكِ، ضيّعنا أمانيها
هل تذكرين وقد جاءتكِ ناشئةً=غنيّةً، دونها الأرواحُ تفديها ؟
تَودّ لو وجدتْ يوماً أخا ثقةٍ=لديكِ يُوسعُها بِرّاً ويحميها
ما كان كُفؤاً عفيفَ النفسِ كافلُها=ولا أبيّاً حميَّ الأنفِ راعيها
ولا أفادت سوى الأحقادِ تُضرمها=فوق البلادِ «زعاماتٌ» وتُذكيها
ولم تُبالِ بما تُلقي لها حطباً=ولا بأيّ كرامِ الناس ترميها
قضيّةٌ نبذوها بعدما قُتِلتْ=ما ضرَّ لو فتحوا قبراً يواريها


*************


شريعة الاستقلال

البحر الكامل




يومٌ بداجية الزمانِ ضياءُ=وبهاؤه للخافقَيْن بهاءُ
يُزجي النسيمَ به هجيرٌ لافحٌ=عَجباً!! وتبسط ظلَّه الصحراء
ويرفُّ من شظف المعيشةِ لينُها=ويسيل من وهج السرابِ الماء
وإذا الرشادُ من الضلالة والعَمى=ومن الشِّقاق تآلفٌ وإخاء
وإذا من الفوضى نظامٌ مُعجِزٌ=وقيادةٌ وسيادة ودهاء
وإذا الخيامُ قصورُ أملاكِ الورى=وإذا القفارُ دمشقُ والزوراء
وعلى ربوع الصين كبَّر فيلقٌ=وبأرض قسطنطينَ رفَّ لواء
تلك الخوارقُ إن طلبتَ أدلّةً=ثبتَ البُراقُ بهنَّ والإسراء
نزل الكتابُ على النبيّ محمدٍ=ما يصنع الخطباءُ والشعراء ؟!
لو لم يكن وحيَ السماءِ ونورَهُ=لمحتْه عارضةٌ له وذكاء
سَحَرَ القلوبَ فراح يقذفها على=نارِ الجهادِ أولئك البسلاء
هيهات ما نكصوا على أعقابهم =حتى انجلتْ عنهم وهم شهداء
حرّيةٌ آيُ الكتابِ وسؤددٌ=وعزيمةٌ وكرامة وإباء
ناديتُ قومي لا أُخصّصُ مسلماً=أبناءُ يعربَ في الخطوب سواءُ
إن الكتابَ شريعةُ استقلالكم=فتَدبّروه وأنتُمُ الخلفاء



**************



قصيدة بلاعنوان

بحر الطويل




سمعتُ بأبياتٍ لكوهينَ ملؤها=أكاذيبُ، من سيف الحقيقةِ تُصرَعُ
يقول لإسرائيلَ كانت بلادكم=فروحوا ارحلوا عنها ليدخلَ «يوشع»
أحقٌّ لإسرائيلَ ما تسلبونهُ؟=خسئتم فحقُّ العُرْبِ أقوى وأنصع
فلسطينُ يا مهدَ الدياناتِ، ما الذي=أصابكِ؟ قُولي: ما لعينكِ تدمع ؟
أجيبي لماذا أنتِ واجمةٌ أسىً؟=وقُولي: لِمَ الإضرابُ؟ هل هو ينفعُ ؟
بلى إنه واللهِ قد يكشف البَلا=فتلتفت الدنيا إليها فتسمع
يجيء غريبُ الدارِ، يطرد أهلَها=ويلعب فيها كيف شاء ويرتع
ويدخل «شرعيّاً» ويأتي «مُهرَّباً»=وما معه إلاّ السلاحُ المفرقع
هُمُ النكبُة الكبرى على كلّ كائنٍ=هُمُ الخطرُ المنصبُّ والشرُّ أجمع
يقول هنا الفلاّح، وَهْو مُشرَّدٌ =على الأرض، «قولوا: كيف أعنو وأخضع؟
إذا كان حقّي عند «كوهينَ» ضائعاً=فحقّي لدى «جُونْ بولَ» يا قومُ أضيع
سنُضْرِب حتى نستردَّ حقوقَنا=وما شئتمو بالـمُضْرِبين هنا اصنعوا»



************



قصيدة بلا عنوان

البحر البسيط



قُم للجهاد ونبّهْ راقدَ الهممِ=وسيّرِ الجيشَ تُرهِبْ عُصبةَ الأممِ(*)
أعصبةٌ تتولّى الأمرَ في زمنٍ=أصبحتَ فيه رئيسَ العُرْب والعجم
اللهُ أكبرُ هذا لا يُطاق ولا=يرضاه إلا مليكٌ غيرُ مُحترَم
وأنتَ أعلى مقاماً أن تنام على =ضيمٍ وحولكَ هذا الشعبُ لم ينم
عجبتُ من عصبةٍ قامت وما طلبتْ=إذناً، ولو شئتَ لم تُوجد ولَم تَـقُم
تَدبَّرِ الحكمَ لا تخشَ عواقبَهُ=بدون رأيِ الرئيسِ الفرد والحكم
التفتزانيّةُ الغرّاءُ غاضبةٌ=حقوقُها بين مغصوبٍ ومُهتضَم
قامت فذلّلتِ التيجانَ قاطبةً=وصيّرتْ دولَ الدنيا من الخدم
مستعمراتٌ لها في الكون عامرةٌ=فازت بها عنوةً بالسيف والقلم
نبتونُ والمشتري في كفّها كرةٌ =وهذه الأرضُ والمِرّيخ كاللُّقَم
فكيف نُغضي ونرضى عن إهانتها=فلنُعلنِ الحربَ شعواءً وننتقم
لا يسلم الـمُلْكُ في أيدي العدوِّ إذا=لم نُعمدِ المرهفاتِ البيض في القمم
ولا يدوم لنا ملكٌ نُعزّزهُ=ما لم نُخضِّب ديارَ المعُتدي بدم
فسارعوا لجهادٍ أو يحلَّ بنا=ما حلّ بالـمُلْكِ من عادٍ ومن إرم
أميرةُ الحجِّ ما أحلى ملابسَها=براقةً تشغل العينين في الظُّلَمِ
ألوانُها فتحتْ غصباً مَنافسَنا=وأنعشتْ كلَّ ذي همٍّ وذي سقم
فلستَ تنظر في أثناء طلعتها=إلا عيوناً تُجاريها بلا سأم
انظرْ تجدْ كم مُحبٍّ في الطريق وكم=شخصٍ على الباب والطاقات مُزدحِم
تمرّ مثلَ غزالِ الرمل نافرةً=وجهٌ عبوسٌ وثغرٌ غيرُ مبتسم
للعين منها نعيمٌ غيرُ منقطعٍ=وللفؤاد جحيمٌ جِدُّ مُضطرِم
لا سيّما شَعرها لما تُـرفّعهُ=بمشطها أو بأطرافٍ من الضّمم
وتَلفت الجِيدَ دفعاً كي تُرفّعَهُ=فيخفق القلبُ مذعوراً من الألم
مولايَ لا زلتَ في عزٍّ ومكرمةٍ =ماذا يقولون عن شَعبٍ بلا علم؟
والأمرُ أمرُكَ لكنْ جئتُ مقترحاً =فاسمعْ وسمعُكَ قولي أكبرُ النعم
اجعلْ لنا عَلَماً يحكي ملابسَها=واجعلْه ذا طَرَفٍ كالسنّ مُنثلِم

الكرماوي
04-04-2007, 08:31 PM
أحبُّكَ يا هذا الوطن ... سِرُّنا فيه سواءٌ والعلنْ

الأناشيد



نشيد بطل الريف

مشطور المتدارك



في ثنايا العجاجْ=والتحامِ السيوفْ
بينما الجوُّ داجْ=والمنايا تطوف
يتهادى نسيمْ=فيه أزكى سلامْ
نحو «عبد الكريمْ»=الأميرِ الهمام


ريفُنا غابُنا نحن فيه الأسودْ ريفُنا نحميه


****



كلُّنا يُعجبُ=بفتى المغربِ
كلُّنا يُطَْرَبُ=لانتصار الأبي
أين جيشُ العِدا=إن دعا للجهادْ؟
أصبحوا أعبُدا=بالسيوف الحِداد


ريفُنا غابُنا نحن فيه الأسودْ ريفُنا نحميه


****



طالما استعبدوا=وأذلّوا الرقابْ
أيها الأيِّدُ=جاء يومُ الحساب
فليذوقوا الزُّعافْ=بالظُّبا والأَسَلْ
ولْنُعَلِّ الهتافْ=للأمير البطل


ريفُنا غابُنا نحن فيه الأسودْ ريفُنا نحميه



..



في أحد أيام الشتاء من عام 1924 اجتمع إبراهيم طوقان وعبدالرحيم قليلات ومحمد فليفل في مقهى الكاريون.. (بيروت).. كانت البلاد العربية تعصف يومذاك بأخبار انتصارات العرب في شمال إفريقية.. وخطر لإبراهيم.. أن يضع نشيداً لهذه الثورة.. فكان هذا النشيد الذي وضعه إبراهيم في تلك الجلسة التاريخية،.. واستطاع.. الأستاذ محمد فليفل.. أن يضع لحناً قوياً... في تلك الجلسة» من كتاب: «شاعران معاصران» ص 122-123.
- المصدر: ط. دار الشرق الجديد (1924(
عبدالكريم الخطابي (1882- 1963) ولد بقرية أغادير، تخرج في جامعة القرويين، وعمل بالتدريس فيها، ثم عين قاضياً للقضاة بمليلة. قاد الثورة في الريف المغربي ضد المحتل الإسباني، ثم قبض عليه ونفي، واستطاع الهرب من السفينة عند مرورها في قناة السويس، وأمضى بقية حياته في مصر.

الكرماوي
04-04-2007, 08:31 PM
وداع

بحر الرمل





لا تقلْ للّه لبنانُ الأشمْ
لا تقل أشتاق ألحانَ الخِضمْ
عشْ كما أهواكَ مكفوفاً أصـــمْ
يا فؤادي واسْلُ أيامَ الهـوى
هل رأيتَ الروضَ أيّامَ الخريفْ
ذابلَ الأزهارِ مسلوبَ الحفيف
متواري الحسنِ في الغيم الكثيف؟
يا فؤادي، أينَ أيّامُ الهـوى ؟!
هل رأيتَ الطيرَ في الروض يدورْ
هائماً يبحث عن عهدِ السرور
مُرغَماً ينساق والريحُ تثـــور؟
يا فؤادي،أينَ أيّامُ الهــوى ؟!
لا تسلْني يا فؤادي عن هناءْ
لكَ في الروض وفي الطير عزاء
إنّما العمرُ نعيمٌ وشــقــاء
يا فؤادي، وهنا ضلَّ الهوى !




**************


نظمها قبيل سفر الصديق الشيخ سعيد تقي الدين مهاجراً إلى جزائر الفلبين سنة 1926 (أحمد طوقان). وقد غنى هذا النشيد أحمد التنير. (سعيد تقي الدين: - 1900 - 1960م - كاتب قصصي لبناني، ولد في بعقلين، تخرج في الجامعة الأميركية ببيروت، هاجر إلى الفلبين وعاد إلى لبنان عام 1948، ثم هاجر إلى أمريكا الجنوبية وتوفي هناك).
- المصدر: ط. دار الشرق الجديد (1926).



***************************************



فتية المغرب

بحر الرمل


فتيةَ المغربِ هيَّا للجهادْ=نحن أَوْلى الناسِ بالأندلسِ
نحن أبطالُ فتاها «ابنِ زيادْ»=ولها نُرخص غالي الأنفس
قفْ على الشاطئ وانظرْ هل ترى=لهبَ النارِ وآثارَ السفينْ
يومَ لا «طارقُ» عاد القهقرى=لا، ولا آباؤنا أُسْدُ العرين
يومَ لا عزمُ الجبالِ الراسياتْ=مُشبهٌ عزمَ شبابِ المغربِ
لا ولا همّةُ بحرِ الظلماتْ=أشبهتْ همّةَ جيشِ العرب
يا فتى المغربِ سلها من بنى=دارَها الحمراءَ تسمعْ عَجَبا
فأعِدْها لذويها وطنا=تحسدُ الدنيا عليه العربا
نحن أهلوها وإنْ هبّتْ صَبا=من رُباها فعلينا أَوَّلا
جَنَّةُ الفردوسِ هاتيكَ الرُّبا=كيف تبقى لسوانا نُزُلا ؟

****



نظمه استجابة لطلب نفر من شبان مراكش الإسبانية كانوا يومذاك يتلقون العلم في مدرسة النجاح بنابلس» من كتاب: «شاعران معاصران»

الكرماوي
04-04-2007, 08:32 PM
.نشيـــد البراق لحن بدوي

مجزوء الرجز



لنا البُراقُ والحرمْ=لنا الحِمى، لنا العلمْ
أرواحُنا، أموالنا=فِدى البراق والحرم
نحن الشبابُ المسلمُ=واللهِ لا نُسلّمُ
نموت أو نُكرّم فِدى=البراقِ والحرمْ
دمُ العربيِّ إنْ أبى=يجري على حدّ الظُّبا
وحقُّنا أنْ نغضبا=فِدى البراق والحرمْ
شبابَنا أهلَ الوَفا=اَلعارُ أنْ نُوقِّفا
سِيروا بحقّ المصطفى=فِدى البراق والحرمْ
لا تسمعوا كِذْبَ الوعودْ=أعداؤنا خانوا العهودْ
دُوسوا على رُوس اليهود=فِدى البراق والحرم
شبابَنا سُدّوا الصفوفْ=قُوموا عليهم بالأُلوفْ
اللهُ ما أحلى الحتوفْ=فِدى البراقِ والحرم



***************


وطني انت لي

بحر المتدارك




وطني أنتَ لي والخصمُ راغمٌ=وطني أنتَ كلُّ المنى
وطني إنني إن تسلمْ سالمٌ=وبكَ العزُّ لي والهنا
يا شبابَنا انهضوا=آنَ أنْ ننهضا
ولْنُعلِّ الوطنْ=فلَنِعْمَ الوطنْ
وانهضوا وارفعوا=عاليا مجدَكم خالداً ساميا
وطني مجدُه في الكون أوحدُ =وطني صافح الكوكبا
وطني حسنُه في الكون مفرد=ُ جَنّةٌ سهلُه والرُّبا
يا شبابَنا انهضوا=آنَ أنْ ننهضا
ولْنُعلِّ الوطنْ=فلَنِعْمَ الوطنْ
وانهضوا وارفعوا عاليا=مجدَكم خالداً ساميا
وطني حيث لي مُحِبٌّ ينطقُ=بلساني وما أشعرُ
وطني حيث لي فؤادٌ يخفقُ=وبه رايتي تُنْشَر
يا شبابَنا انهضوا=آنَ أنْ ننهضا
ولْنُعلِّ الوطنْ=فلَنِعْمَ الوطنْ
وانهضوا وارفعوا عاليا=مجدَكم خالداً ساميا




*********




نشيد النهضة

بحر الرمل




دينُنا حبُّكَ يا هذا الوطن=ْ سِرُّنا فيه سواءٌ والعلنْ

فاروِ يا تاريخُ واشهدْ يا زمنْ


هل حمى مثلُ فلسطينَ حِمى=مجدُها سُطِّر في لوح السَّما
أيُّ مجدٍ مثله مهما سما=إنه نورٌ يضيء الأنجما
دينُنا حبُّكَ يا هذا الوطن=سرُّنا فيه سواء والعلن

فاروِ يا تاريخُ واشهدْ يا زمنْ

****

حرمٌ طهّره فادي الورى=وإليه المصطفى ليلاً سرى
وكذا البيعة حيث عُمَرا=حبُّنا حبٌّ أبى أن ينكرا
ديننا حبُّكَ يا هذا الوطن=سِرُّنا فيه سواء والعلن


فاروِ يا تاريخُ واشهدْ يا زمنْ


****


ا
لمسيحيُّ أخٌ للمسلمِ=يا فلسطينُ بقلبٍ وفم
فانشري حبَّهما في العلم=رمزُنا عِقْدُ الثريّا في الدم
ديننا حبّكَ يا هذا الوطنْ=سرُّنا فيه سواءٌ والعلن


فاروِ يا تاريخُ واشهدْ يا زمنْ


****



يا فلسطينُ دمي وقفٌ على=أن تفوقي الشمسَ مجداً وعُلا
وعلى العهد بألا أقبلا=بكِ مُلْكَ الأرض طُرّاً بدلا
دينُنا حبُّكَ يا هذا الوطنْ=سرُّنا فيه سواء والعلن



فاروِ يا تاريخُ واشهدْ يا زمنْ



*************


موطني


بحر الرمل



موطني



الجلالُ والجمالُ=والسناءُ والبهاءُ


فـي رُباكْ



والحياةُ والنجاةُ=والهناءُ والرجاءُ


في هواك

هل أراكْ




سالماً منعَّما=وغانماً مكرَّما ؟
هل أراكْ= في علاكْ


تبلغ السِّماكْ


موطني





الشبابُ لن يكلَّ=همُّه أن تستقلَّ


أو يبيدْ




نستقي من الـردى=ولن نكون للعدى


كالعبيد


لا نريدْ




ذلَّنا المؤبَّدا=وعيشَنا المنكَّدا


لا نريدْ



بل نُعيدْ=مجدَنا التليدْ


موطني




الحسامُ واليَراعُ=لا الكلامُ والنزاعُ


رمزُنا



مجدُنا وعهدُنا=وواجبٌ إلى الوَفا


يهزّنا


عزُّنا




غايةٌ تُشرِّفُ=ورايةٌ تُرفرفُ



يا هَناكْ ف عُلاكْ= قاهراًعِداكْ


موطني

الكرماوي
04-04-2007, 11:04 PM
أطلقي ذاك العيارا «في ذكرى وفاة الملك حسين»

«.. وتوكل الشريف على الله، ونهض في صباح اليوم التاسع من شعبان سنة 1334 - 2 حزيران سنة 1916، قبل الفجر وبيده بندقية أطلقها طلقة واحدة كان لدويها صدى في جدة والطائف والمدينة..» (ملوك العرب للريحاني)




أطلقي ذاكَ العِيارا=قَدْكِ ضيماً واصطبارا
يُطلَبُ العزُّ ابتدارا=يُدرَك المجدُ اقتسارا

أطلقي ذاكَ العيارا


حطّمي القيدَ الثقيلا=واركبي الهولَ سبيلا
عاش يا نفسُ ذليلا=بكِ من كان بخيلا

أطلقي ذاكَ العيارا


دبِّري الأمرَ نهارا=واطلبي الحقَّ جِهارا
واهبطي الهيجاءَ دارا=ذلَّ من يُغفِل ثارا

أطلقي ذاك العيارا


يا لأَعناقِ الرجالِ=كيف مالت بالحبالِ
هاكِ أشبالي ومالي=وعتادي للقتال

أطلقي ذاك العيارا


أَعنقتْ تسري انتشارا=فكرةٌ تحملُ نارا
تهبطُ القلبَ قرارا=تُلهبُ الصدرَ استعارا

أطلقي ذاك العيارا


علقتْ ثَمَّ يداهُ=بزنادٍ فطواهُ
أضرم البِيدَ سناهُ=ثم ردَّدنَ صداه

أطلقي ذاك العيارا

(2)


انظري يومَ أغارا=أيَّ أبطالٍ أثارا
أيَّ كاساتٍ أدارا=بين صرعى وسُكارى

أطلقي ذاك العيارا


احشدي البيدَ أُسودا=واملأي الشامَ حقودا
ووعوداً وعهوداً=وبُنوداً وبنودا


أطلقي ذاك العيارا


المنايا تتبارى=والأمانيَّ الكبارا
طَبِّقي الأرضَ انتصارا=واعتزازاً وافتخارا


أطلقي ذاك العيارا



اغدري غدرَ القويِّ=بالحسين بنِ عليِّ
لستِ بالخلِّ الوفيِّ=للحليف العربيِّ


أطلقي ذاك العيارا

****


أمتي قَدْكِ اصطبارا=فاطلبي العزَّ ابتدارا
وخذي المجدَ اقتسارا=هاجني الماضي ادّكارا


أطلقي ذاك العيارا




***************



نشيد رثاء غازي

بحر الرمل





رايةٌ روّعها خطبٌ عراها=خفقتْ والهةً فوق ذُراها
والصَّبا مرَّت بها نائحةً=جَزَعاً تنعي إلى الدنيا فتاها


يا رايتي تَجمّلي وبعد غازي أمّلي واعتصمي بفيصلِ
أمنيّـةَ المستقبلِ

كعهد غازي أشرفي على الحمى ورفرفي منيعةً بفيصلِ
ريحانةَ المستقبلِ


يا سليلَ المرهَفاتِ الباتراتْ=وابنَ راياتِ المعالي الخالداتْ
نَمْ رضيَّ البالِ وانعمْ إنما=عهدُنا عهدُكَ عزمٌ وثبات


نم بالهنا فإنّنا وراء تحقيقِ المنى نبني بهنَّ الوطنا
فيعتلي ويعتلي
ولم نَزَلْ له الفِدا حتى ينال الفرقدا مكرَّماً مخلَّدا
مُؤيَّداً بفيصلِ





****************



أشواق الحجاز
المتقارب - المتدارك




بلادَ الحجاز إليكِ هفا=فؤادي وهامَ بحبّ النبي
ويا حبّذا زمزمٌ والصَّفا=ويا طيبَ ذاك الثرى الطيّب
ذكرى الهادي، والأمجادِ=ملءُ الوادي، والأنجادِ
أثرُ الهممِ، منذ القدمِ=حول الحرمِ، أبداً باد

بلادَ الكرامِ شموسَ الهدى
عليكِ سلامي مَدىً سرمدا



هنيئاً لمن حضر المشهدا=وطاف بكعبة ذاكَ الحرمْ
ومن قَبّلَ الحجرَ الأسودا=وظلّله الركنُ لما استلم
بروحي ربوعُ النبيِّ الأمينْ=وصحبُ النبيِّ هُداةُ الملا
ومشرقُ نورِ الكتابِ المبينْ=عمادِ الحياةِ وركنِ العُلا
ذكرى الهادي والأمجاد=ِ ملءُ الوادي والأنجادِ
أثرُ الهممِ منذ القدمِ =حول الحرمِ أبداً بادِ


بلادَ الكرامِ سموشَ الهدى
عليكِ سلامي مدىً سرمدا



***********



العمل -
بحر الرجز


مجدُ البلادِ بالشباب العاملينْ
والاجتهادِ للعلى نهجٌ مبين
هُبّوا إذنْ واجنوا الثمنْ عزَّ الوطنْ
مدى السنينْ
إنّ العملْ يُحيي الأملْ
سِرُّ الوجودْ فيه نسودْ
في العالمينْ
ما للكسولِ قيمةٌ بين الملا
ولا الخمولِ سُلَّمٌ إلى العلا
إنّ الهممْ تبني الأممْ خيرُ الشيمْ
أن نعملا
إنّ العملْ يُحيي الأملْ
سرُّ الوجودْ فيه نسودْ
في العالمينْ
عزمُ الشبابْ قوّةٌ لا تُغلبُ
ولا يهابْ أيَّ هولٍ يَرْكَب
لا ينثني أو يجتني للوطنْ
ما يطلبُ
إن العملْ يُحيي الأملْ
سرُّ الوجود ْ فيه نسودْ
في العالمينْ



****************



نشيد الربيع -
قد بدا الربيعْ
وصفا الزمانْ
هيّا يا إخوانْ
نجمعُ الأزهارَ والأثمار في الوديانْ
طابتِ النفوسْ
عَمّتِ الأفراحْ
زالتِ الأتراحْ
كلُّ طيرٍ فوق غصنٍ، يُنشد الألحانْ
كلُّ لحنٍ بعد لحنٍ، يبعثُ الأشجانْ
فلتغنِّ أعذبَ الألحانْ
بهجةُ القلوبْ
بلبلٌ شادِ
هامَ بالوادي
ذو حنينٍ - كغريبٍ - حنَّ للأوطانْ
والأغاني كالأماني، تُؤنسُ الولهانْ
يا لهُ من بلبلٍ حيرانْ
ذلك الغديرُ
ماؤهُ صافي
وِردهُ شافي
من أتاهُ - يا هناهُ - ردّه نشوانْ
طاف يجري - بين زهرٍ - ناعسِ الأجفانْ
وتدلّتْ فوقه الأغصانْ.
هيّا يا إخوانْ
إنه الربيعْ
بهجةُ الجميعْ
فاض نوراً وسروراً، فاتنَ الألوانْ
قُمْ لصفوٍ، فُزْ بلهوٍ، واطرحِ الأحزانْ
ولنحيِّ سيّدَ الأزمانْ.
****

الكرماوي
04-04-2007, 11:04 PM
وما قهر الموتَ سوى امرىءٍ ... يخلّف بين الناس ذكراً مُخَلَّدا


شعر الرثاء



كارثة نابلس -
بحر الخفيف




أدموعُ النساءِ والأطفالِ=تجرح القلبَ أم دموعُ الرجالِ ؟
بلدٌ كان آمناً مطمئِنّاً=فرماه القضاءُ بالزلزال
هِزَّةٌ، إثْرَ هزَّةٍ تركتْهُ=طَلَلاً دارساً من الأطلال
مادتِ الأرضُ ثم شبَّتْ وألقتْ=ما على ظهرها من الأثقال
فتهاوت ذاتَ اليمينِ ديارٌ=لفظتْ أهلَها، وذاتَ الشمال
بعجاجٍ تثيره تركَ الدُّنْـ=ـيا ظلاماً، وشمسُها في الزوال
فإذا الدورُ وَهْي إمَّا قبورٌ=تحتها أهلُها، وإمَّا خوال
وأرقُّ النسيمِ لو مرَّ بالقا=ئمِ منها لدكَّه، فَهْو بال
لا تقفْ سائلاً بنابُلُسَ الثَّكْـ=ـلى، فما عندها مجيبُ سؤال
أرأيتَ الطيورَ تنفر ذعراً=من خِفافٍ عن سَرْحها وثِقال
هكذا نُفِّرتْ عن الدورِ أهلٌ=عَمَروها، إلى كهوف الجبال
أرسومٌ؟ وكنَّ قبلُ صُروحاً=كلُّ صَرْحٍ عاتٍ على الدهر عال
فالتحفنا السماءَ بعد سُتورٍ=وشُفوفٍ مُذالةٍ وحِجال
وليالي الأعراس يا لَهْفَ قلبي=عطَّلتْها تقلُّباتُ الليالي
أضحكَ الدهرُ يا ابنَ ودّي وأبكى=يومَ لم يخطرِ الأسى في بال
رُبّ وادٍ كأنّه النَّهَرُ الأَخْـ=ـضَرُ، يختال في بُرودِ الجَمال
خطراتُ النسيمِ ذاتُ اعتلالٍ=فيه والدّوحُ مائسٌ باختيال
غشيتْهُ الطيورُ مختلفاتٍ=رائعاتِ الألوانِ والأشكال
صادحاتٍ على أرائكَ في الأيْـ=ـكِ، يصلنَ الغُدوَّ بالآصال
نَغَماتٌ أرسلنَها ذاتُ تَسْجيـ=ـعٍ وكَرٍّ في اللحن واسترسال
يا طيورَ الوادي غليلُ فؤادي=كان يشفيه بَرْدُ تلك الظلال
يا طيورَ الوادي رزايا بلادي=مزَجَتْ لي الغناءَ بالإعوال
كان واديكِ للسرور مآلاً=فغدا بالثبور شرَّ مآل
كان «عيبالُ» من صدى الأُنسِ يهتزْ=زُ، فماذا سمعتِ في عيبال ؟
كان «جرزيمُ» مَنْزهاً والغواني=في ظلالٍ منه وماءٍ زُلالِ
أدموعٌ عيونُه؟ أصَباهُ=زفراتُ الإرمالِ والإثكال ؟
يا يدَ الموتِ ما عهدتُ أُلوفاً=منكِ هُوجاً تمتدّ للإغتيال
طغتِ الحربُ خمسةً ما دهتْنا=كثوانٍ مَرَّتْ بغير قتال
ووجوهُ المنونِ شتّى، فبانت=كلُّها عند هذه الأهوال
من وحيدٍ لأمِّه وأبيهِ=جمعوه مُفَرَّقَ الأوصال
ومُكِبٍّ على بنيه بوجهٍ خلط=الدمعَ بالثرى المنهال
وفتاةٍ لاذتْ بحِقْوَيْ أبيها=جَزَعاً، وَهْو ضارعٌ بابتهال
وحريضٍ رأى ابنَه يُسلِم الرُّو=حَ قريباً منه بعيدَ المنال
ومريضٍ وعُوَّدٍ صُرَّخِ الـمَوْ=تِ، وكانوا يدعُون بالإبلال
خُسِفَ البيتُ بالمريض، ومن عا=دَ، وبالمحصَنات والأطفال
قد رأينا في لحظةٍ وسمعنا=كيف تلهو المنونُ بالآجال
ههنا نِسْوةٌ جياعٌ بلا مأ=وىً، سترنَ الجسومَ بالأسمال
ههنا أسرةٌ تُهاجر والغَمْ=مُ بديلُ الأثاثِ فوق الرحال
ههنا مُبتلىً بفقد ذويهِ=ههنا مُعْدِمٌ كثير العِيال
ملأ الحزنُ كلَّ قلبٍ وأودتْ=ريحُ يأسٍ بنضرة الآمال
دخلاءَ البلادِ، إنَّ فلسطيـ=ـنَ لأَرضٌ كنوزُها من نكال
تِبْرُها صفرةُ الردى فخُذوهُ=عن بنيها، وآذِنوا بارتحال
رَبِّ لُطْفاً ! فقد أتانا نذيرٌ=بوباءٍ من بعد هذا الوبال
وجرادٌ، وكلُّ آتٍ قريبٌ،=أَوَ بَعْدَ الأمحال من إمحال ؟
رَبِّ إن الكروبَ تَـترى علينا=حسبُنا كَرْبُ هجرةٍ واحتلال


****


سرّ الخلود
بحر الكامل


لي بالحياة تَعلُّقٌ وتَشدُّدُ=والعمرُ ما بعد المدى فيسنفَدُ
نَفَسٌ أُردّده وأعلم أنّهُ=لِلموتِ بين جوانحي يتردّد
ويَلُمُّ بي ألمٌ أُخاتله بما=يصف الطبيبُ فيستكين ويخمد
ويسرّني أنّي نجوتُ من الأذى=ويلي كأني إنْ نجوتُ مُخلَّد
وكأنني ضلّلتُ سيرَ منيّتي=إنّ الطريق إلى الفناءِ مُعبَّد
هيهاتَ لستُ بخادعٍ عينَ الردى=عينُ الردى يَقْظى وعينُكَ ترقد
أنا أنتَ بعد الموتِ لا مُستعبِدٌ=حُرّاً فأحقره ولا مُستعبَد
ورأيتُ خزّافَ الحياةِ يُذلّها=فيدوسُها، ويُعزّها فيُنضّد
هل كان سعدُ كما علمتَ من الورى=فيموتَ؟ كلا إنّ سعدَ لأَوحد
هبّتْ عواصفُ نعيه مصريّةً=فإذا بها شرقيّةٌ تَتمرَّد
وطفقتُ أسأل يومَه فإذا بهِ=يومٌ لَعَمرُ الموتِ أبكمُ أسود
وارتبتُ في الأقدار ليلةَ نعيهِ=ولَـحدتُ رَيْبي يومَ قيل سيُلحَد
فُجِعتْ بنو مصرٍ بفقد زعيمها=اللهُ أكبرُ أيُّ أروعَ تفقد ؟
يا سعدُ يا ابنَ النيلِ رنّق ماءهُ=ثُكلُ البنين، وهل كسعدٍ يُولد ؟
مصرُ التي فقدتْكَ قلبٌ خافقٌ=والشرقُ أضلعُه التي تَتوقَّد
وكأنها كبدٌ يُصرّعها الأسى=وكأنه لـمّا تَعلّقها يد
عبدتْكَ مصرُ وأنتَ باعثُ مجدها=إن البطولة منذ كانت تُعبَد
ربُّ البطولةِ عبدُها قذفتْ بهِ=شملَ الخطوبِ يُبيدها ويُبدّد
يلقى الخطوبَ وقد طغى تيّارُها =فإذا به صخرٌ هنالك جَلْمد
وإذا بها لُـججٌ تَدافعَ موجُها=فيصدّها فتَحورُ عنه ويصمد
وإذا به فوق الأكفِّ مُكلَّلٌ=بالغار يُكبره الورى ويُمجِّد
وإذا به تحت الصفيحِ بمعبدٍ=والكعبةُ الغرّاء حيث المعبد
وإذا به عينُ الخلودِ وسِرُّهُ=تعنو له حُرُّ الوجوهِ وتسجد
يا سعدُ شأنُكَ والبطولةُ أنها=تجثو لديكَ وأنتَ أنتَ السيّد
اللهُ، في سبعٍ وستين انطوتْ=والموتُ مَضّاءُ العزيمةِ يطرد
نصبَ الحبائلَ جمّةً فتقطّعتْ=وعهدتُه يرمي السهامَ فيُقْصِد
ما كان في المنفى بأخفقَ منه في=مصرٍ يريشُ سهامَه ويُسدِّد
ورأى بطولتَكَ التي صمدتْ لهُ=وكأنها درعٌ عليكَ مُسرَّد
فرمى حبائلَه وحطّم قوسَهُ=وأتى سريرَكَ خائفاً يترصَّد
فسقاكَ خمرةَ كأسه فعرفتَها=وجرعتَها، «وأنا انتهيتُ» تُردّد
نَعَمِ انتهيتَ وإنما تلك القوى=نورٌ يفيض وجذوةٌ لا تهمد
فهدتْ سبيلَ الشرقِ في ظُلماتهِ=فجرى يُغوّر في الحياة ويُنجِد
وهوتْ بكلكلها على أعدائها=وتَفرعنتْ مصرٌ لمن يتنمرد
الفرقدُ الهادي يُحجّبه الثرى=فمتى يؤوب؟ وأين يطلع فرقد ؟
يا حسرتاه على البلاد يُقيمها=غدرُ المنيّةِ بالرئيس ويُقعِد
زفراتُها زفراتُ مصرَ تصدّعتْ=من هولهنَّ قلوبُنا والأَكْبُد
«عيبالُ» منذ تزلزلتْ أركانُهُ=ما انفكّ يُسعده نداكَ ويَسعد
عزَّيتَه بمُصابه ووصلتَهُ=حسبي عزاؤكَ نعمةً لا تُجحَد
جودٌ ختمتَ به الحياةَ وإنهُ=لَـختامُ ألفِ صنيعةٍ لكَ تُحمَد
ولقد نُعِيتَ له فبات وحزنُهُ=عينٌ تسيل به وعينٌ تجمد
هذا ثرى مصرَ التي أحببتَها=نَمْ هادئاً يا سعدُ طاب المرقد
تفديكَ أفئدةٌ تودّ لَوَ انّها=أمستْ هي الرمسُ الذي تَتوسَّد
وتودّ لو أن الأزاهيرَ التي=قد كلّلوكَ بها عيونٌ تسهد
الرَّوْحُ والريحان خيرُ تحيّةٍ=والسلسبيلُ - ولستَ تظمأ - مورد
لم يخلُ منكَ الذكرُ في وطنٍ وما=برحتْ لذكركَ لوعةٌ تَتجدَّد



****



حريق الشام
بحر السريع




لَهْفي على الشام وسُكّانها=لهفةَ ظامي الروحِ حَرّانِها
ما أحرقتْها النارُ لكنّما=ضلوعُ مَفتونٍ بغزلانها
والحبُّ إمّا أُضرِمتْ نارُهُ=تسمعه الدنيا بآذانها
«نديمُ» أخبرْني فقد راعني=تَشبُّثُ النارِ بغيطانها
هل سرتِ النارُ إلى «تينها»=وتُوتها الغضّ ورُمّانها

****


رثاءُ نافع العبّوشيبحر البسيط



لَهْفي على «نافعٍ» لو كان ينفعهُ=لهفي.. وهيهات ما في الموت نفَّاعُ
قد شيّعوه إلى قبرٍ يحفّ بهِ=مِن المهابة أتباعٌ وأشياع
حوتْه أوطانُه في جوفها فغدا=كأنما هو قلبٌ وهْيَ أضلاع
يا موطناً، في ثراه غاب سادتُهُ=لو كان يخجل من باعوكَ ما باعوا





صاحب غمدان -

بحر الطويل

رثاء العلامة المرحوم جبر ضومط (أستاذ الآداب العربية في جامعة بيروت الأميركية)



«أغمدانُ» ما يُبكيكَ يا كعبةَ الهدى؟=وفيمَ الأسى يا هيكلَ الفضلِ والنَّدى ؟
عذرتُكَ لو أصبحتَ وحدكَ مبتلىً=أغمدانُ صبراً لستَ بالخطب أوحدا
لئن مات يا غمدانُ «جَبْرٌ» فشدَّما=أعدَّ رجالاً للحياة وجنّدا
أتبكي على «جبرٍ» وحولَكَ جندُهُ ؟=عزاؤكَ فيمن راح حولكَ واغتدى
لِبانيكَ روحٌ ما يزال يمدُّهُمْ=وظلُّكَ ممدودٌ على الدّهرِ سرْمدا
ويا من رأى أركانَكَ الشُّمَّ في الرُّبا=تبوّأنَ من جنّاتِ لبنانَ مقعدا
حنوتَ على أمّ اللغاتِ فصُنتَها=وكنتَ لها الصرحَ المنيعَ الممرَّدا
وكان لها «جبرٌ» أميناً وحامياً=إذا ما بغى الباغي عليها أو اعتدى
وللعلم في لبنانَ شِيدتْ معاهدٌ=فلم تُبقِ أيدي الجهلِ منهنَّ معهدا
وأقبحُ ممّا قد جَنَوْهُ اعتذارُهم=فقالوا: يضيعُ المالُ في رفعِها سُدى
وقد زعموها تُنفِدُ المالَ كثرةً=فهل تركوا مالاً هناك فينفدا ؟ !
مصابيحُ إن هم أطفأوها فإنَّها=حَباحبُ شُؤمٍ كم أضلَّتْ من اهتدى
وما لَهَفي إلاَّ على ساعةٍ بها=صدقنا العِدا، لا بارك اللهُ في العدا
فكمْ من يدٍ بيضاءَ للعُرْب عندهم =«ومن لكَ بالحُرّ الذي يحفظ اليدا»
لئن خلّفوا لبنانَ يخبط في الدجى=فغمدانُ يا لبنانُ ما انفكَّ فرقدا
طريقُ الرَّدى مهما يطلْ يلقَه الرَّدى=قصيراً، وإن يَوْعُر يجده مُمهَّدا
وموتُ الفتى تحني الثمانون ظهرَهُ=كموت الفتى في ميعةِ العمرِ أمردا
حياتُكَ يا إنسانُ شتَّى ضروبُها=تحيط بها شتّى ضروبٍ من الرّدى
وما قهرَ الموتَ القويَّ سوى امرئٍ=يُخلّف بين الناسِ ذِكْراً مُخلَّدا
يُخلِّف طيبَ الذكرِ، لا كالذي قضى=وخلّف وعداً في فلسطينَ أنكدا
فأبكى به قوماً، وأضحك أمةً=أبى اللهُ إلا أن تهيمَ تَشرُّدا
ولكنَّ خيرَ الناسِ من كفَّ شرَّهُ=عن الناسِ أو أغنى الحياةَ وأسعدا
«كجبرٍ» و«عبداللهِ» طاب ثراهما=ولا زال فوّاحَ الشذى رَيِّقَ الندى
على خير ما يرجوه كان كلاهما=جهاداً وإسعاداً وغَيْباً ومَشْهدا
وهاما هُياماً في هوى «مُضَريّةٍ»=كما انقطعا دهراً لها وتَجرَّدا
فكم نشرا من ذلك الحسنِ ما انطوى=وكم آيةٍ في ذلك السحرِ جدَّدا
بلاغتُها افتنَّتْ «بجبرٍ» وآثرت=فصاحتُها «البستانَ» ظلاً وموردا
إذا لغةٌ عزَّتْ - ولو ضِيم أهلُها=فقد أوشك استقلالُهم أن يُوطَّدا
«لجبرٍ» يدٌ عندي تَألّقُ كالضحى=وقلَّ لها شكراً رثائيكَ مُنْشِدا
غشيتُـكَ في دارٍ ببيروتَ للندى=وللأدب العالي فِناءً ومُنتدَى
وحفَّ ذويكَ البِشْرُ من كلّ جانبٍ=وبين أساريرِ الوجوهِ تَردَّدا
وآنستَ بي من فيض نوركَ لمحةً=فأعليتَ من شأني مُعيناً ومُرشِدا
لقد كنتَ بي بَرّاً فيا بِرَّ والدٍ=توسَّم خيراً في ابنه فتَعهَّدا
ويا حسرتا أُضحي بنُعماكَ نائحاً=وكنتُ بها من قبل حينٍ مُغرِّدا
عجبتُ لها من هِمّةٍ كان منتهى=حياتِكَ فيها حافلاً مثلَ مُبتدا
فيا لُغتي تِيهي «بجبرٍ» على اللُّغى=ويا وطني رَدِّدْ بآثاره الصّدى

****

الكرماوي
04-04-2007, 11:04 PM
الملك حسين
بحر الرمل



رحمةُ الله عليه إنّهُ=غاله اليأسُ، وكان الأملا
ويحَ قومٍ خذلوه بعدما=أخذوا الميثاقَ ألا يُخذَلا
شيمةُ الغدرِ بمن ينصرهم=ذهبتْ يا «ابنَ عليٍّ» مَثَلا
آلَ بيتِ المصطفى لم تبرحوا=تَرِدون الموتَ في ظِلّ العُلا
كادتِ الكأسُ التي في «قُبْرصٍ»=تُشبه الكأسَ التي في «كَرْبلا»


نفي الإنجليز الملك حسين إلى قبرص بعد تخليه عن ملك الحجاز لابنه علي، وبقي فيها منفياً ست سنوات (1925- 1921م).
- المصدر : ط. دار الشرق الجديد (1932).

***************


نسر الملوك
بحر الرمل

رثاء المغفور له صاحب الجلالة فيصل الأول ملك العراق «ألقيت في حفلة الأربعين التي أقيمت في مدينة نابلس»



شَيّعي الليلَ وقُومي استقبلي=طلعةَ الشمسِ وراء الكرملِ
واخشعي، يوشك أن يغشى الحِمى=يا فلسطينُ سنًى من «فيصل»
يا لهــا من دِيمةٍ يرفـعـهـا=منكبُ الأفقِ لعين المجتلي
نشـأتْ أمناً وظلاً وهدىً=كهُدى النجمِ لفُلْكٍ مُقبِل
ما دنا حتى همى الدمعُ، فهل=«إيلياءُ» الغيثِ فوق الجبل ؟
ذلك الفُلْكُ الذي يحمله=مثلُه منذ جرى لم يَحمل
لو تَعدّى لُـجَّةَ البحرِ بهِ=خاض في لـجَّة دمعٍ مُسبَل
وانطوى العـاصفُ والموجُ لهُ=فاكتسى البحرُ غضونَ الجدول
وإذا بالفُلْك يجـري بينها=كـمـرور الطيفِ بين المقل
يُكرِم الراقـدَ يدري أنّهُ=يُؤثِر الراحةَ والقلبَ الخلي
راقدٌ ينعم في ضجعتهِ=خلَّف الدنيا به في شُغُل
أيقظ اللوعةَ فيها والأسى=وغفـا بينهما لم يحفل
مُطبَقَ الأجفانِ عن جَفْنٍ طغى=جامِحِ الدمعِ وجفنٍ مُجفِل
مُطمئِنَّ القلبِ ما تُزعجهُ=زفراتٌ كالغضا المشتعل
ما الذي أعددتِ من طيب القِرى=يا فلسطينُ لضيفٍ مُعْجَلِ ؟
لا أرى أرضاً نلاقيه بها=قد أضاع الأرضَ بيعُ السُّفَّل
فاستُري وجهَكِ لا يَـلمحْ على=صفحتيهِ الخزيَ فوق الخجل
أكرمي ضيفَكِ إنْ أحببتِهِ=بأمانيه الكِبارِ الحُفَّل
لا تقومي حوله مُعوِلةً=من جلال الـمُلْكِ ألاّ تُعْوِلي
واسألي الباغين ماذا هالهُمْ=منه في أكفانه إنْ تسألي
راعهم حيّاً ومَيْتاً فاتّقوا=هِمَّةً جبّارةً لم تُخْذَل
ورأَوْا في كلّ قلبٍ حولَهُ=جذوةَ العزمِ ونورَ الأمل
بطلٌ قد عاد من ميدانِهِ=ظافراً يا مرحباً بالبطل
فارسُ «الشقراءِ» يجلو باسمها =غمرةً ليلتُها ما تنجلي
صاحبُ التاجَيْن في موكبهِ=رايةُ المجدِ المنيعِ الأطول
من رأى «نسرَ الملوكِ» المرتجى=طار من عُقبانه في جحفل
وسواءٌ في الأعاصير مضَوْا=أم مَضَوْا في نَفَحات الشمأل
كجنود اللهِ طارت خيلُهم=يومَ بدرٍ في سماء القسطل
من رأى ناراً على عاصفةٍ=هكذا انقضَّ غَضوباً من عَل
هبط المعقلَ يخشى حَدَثاً=ويمينُ اللهِ حِرْزُ المعقِل
أَشِرتْ «آشورُ» حتى جاءها=أمرُها بين الظُّبا والأَسَل
كلُّ لؤمٍ وعقوقٍ دونَهُ=فعلُ «شمعونَ» لئيمِ «الموصل»
ثورةُ الغاضبِ للحقّ تُرى=هذه، أم شَغَبٌ من وُكَّل ؟
ذلك السيفُ الذي جرَّدهُ=فضحتْه عينُ هذا الصَّيْقل
يا لَعينٍ سهرتْ عن «فيصلٍ»=تحرس الـمُلْكَ له ما تأتلي
رأتِ الغدرَ فآذاها، فهل=تحمل الضيمَ ولما تغفل ؟
خُلُقٌ في ابنكَ «غازي» لم يكنْ=بغريبٍ عن قريب المنهل
لم يُطِقُ شِبلُكَ ضيماً سيّدي،=فاستمعْ للعذر قبل العَذَل
قد يكون الحزمُ في العزم وقد=يُكْتَب التوفيقُ للمُستعجِل
غضبةٌ من رجلٍ في أمّةٍ=جعلتْه أُمَّةً في رجل
من هفا للمثل الأعلى يجدْ=في بني هاشمَ أعلى مثل
أيُّكم يا آلَ بيتِ المصطفى=ما قضى مُستشهِداً منذ «علي» ؟
لا أُحاشي بينكم من أحدٍ=فكميُّ الحربِ صِنْوُ الأعز
كلُّكم ينشأ قلباً ويداً=ولساناً في جهاد المبطِل
فتح الخُلْدُ لكم هيكلَهُ=فإذا أنتم بُدورُ الهيكل
ضمَّ جبريلُ جناحيه على=سؤددٍ محضٍ ونُبْلٍ أمثل
وأطاف الملأَ الأعلى بمن=عزمُه في الحقّ عزمُ الرسل
فيصلٌ شيّد مُلْكاً لم يزلْ=بحِمى اللهِ و«غازي» يعتلي
وبشعبٍ بذل الروحَ، ومن=يَنْشُدِ الـمُلْكَ وطيداً يَبْذل
ليس من «حامٍ» لكيدٍ ينبري=فيه أو «مُنتدَبٍ» مُختتِل
أضْرَموا النارَ وصَبّوا فوقها=دمَهم حُرّاً أبيّاً يغتلي
صهروا الأغلالَ وانصاعوا إلى=دنسِ الأرض فقالوا اغتسلي
وإذا دجلةُ عذبٌ وِردُها=وإذا النخلُ كريمُ المأكل
وإذا بغدادُ مِمّا ازدهرتْ=حِليةُ التاريخِ بعد العَطَل
ووقاها اللهُ، والعونُ بهِ،=دُولَ الغدرِ وغدرَ الدُّوَل



****



وِردٌ يغيض وهجرة تتدفق -

بحر الكامل

رثاء المرحوم موسى كاظم باشا الحسيني



وجهُ القضيّةِ من جهادكَ مُشرِقُ =وعلى جهادكَ من وقاركَ رونقُ
للّهِ قلبُكَ في الكهولة إنّهُ=ترك الشبيبةََ في حياءٍ تُطرِق
قلبٌ وراءَ الشيبِ مُتّقدُ الصِّبا=كالجمر تحت رماده يَتحرَّق
أقدمتَ حتى ظلَّ يعجب واجماً=جيشٌ من الأيامِ حولكَ مُحدِق
تلك الثمانون التي وَفّيْتَها=في نصفها عذرٌ لمن لا يلحق
لكنْ سبقتَ بها، فما لمقصّرٍ=سببٌ لمعذرةٍ به يتعلَّق
عَمَّرْتَها كالدوح، ظاهرُ عُودِهِ=صُلْبٌ وما ينفكّ غَضّاً يُورِق
وطني أخاف عليكَ قوماً أصبحوا=يتساءلون: مَنِ الزعيمُ الأليق؟
لا تفتحوا بابَ الشِّقاقِ فإنّهُ=بابٌ على سُود العواقبِ مُغلَق
واللهِ لا يُرجى الخلاصُ وأمرُكم=فوضى، وشملُ العاملين مُمزَّق
أين الصفوفُ تَنسّقتْ فكأنما=هي حائطٌ دون الهوانِ وخندق ؟
أين القلوبُ تألّفتْ فتدافعتْ=تغشى اللهيبَ، وكلُّ قلبٍ فيلق ؟
أين الأكفُّ تصافحت وتساجلتْ=تبني وتصنع للخلاص وتُنفق ؟
أمّا الزعامةُ فالحوادثُ أُمُّها=تُعْطَى على قَدْرِ الفداءِ وتُرزَق
يا ابنَ البلادِ، وأنتَ سيّدُ أرضِها =وسمائها، إنّي عليك لَـمشفِق
انظرْ لعيشكَ هل يسرّكَ أنّهُ=وِرْدٌ يغيض وهِجرةٌ تتدفّق
ماذا يردّ الظلمَ عنكَ، أحسرةٌ=أم زفرةٌ، أم عَبرةٌ تترقرق ؟
أم بثُّكَ الشكوى تظنّ بيانَها=سِحراً، وحجّتَها الضحى يتألّق!
لا تلجأنَّ إذا ظُلِمْتَ لمنطقٍ=فهناك أضيعُ ما يكون المنطق
أفضى الرئيسُ إلى ظلال نعيمهِ=وارتاح قلبٌ بالقضيّة يخفق
آثارُه ملءُ العيونِ، وروحُهُ=ملءُ الصدورِ، وذكرُه لا يَخلُق

*****

الكرماوي
04-04-2007, 11:04 PM
تعزية البيت الهاشمي - إلى روح المغفور له الملك
علي بن الحسين
البحر الطويل


بني هاشمٍ بين المنايا وبينكم=تِراتٌ وما تغفو المنايا عن الوِتْرِ
مضتْ «بأبي الأشبالِ» يستشهد الوغى=وراياتُه فيها على دول الغدر
وما نكّبتْ عن «شاكرٍ » بعد «فيصلٍ»=وغالت «علياً » واللواعجُ في الصدر
مَقاماتُ أَقْيالٍ تغيب شموسُها=وغاراتُ أبطالٍ تُرَدّ عن النصر
بني هاشمٍ لا أُخمَدتْ جَمَراتُكم=ولا أَغمدتْ أسيافَكم نُوَبُ الدهر
بأوجهكم تنفضُّ حالكةُ الدّجى=وأيمانكم ترفضّ مُجفِلةُ القطر
ونِيطتْ «بعبد اللهِ» آمالُ أمَّةٍ=وفي ظل «غازي» عَوْدُ أيّامها الغُرّ




******************



رثاء الشيخ سعيد الكرمي
بحر الخفيف


أيها الموتُ، أيَّ مجلسِ أُنسٍ=ووقارٍ عطَّلْتَ بعد سعيدِ ؟
أدبٌ كالرياض في الحسن والطِّيـ=ـبِ، قريبٌ جَناه للمستفيد
وكأني بعلمه البحرُ عمقاً=واتّساعاً، نغشاه عذبَ الورود
ونُفوسُ الجُلاّس تأنف، إلاّ=عنده، أن تكون رهنَ القيود
بغزيرٍ من علمه ومُفيدٍ=وقريبٍ من حفظه وبعيد
وغريبٍ من أُنسه وعجيبٍ=وطريفٍ من ظَرْفه وتليد
جامعُ الفضلِ في الرواية والشِّعْـ=ـرِ إلى الأصمعيّ، طبعُ «الوليد»
سَلَفٌ صالح، بقيّةُ قومٍ=بارك اللهُ عهدَهم في العهود
عرفوا الخيرَ، أكرموا فاعليهِ=جهلوا اللؤمَ جهلَهم للجحود
وإذا ما تجرَّدوا لعِداءٍ=وقفوا بالعداء عند حدود..
ليت قومي تَخلّقوا بكريم الْـ=ـخُلْقِ هذا، عند الخصامِ الشديد
ما أشدَّ افتقارَنا لسموّ الْـ=ـخُلْقِ في هذه الليالي السُّود
ما لكم بعضُكم يمزّق بعضاً=أَفَرغتم من العدوّ اللدودِ ؟
اذهبوا في البلاد طولاً وعرضاً =وانظروا ما لخصمكم من جهود
والمسوا باليدين صَرحاً منيعاً=شاد أركانَه بعزمٍ وطيد
شاده فوق مجدكم، وبناهُ=مُشمخِرّاً على رُفات الجدود
كلُّ هذا استفاده بين فوضى=وشِقاقٍ، وذلّة، وهُجود
واشتغالٍ بالتُّرّهات وحبّ الذْ=ذَاتِ عن نافعٍ عميمٍ مجيد
شهد اللهُ أنّ تلك حياةٌ=فُضِّلتْ فوقها حياةُ العبيد
أصبح الموتُ نعمةً يُحسَد الـمَيْـ=ـتُ عليها مُوسَّداً في الصعيد
وسعيدٌ من نال مثلَ «سعيدٍ»=بعد دارِ الفنـاءِ دارَ الخلـود
فهنيئاً لكَ النعيمُ مُقيماً=أنتَ فيه جارُ العزيزِ الحميد



*************


رثاء أبي المكارم
بحر البسيط

في رثاء الشاعر العراقي عبدالمحسن الكاظمي




سَلْ جنّةَ الشعرِ ما ألوى بدوحتها=حتى خلتْ من ظلال الحسنِ والطيبِ
ومن تَصدّى يردُّ السيلَ مُزدحِماً=لـمّا تَحدّر مـن شُمّ الأهاضيب ؟
ومن أغار على تلك الخيامِ ضُحىً=يُبيح تقويضَها من بعد تطنيب ؟
هي المنيّةُ ما تنفكّ سالبةً=فما تُغادر حيّاً غيرَ مسلوب
حقُّ العروبةِ أن تأسى لشاعرها=وتذرفَ الدمعَ مُنهلاّ بمسكوب
وتُرسلَ الزفرةَ الحَرّى مُصدِّعةً =ضلوعَ كلِّ عميدِ القلبِ مكروب
مَن للقريض عريقاً في عروبتهِ=يأتي بسِحْرَيْنِ من معنًى وتركيب ؟
ومَن لغُرّ القوافي وَهْي مُشْرقةٌ=«كأوجه البدويّاتِ الرَّعابيب» ؟
«أبا المكارمِ» قم في الحفل مرتجلاً=مهذِّباتِك لم تُصقَل بتهذيبِ
وأَضْرمِ النارَ إنّ القومَ هامدةٌ=قلوبُهم، ذَلَّ قلبٌ غيرُ مشبوب
وانفخْ إباءكَ في آنافهم غَضَباً=فقد تُحرِّكُ أصنامَ المحاريب
تَمكَّنَ الذّلُّ من قومي فلا عجَبٌ =ألاّ يُبالوا بتقريعٍ وتأنيب
ما أشرفَ العذرَ لو أن الوغى نثرتْ=أشلاءَهم بين مطعونٍ ومضروب
لكنْ دهتْهم أساليبُ العُداةِ وهم=ساهونَ لاهون عن تلك الأساليب
ويقنعون بمبذولٍ يُلوّحُهُ=مستعمروهم بتبعيدٍ وتقريب
كأنّهم لم يُشيَّد مجدُ أولهم=على السيوف وأطرافِ الأنابيب
يا رائداً كلَّ أرضٍ أهلُها عربٌ=يجتازها نِضْوُ تصعيدٍ وتصويب
ومُنْشِداً عندهم علماً ومعرفةً=بحالهم بين إدلاجٍ وتأويب
هل جئتَ منهم أُناساً عيشُهم رَغَدٌ ؟=أم هل نزلتَ بقُطرٍ غيرِ منكوب ؟
أم أيُّ راعٍ بلا ذئبٍ يجاورهُ=إن لم تجد راعياً شرّاً من الذيب ؟
تَبوّأَ الكاظميُّ الخُلدَ منزلةً=يلقى من الله فيها خيرَ ترحيب
«أبا المكارمِ» أشرفْ من علاكَ وقلْ=أرى فلسطينَ أم دنيا الأعاجيب ؟
وانظرْ إلينا وسَرّحْ في الحمى بصراً=عن الهدى لم يكن يوماً بمحجوب
تجدْ قويّاً وفى وعدَ الدخيلِ ولم=يكن لنا منه إلا وعدُ عُرْقوب
ومرَّ سبعٌ وعَشْرٌ في البلاد لَهُ=وحكمُه مَزْجُ ترهيبٍ وترغيب
قد تنتهي هذه الدنيا وفي يدهِ=مصيرُنا رهنَ تدريبٍ وتجريب
حالٌ أرى شرَّها في الناس مُنتشِراً=وخيرَها للمطايا والمحاسيب
هل في فلسطينَ بعد البؤسِ من دَعَةٍ؟=أم للزمان ابتسامٌ بعد تقطيب ؟
كم حَقّقَ العزمُ والإعجالُ من أملٍ=وخاب قصدٌ بإمهالٍ وتقليب

****

الكرماوي
04-04-2007, 11:05 PM
رثاء أديب منصور
بحر المتقارب


عرفتُ «أديباً» فأحببتُهُ=وسَرعان ما غاب هذا الحبيبْ
ويا لَهَفي، الآنَ كلّمتُهُ=وفي لحظةٍ بات لا يستجيب
ويا حسرتي للرَّدى، مَزَّقتْ=يداه رداءَ الشبابِ القشيب
وكان نضيراً على مَنْكِبيْهِ=فأصبح منه سليباً خضيب
دعاني البكاءُ فلبّيتُهُ=جَزوعاً عليه بدمعٍ صبيب
وسرتُ بموكبه خاشعاً=أُشيّعه بين حفلٍ مَهيب
تُفيض أكاليلُه طيبَها=ودون شمائله كلُّ طيب
وعدتُ عن القبرِ في العائدينَ=أمامي نحيبٌ وخلفي نحيب
وفي كلّ نفسٍ له لـوعـةٌ=وفي كلّ قلبٍ عليه لهيب
عرفتُ «أديباً» حميدَ الخصالِ=وأحببتُ فيه الذكيَّ اللبيب
وروحاً على القلب مثلَ النسيمِ=يهبُّ فيُنعش قلبَ الكئيب
وكـان قـريراً بآمـالهِ=فأدعو له اللهَ ألاّ تخيب
وكـان يراها بعين الأريبِ=ولكنَّ للدهر عينَ الرقـيب
ويكلأها بالنشاط العجيبِ=وللدهر في الناس شأنٌ عجيب
تَناولَ ذاك الفؤادَ الخصيبَ=فأصبح وَهْو الفؤادُ الجديب
وحطّم بنيانَ آمالهِ=بكفَّيْ لئيمٍ خؤونٍ رهيب
عزاءً لكم، أيها الأقربونَ،=جميلاً لنا فيه أوفى نصيب
لئن باعدتْ رَحِمٌ بيننا=لقد كان فينا الحبيبَ القريب
بنا ما بكم من غليل الأسى=بقلبٍ ألحَّ عليه الوجيب
ومرَّ بنا يومُه «الأربعونَ»=يُجدِّد لي ذكرَ يومٍ عصيب
فَقدتُ فتىً كان في أسرتي=ملاذَ القريبِ وعونَ الغريب
أبـيّاً على الضيم، عفَّ اليدينِ،=نقيَّ السَّريرةِ مِمّا يُريب
فذاك ابنُ عَمٍّ، وهذا صديقٌ=وذاك «عفيفٌ»، وهذا «أديب»

الكرماوي
04-04-2007, 11:05 PM
وليكن مثلَ أبيه إننا .. لم نُوفِّر غادةً في شعرنا


شعر الغزل



***




غرام بعد ملام
بحر المجتث



مَرّتْ تميس ببُردَهْ=تشمّ في الروض وَرْدَهْ
فقلتُ: هذا غزالٌ=قد زيّن الوردُ خَدّهْ
فكيف يهبط روضا=ً لشمّه وَهْو عنده؟
أصغتْ لقولي وجاءتْ=ففَوَّحَ الزهرُ نَدَّهْ!
والغصنُ مال لديها=كمن يخرّ لسجده!
دنتْ وقالت بعنفٍ=والعينُ كالجمر حِدَّه:
من الذي برياضي؟=فاهتزّ جسمي بشِدّه
وقلتُ: «رِفقاً بحالي=فالحبُّ أدرك حَدَّه
قلبي مضى من ضلوعي=فجئتُ كي أستردّه»
قالت: «فؤادُكَ هذا=عندي، وأحسنتُ وِرْده
لقد شكاكَ لحبٍّ=بالنار أَحرقَ جلده
فكيف - وَهْو ودُودٌ -=لم تحترم فيه ودّه؟
ما فارق الصدرَ يوما=ً لو كنتَ أحكمتَ وَصْده»
فقلتُ: «يا هندُ صدري=ما كان أحكمَ سدّه!
لُومي عيونَكِ لـمّا=مَكّنتِها أنْ تَقُدّه!
إذ ذاك فرّ فؤادي=عليكِ ينشر حمده»
فاستضحكتْ هندُ تِيها=ً وأسرعتْ كي تردّه
مالت عليَّ بخَدّ ٍ=باللثم أشتار شهده
قَبّلتُها فاعتراني=لعودة القلبِ رِعْده
شكرتُها... واتّفقنا=أنْ نلتقي بعد مُدَّه



****


مصدر الشاعرية
الخفيف



حمل الحاجبُ المزجَّجُ [سلباً]=[ووجوباً] أهدابَهُ الشادنيّه
فرأينا، الأهدابَ، [مُنْجذِباتٍ]=تلك حالُ [الضِدّينِ] في [الجاذبيّه]
قد دعتْهُ العلومُ [مِغناطيساً]=ودعوناه مصدرَ الشاعريّه



****


عارضي نَوْحي بسجع
مشطور الرمل



عصفتْ بالأمس ريحٌ صرصرُ
فالتوى غُصْنُ شبابي الأخضر
ورأيت الزهرَ عنه يُنْثَر
مثلما يُنْثَر دمعي
يا شبابي أنتَ أحرى بدمي
لا بدمعي أو شكايات فمي
خلِّ عني... فصِحابي لُوَّمي
ملأوا باللوم سمعي
سئموا نَوْحي وعافوا منطقي
هم ذوو أفئدةٍ لم تخفقِ
أنا - إنْ يدروا - بحتفي ملتق
وغداً يهدأ روعي

وطأةُ الليلِ على قلبي الحزينْ
مزجتْ منه بأنفاسي أنين
ما له وقعٌ بسمع العالمين
وبسمعي أيّ وَقْعِ
أنتِ يا ورقاءُ من دون الأنامِ
تسمعين النوحَ مني في الظلام
فإذا ما نُحْتُ يا رمزَ السلام
عارضي نوحي بسَجْعِ

الكرماوي
04-04-2007, 11:05 PM
عيناي مطبقتان
مجزوء الكامل


القلبُ متّصل الوَجيـ=فِ، تكاد تسحَقه ضلوعي
والليلُ ما رمتُ الكرى=إلاّ حباني بالدموعِ
والفجرُ في مهوًى سَحيـ=ـقٍ، لا يُبشّر بالطلوع
والكونُ نائمْ =والفكرُ هائمْ
يتلمّس الحسناءَ فا=تنتي بهاتيك الربوع
عينايَ مطبقتان... لـ=ـكِنّي أرى تلك النجومْ
مُتألّقاتٍ في الفضا=ءِ، على غياهبه تعوم
فإخال فاتنتي تَمتْـ=ـتَعُ بينهنَّ بما تروم
فأُجيل عَيْنا =تنهلّ حزنا
فأرى النجومَ تريد أنْ=تنقضَّ فوقي كالرُّجوم
لا شيءَ يخترق السكو=نَ، سوى هديلِ حمائمي
حملتْه لي بعضُ النسا=ئمِ في الظلام القاتمِ
فوددتُ لو يُشفَى الفؤا=دُ من الأسى المتقادم
فإذا الهديلْ =لا يستميلْ
قلباً يسير به الهوى=في لُـجّه المتلاطم
عبثاً أُخفّف عن فؤا=دٍ، لا يَقرّ له قرارُ
عبثاً أُعلّله بلُقْـ=ـياها، وقد شطَّ المزار
حَذّرتُه حُبّاً عوا=قبُه اللواعجُ والدمار
للّه قلبُ= أغواه حبُّ
فإذا به جمُّ العثا =رِ، ويستجير ولا يُجار

****



شوق وعتاب
بحر الخفيف



كيف أغويتَني وأمعنتَ صَدّا=يا حبيباً أعطى قليلاً وأكدى
ودَّ قلبي لو يجهل الحبَّ لما=أنْ رآه يحول سَقْماً ووَجْدا
وشكتْ أضلعي من القلب ناراً=هل عهدنَ الهوى سلاماً وبَردا؟!
طلع الفجرُ باسماً، فتأمّلْ=بنجوم الدجى تَرنَّحُ سُهْدا
هي مثلي حيرى وعمّا قريبٍ=تتوارى مع الظلام وتهدا
لكَ حمّلتُها رسالةَ شوقٍ=وعتابٍ، أظنّها لا تُؤدّى
قلتُ للطير حين أصبح يشدو:=«أيها الطيرُ عِمْ صباحاً!» فَردّا
ثم غنّى أنشودةً عن حبيبٍ=لم يكن ظالماً ولا خان عهدا
أضرمَ الذكرياتِ بي ثُمّ ولّى=لا رماكَ الصيّادُ... أسرفتَ جِدّا
جمع اللهُ في مُحيّا حبيبي=أُقحواناً، وياسميناً، وَوَردا
وابتساماً لا يهجر الثغرَ إلاّ=عند قولي له: أَتُنجز وعدا؟
لا عرفتَ الوَفا، ولا كان وعدٌ=يجعل البسمةَ الوديعة حِقدا


****


عند شباكي
مجزوء الوافر


بُكوري عند شُبّاكي=لأنشقَ طيبَ ريّاكِ
ولا سلوى سوى نجوى=أُسرُّ بها لمغناك
أُسرِّحُ نحوه طَرْفا=ً أمنّيه بمرآك
وطَرْفاً في قرار «الدّا=رِ» موعوداً بلقياك
تمرُّ عليَّ ساعاتٌ=أشيِّعها بذكراك
وأخشى أن يرفَّ الجَفْـ =ـنُ، يحرمني مُحيّاك
طلعتِ، فما لقلبي شــا=ءَ، يفضحُني فَسَمّاك
صباحَ النور من دَنِفٍ=تَنهّدَ، ثُمّ حيّاك
سلامَ الرَّوْحِ والرَّيْحا=نِ، أنتِ نعيمُ دنياك
مررتِ، وقيل مرَّ النّا=سُ، هل أبصرتُ إلاك؟
وداعاً يا مُعذِّبتي=وعينُ اللهِ ترعاك
وداعَ سُويعةٍ تمضي=على جمرٍ وألقاك
وأنسى ليلةً سلفتْ=وطَرْفي ساهرٌ باك
ومضجعَ أضلُعٍ مُنِيتْ=بنيرانٍ وأشواك
شكرتُ اللهَ أنّ «الدّا=رَ» ، تجمعني وإيَّاك
وتُلقين السؤالَ عَلَيْ=يَ، في أمرٍ تعدّاك
وحين أُجيبُ تمنحني=ابتسامَ الشكرِ عيناك
هجرتُ «الدارَ» أضرب في=فضاء اللهِ لولاك
ولولا رحمةُ العَيْنَيْـ=ـنِ قلباً بات يهواك
وعطفٌ من لَدُنْكِ على=أسىً في النفس فَتّاك
إذنْ لرأيتِني يوماً=صريعاً تحت شُبّاكي


****



في المگتبة
مجزوء الكامل



وغريرةٍ في المكتبه=بجمالها مُتنقِّبَهْ
أبصرتُها عند الصبا=حِ الغضِّ تُشبه كوكبه
جلستْ لتقرأَ أو لتكْـ=ـتبَ ما المعلِّمُ رتَّبه
فدنوتُ أسترقُ الخطى=حتى جلستُ بمقرُبه
وحبستُ، حتى لا أُرى=أنفاسيَ المتلهِّبه
ونهيتُ قلبي عن خُفو=قٍ فاضحٍ، فتجنَّبه
راقبتُها، فشهدتُ أنْ=نَ اللهَ أجزلَ في الهِبه
حملَ الثرى منها على=نُورِ اليدين وقَلّبَه
وسقاه في الفردوس مَخْـ=ـتُومَ الرحيقِ وركَّبه
فإذا بها مَلَكٌ تَنَز=ْ زَلَ للقلوب المتعبه
يا ليت حظَّ كتابها=لضلوعيَ المتعذِّبه
حضنتْه تقرأ ما حوى=وحنتْ عليه وما انتبه
فإذا انتهى وجهٌ ونا=لَ ذكاؤها ما استوعبه
سمحتْ لأنـمُـلها الجميـ=ـلِ برِيقها كي تَقلِبه
وسمعتُ وَهْي تغمغمُ الْـ=ـكلمــاتِ نَجوى مُطرِبه
ورأيتُ في الفم بدعةً=خلاّبةً مُستعذبَه
إحدى الثنايا النيّرا=تِ، بدتْ، وليس لها شَبَه
مثلومةً من طَرْفها=لا تحسَبَنْها مَثْلبه
هي، لو علمتَ، من المحا=سنِ عند أرفعِ مرتبه
هي مصدرُ «السّيناتِ» تُكْـ=ـسِـبُها صدىً، ما أعذبه
وأمَا وقلبٍ قد رأتْ=في الساجدين تَقلُّبَه
صلَّى لجبَّار الجما=لِ، ولا يزالُ مُعذِّبه
خفقانُه متواصلٌ =والليلُ ينشر غيهبَه
مُتعذِّبٌ بنهارهِ=حتى يزورَ المكتبه
وأمَا وعينِكِ والقُوى السْـ=ـسِحْريّةِ المتحجِّبَه
ما رُمتُ أكثرَ من حَدِيـ=ـثٍ، طيبُ ثغرِكِ طيَّبَه
وأرومُ سِنَّكَ ضاحكا=ً حتى يلوحَ وأرقُبَه


****

الكرماوي
04-04-2007, 11:05 PM
سلام عليك
بحر المتقارب




سلامٌ عليكِ ولو شفّني=من الوجد واليأس ما شفّني
أُداري غرامَكِ جهدَ الحليمِ=فما يستريح وما أنثني
وقلبي كما يشتهيه الهوى=لغير جمالكِ لم يُذعنِ
خَفوقٌ ولو شئتِ سكّنتِهِ=ولو شاء غيرُكِ لم يسكن
سقيمٌ ولو شئتِ أبرأتِهِ=بعطفكِ من دائه المزمن
إذا كنتِ منه تجاه اليمينِ=يخفُّ إلى جانبي الأيمن
ألا إنه مُرهَقٌ يستجيرُ=فترثي له أدمعُ الأعين

****




نزيهة
بحر المجتث



رأيتُها ألفَ مَرّه =فلم تَجُدْ لي بنظرَهْ
حتى غدوتُ وما لي=على التجلُّد قُدْره
فباح بالحبّ دمعي=ونلتُ بالحبّ شُهره
فهل أتاكِ حديثي=ففيه للغِيد عِبره ؟
يا غادةً في جبين الْـ=ـجَمالِ واللطف غُرّه
متى تجودين للنَّفْـ=ـسِ بالهنا والمسرّه ؟
عجبتُ للحبّ إني=أرى الحسانَ بكثره
خُلِقْنَ من طلعة الفَجْـ=ـرِ، وَهْو يفتح صدره
فما ابتغيتُ وعَيْنَيْـ=ـكِ من هواهُنَّ ذََرّه
لكنْ لحُسنكِ والْلَـ=ـهِ، فتّحَ الحبُّ زهره
أنتِ الحديثُ وشُغلي=لدى العشيِّ وبُكره
لم تغربي يا ذُكاءَ الْـ=ـجَمالِ عنّيَ فَتره
فهل لقلبٍ كئيبٍ=يا مُنيتي من مَبرَّه؟



****




قصيدة بدون عنوان
بحر الخفيف


أطفئي غُلَّتي بقُبلةِ ثَغْرٍ=كوثريِّ اللَّمى بَرودِ الثنايا
وابسمي لي لعلّ فَيْضاً من النُّو=رِ، يُريني من الضلال هُدايا
أنتِ لا تعلمين ما لوعةُ الوَجْـ=ـدِ، ألا إنها نذيرُ المنايا !
أنتِ لا تدركين ما يصنع الشّوْ=قُ، إذا هبَّ عاصفاً بالحنايا
إن في أضلعي لَناراً تَلظّى=طار من هولها فؤادي شظايا

****

الكرماوي
04-04-2007, 11:05 PM
معين الجمال
بحر الخفيف




أسْعديني بزورةٍ أو عِديني=طال عهدي بلوعتي وحنيني
أدّعي الهجرَ كاذباً وغرامي=في قرارٍ من الفؤاد مَكينِ
غِيض دمعي وكان ريّاً لروحي=من غليل الأسى فمنْ يرويني
يا مَعينَ الجمالِ أذبلتِ قلبي=أنعشيني بنهلةٍ أنعشيني
يا معينَ الجمالِ، قطرةَ ماءٍ=أو أفيضي ابتسامةً تُحييني
ضجعتي في الرياض بين الرياحيـ=ـنِ قريباً من ماء عينٍ مَعين
فتناولتُ أُقْحواناً نديَّاً=ونداهُ كاللؤلؤ المكنون
ونزعتُ الأوراقَ عنها تِباعاً=أتحرّى شكّي بها ويقيني
فإذا وافقتْ منايَ تَفاءلْـ =ـتُ، وإلا كذّبتُ فيها ظنوني
ذاك لهوٌ فيه العزاءُ لنفسي=فاضحكي من تعلُّلي وجنوني
طُفتُ بين الأزهار، والنَّشْرُ من نَشْـ=ـرِكِ فيها ودقّةُ التكوين
قطراتُ الندى عليها دموعي=أنتِ أدرى مني بما يُبكيني
أنتقي طاقةً وذوقُكِ يَهْدِيـ=ـني إلى الرائعات في التلوين
يا حياةَ القلوبِ ويلي عليها=ذبلتْ من بقائها في يميني
فخُذيها عسى تُرَدُّ إليها الـرْ=رُوحُ، إنّي أخاف مرأى المنون
ما أشدَّ الهوى، وما أطولَ اللَّيْـ=ـلَ، وما أبعدَ الكرى عن جفوني
رُبَّ ذكرى - وما هجعتُ - استحالتْ=لخيالٍ سرى فأذكى شجوني
ضمّني، ثم رَدَّني وتلاشى=في الدّياجي كما تلاشى أنيني
راعني أمرُه فنبَّهتُ مَنْ حَوْ=لِيَ ذُعْراً بصرخةٍ في السُّكون
سألوني فلم أُجبْ، بل تَناومْـ=ـتُ، فناموا وللأسى خَلَّفوني
مرحباً بالحياة عاد صداها =وانجلى الليلُ عن صباحٍ مُبين
سُفراءُ الصباحِ نورٌ وطيرٌ=تتغنّى في مائسات الغصون
ونسيمٌ يداعبُ الدوحَ، والبَحْـ =ـرُ شجيُّ الغناءِ عذبُ المجون
وجلالُ الودْيانِ ملءُ الحنايا=وجمالُ الجبالِ ملءُ العيون
في اخضرارٍ كأنه أملي فِيـ=ـكِ، وثلجٍ نقاؤهُ كالجبين
إنّما هذه الطبيعةُ أُنْسي=ومُعيني إن لم أجد من مُعين
أتَقرّى جمالَ ذاتكِ في ما=أبدعتْهُ يمينُها من فنون
في الغدير الصافي، وأنشودة الطّيْـ=ـرِ وطيبِ الورود والياسمين
غيرَ أني ما ازددتُ إلا حنيناً=أسْعِديني بزورةٍ أو عِديني



****

الكرماوي
04-04-2007, 11:06 PM
حملتني نحو الحمى أشجاني
بحر الخفيف




نَبّهتْني صوادحُ الأطيارِ
تتغنّى على ذرى الأشجار
وتجلّتْ مليكةُ الأنوار
فوق عرشِ الصباحِ ترشُف طَلاّ من ثغور الأقاحِ عَلاّ ونَهْلا
فتمنّيتُ لو شقيقةُ روحي باكرتْني إلى جنى الأزهارِ
****
أنا في روضةٍ أباحتْ جَناها
كلَّ ذي صبوةٍ كئيبٍ أتاها
ها هُنا وردةٌ يفوحُ شذاها
ها هنا نَرجسٌ يُحيّي الأقاحـا والدَّوالي تُعانقُ التُّفَّاحا
بادري نستبقْ معاً وارفَ الظِلْ لِ، ونقضي النهارَ بعد النَّهارِ
****
ضحك الروضُ حين فاضتْ عيونُهْ
وترامى فوق الثرى ياسمينُه
هام صفصافُهُ فناحتْ غصونه
فسواءٌ هيامُهُ وهُيامي غيرَ أني أبكي على أيّامي
فجعتْني بكَ النوى حين شبّتْ لوعةٌ في الضلوع ذاتُ أُوارِ
*****
مرَّ عامٌ أُخفي عن الناس ما بي
من حنينٍ مُبرِّحٍ وعذابِ
ولقد يسألون فيمَ اكتئابي
ويحَهم كيف يُبصرون دموعي ثمَّ لا يُدركون ما بضلوعي ؟
ولقد يكتمُ المحبُّ هواهُ فتبوحُ الدُّموعُ بالأسرارِ
*****
ذاكرٌ أنتَ عهدَنا يا غديرُ
يوم كنّا والعيشُ غضٌّ نضير
وعلى ضَفّتيكَ كنّا نسير
فرويتَ الحديثَ عنا شُجونا وأخذنا عليكَ ألاَّ تخونا
فأعدْ لي ذاك الحديثَ فإني أذهلتْني النّوى عن التَّذْكارِ
*****
ذاكرٌ أنتَ والأزاهيرُ تندى
كم نظمنا منهنَّ للجِيد عِقْدا
فإذا هبَّتِ الصَّبا فاح نَدَّا
وانقضى اللهوُ مُؤذِناً بالفراقِ فذوى العِقْدُ من طويل العناقِ
لم يزلْ خيطُه يلوحُ وجسمي يتوارى سَقْماً عن الأبصارِ
*****
يا ابنةَ الأيكِ غَرّدي أو فَنُوحي
فعسى يلأم الهديلُ جروحي
نَفَدَ الصبرُ عن شقيقةِ رُوحي
فاحملي هذه الرسالةَ عنّي واسجعي إنْ أتيتِها فوق غُصْنِ
فَهْي عند الأصيلِ تُصغي إلى الطَّيْـ ـرِ عساها تروح بالأخبارِ
*****
حملتْني نحو الحِمى أشجاني
فتهيَّبتُ من جلال المكانِ
وإذا فوق مقلتيَّ يدان
فتلمّستُ نضرةً ونعيما وتَعرّفتُ ما لثمتُ قديما
قلتُ يا مرحباً وقَبّلتُ كفّاً أنزلتْني ضيفاً بأكرم دارِ
*****
خطراتُ النسيمِ في واديكِ
صَبَّحتني بقُبلةٍ من فِيك
ثم عادت بقبلةٍ تَشفيك
فسلاماً يا واديَ الرُّمّانِ فُزتُ بالرَّوْح منكَ والرَّيْحانِ
وا حنيني إلى دياركَ والرُّمْـ ـمَانُ دانٍ يُظِلّ أهلَ الديارِ
*****

الكرماوي
04-04-2007, 11:06 PM
منديل حسناء

بحر البسيط



ما رونقُ الفجرِ والظلماءُ عاكفةٌ=إذا تَنفّسَ نُوراً في حناياها
فهبَّتِ الطيرُ تدعو الطيرَ مُرسِلةً=من الأغاريد أحلاها وأشجاها
ولا الورودُ كأمثال الخدودِ وقد=تفتّحتْ في الرياض الفِيح تغشاها
كلا ولا قطراتُ الطلِّ كامنةٌ=في الأُقحوان وأمُّ الشهدِ ترعاها
يومآً بأجملَ من «مَيٍّ» إذا ابتسمتْ=تحت النِّقابِ ولاحت لي ثناياها
غداً تفارقني «ميٌّ» وفي كبدي =شوقٌ أُكابده آهاً وأَوّاها

****



كيف عيناك يا عمر
مجزوء الخفيف



كيفَ عيناكَ يا «عُمرْ»=أنا أدماهما السهرْ
وعَصيٌّ من الدُّمو=عِ طغى الهمُّ فانهمر
وخيالٌ ألمَّ بي=من حبيبٍ لدى السَّحر
طاف حيناً بمضجعي=وتوارى عن النظر
أتبعتْه جوانحي=مهجتي عندما نَفَر
أين «ليلي» على شوا=طىءِ بيروتَ يا عمر
كان من فَرْعها الظلا=مُ ومن وجهها القمر
وسميري مُقَبَّلٌ=طيّبُ اللثمِ والسمر
ومُدامي وقد ظفر=تُ بها نشوةُ الظفر
مَنْ مُعيدٌ مَسرَّتي=والزمانَ الذي غبر
حين لم أفتكر بِهَجْـ=ـرٍ، ولا الهاجرُ افتكر
ولقد قيل في الحيا=ةِ، هي اللمحُ بالبصر
هكذا يذهب السُّرو=رُ سريعاً إذا حضر


****



حيرة
بحر الكامل

وقد رآها مستلقية نائمة



ما كنتُ أرغبُ أن أُسمَّى قاسياً=فأُنفِّرَ الأحلامَ من عينيْها
والشوقُ يدفعني إلى إيقاظها=ويدي تحاذرُ أن تُمدَّ إليْها
وكأنّما شَعَرَ الرقادُ بنعمةٍ=فأقام غيرَ مُفارقٍ جفنيْها
ويلٌ لقلبي، كيف لم يفتكْ بهِ=مرأى تَقلُّبِها على جنبيْها ؟
............................=..................... ......
حسبي جوىً أني نظرتُ لشَعرها=ينكَبُّ مُرْتَشِفاً ندى خَدّيها
وأغارُ منه إذا اطمأنَّ بها الكرى=ويُثيرني مُتوسِّداً زَنْدَيْها
أرنو بلَهْفَةِ عاشقٍ لم يبقَ من=صبرٍ لديَّ، وقد حنوتُ عليها
فيصدّني أدبي فأُبْعِدُ هيبةً=وأودُّ لو أجثو على قدميْها
فالنفسُ بين تَهيُّبٍ ممّا ترى=وتَلهُّبٍ، فاحْتَرْتُ في أمريْها
...........................=...................... .......



****




الحبيب الذاهل
البحر الخفيف

على لسان (م...)



قُمْ حبيبي وأطفئِ المصباحا=قد أباحَ الهوى لنا ما أباحا
حبّذا الاعتناقُ إنْ كانتِ الظُّلْـ =ـمَةُ سِتراً من دونه ووشاحا
تحبسُ العينَ عن مَلذّة مَرْآ=هُ، ولكنْ تُسرّح الأرواحا
قُمْ حبيبي= وأطفئِ المصباحا
رقد الكونُ غيرَ تلك العيونِ=في السماوات ساهراتِ الجفونِ
لا تخفْها؛ فلن تبوح بسِرٍّ=وسواها يُثير سوءَ الظنون
وأراها أحنى وأوْفى من الأهْـ =ـلِ، وكم بينَ أهلنا من خؤون
لا تخفْها؛ وانظرْ لها باسماتٍ= مُبْدياتٍ لنا وجوهاً وضاحا
قُمْ حبيبي= وأطفئِ المصباحا
كم سهرنا من قبلُ ليلاً طويلا=فشكا الصمتُ فيه مِنّا العويلا
وبغى البينُ أشهراً لا يبالي=ما نقاسيه صبوةً ونُحولا

الكرماوي
04-04-2007, 11:06 PM
لذة العيش
بحر الرمل


لَذّةُ العيشِ بسفح «الكرملِ»=ليلةَ الكرملِ عُودي كَرَما
ليلةَ الكرملِ عُودي واسألي=عن مُحبٍّ كاد يُودي سَقَما
ليلةََ الكرملِ عُودي وانظري=أيَّ قلبٍ قطّعتْه الزَّفَراتْ
أيَّ نفسٍ زهقتْ بعدُ جوًى ؟=أيَّ روحٍ قد تلاشت حَسَرات ؟
ليس لي غيرُ البُكا والسَّهرِ=وهما للدهر عندي حَسَنات
فيهما ذكرى اللقاءِ الأوّلِ=أرشف الأدمعَ منها واللَّمى
فصِلي الليلَ بليلٍ أطولِ=يا جفوني واذرفي الدمعَ دما
كنتُ أجني ثمراً حلوَ الجنى=رُبَّ طيرٍ.. فوقه لم يقعِ
حوَّم الدهرُ عليه وانثنى=يَدّعي من خيبةٍ ما يدعي
هل درى، يا ويحَه، أنّ المنى=في الهوى لا تُجتَنى بالخُدَع؟
إنّما يُدرِك أقصى الأملِ=ثابتُ القلبِ على ما عزما
من يَرُمْ أمراً بقلبٍ حُوّلِ=ينقضِ الدهرُ له ما أبرما




*************



وحي رسالة
بحر السريع






رسالةٌ واهاً لها واها=شرقتُ بالدمع لفحواها
من غادةٍ عذّبني نأيُها=ما ضرَّ لو كنتُ وإياها
أضراسُها تؤلمها ليتني=أشكو الذي سبّب شكواها
تلك ثناياها التي نَضّدتْ=عِقْدينِ والمكسورُ إحداها
آثارُها في شفتي لم تزلْ=يا ضَلَّ من يجهل معناها
رشفتُ منها سلسلاً بارداً=صادف نِيراني فأطفاها
في ليلةٍ لم أدرِ ساعاتِها=أضعتُ طُولاها وقُصراها
حتى طغى الصبحُ بأنوارهِ=على نجوم الليلِ يغشاها
ورجّع الطيرُ أغاريدَهُ=شجواً فأبكاني وأبكاها
فقلتُ يا طيرُ كذا عاجلاً=قمتَ على اللذّات تنعاها
وقلتُ يا طيرُ متى نلتقي ؟=يا طيرُ هل أحيا وألقاها ؟
ثمّ تعانقنا فللّه ما=تذرف عينايَ وعيناها
قبّلتُها في فمها قُبلةً=ما كان أزكاها وأحلاها
وقبّلتْني مثلَها قُبلةً=ما زلتُ أستنشق ريّاها
تلك هي الزادُ غداةَ النوى=قد يهلك العاشقُ لولاها
حبيبتي عُودي إلى ربوةٍ=أضحى فؤادي رهنَ مَغناها
يا مُنيتي عُودي نُعِدْ ليلةً=ما زال قلبي يتمنّاها
ذقتُ بها منكِ ألذَّ الهوى=فكيف أنساكِ وأنساها




************




في دير قِدّيس
بحر البسيط





لم ألقَ بين لياليَّ التي سلفتْ=كليلةٍ بتُّها في دير قِدّيسِ
ضممتُ حسناءَ لم يُخلَق لها مَثَلٌ=بين الحسانِ ولا حُورُ الفراديس
ما عرشُ بِلقيسَ في إبّان دولتِها=ولا سليمانُ مزفوفاً لبلقيس
يوماً بأعظمَ منَّا في السرير وقد=دام العناقُ إلى قرع النَّواقيس



****



إلى ذات المنديل
مجزوء الوافر





نزيهةُ ليس للمِنْديـ=ـلِ فيما بيننا حاجَهْ
وإنْ سرَّكِ أنْ يبقى=فأنوارُكِ وهّاجه
فيا من تأمر الحُسْنَ=فيُلقي دونها تاجه
فقد قَطّعتِ بالدلِّ =عُرى قلبي وأوداجَه

الكرماوي
04-04-2007, 11:06 PM
إلى م.... ؟
بحر الكامل



خَلّفتُ قلبي فوق سفحِ «الكرملِ»=حيرانَ يسأل عنكِ أهلَ المنزلِ
خَلّفتُه يهفو على غُرف الهوى=في شكل طيرٍ بينهم مُتنقِّل
لم يعلموا ما سِرُّه، فإذا بكى=حسبوه يضحك للربيع المقبل



*************




الزهرتان والشاعر
بحر الكامل




يا زهرةَ الوادي أتيتُ بزهرةٍ=لكِ من رُبا لبنانَ فاح شذاها
والزهرُ أبهى منظراً مَعَ أُمّهِ=فنقلتُها مَعَها فزاد بهاها
وحفظتُها لكِ في الطريق من الأذى=ولأجل عينكِ أضلعي مَثواها
وجمعتُ في آذارَ بينكما فما=أحلاكِ في قلبي وما أحلاها
إني جمعتُكما ولكنْ لم يطلْ=أُنسي بقربكما فواهاً واها
واهاً على ساعات لهوٍ كنتما=يا زهرتيَّ هناءَها وصَفاها
واهاً على روحي التي خلَّفتُها=بين الرُّبا؛ والروحُ حيث هواها
واهاً عليها مهجةً ضيّعتُها=فإذا سألتُكما فهل ألقاها؟

****



وداعاً
المتقارب


وداعاً سأقتل هذا الهوى وأدفنه في ضلوع السنينْ
أردُّ رسائلَكِ الباكياتْ فرُدّي رسائلَ قلبي الحزين
ولكنْ تعالَيْ.. ألم تغدري؟!
وداعاً سأسحق تلك المنى وأنسفها بَدَداً في الفَضا
سأهزأ بالعشق والعاشقينْ وأذهب مستهتراً بالقضا
ولكنْ تعالَيْ.. ألم تغدري؟!
وداعاً وهيهات أنْ نلتقي فما أنا بعدُ المحبُّ الحبيبْ
أطيعي ذويكِ بما يشتهونْ فإنَّ لهمْ فوق حقِّ الغريب
ولكنْ تعالَيْ.. ألم تغدري؟!




***********


اغفري لي إلى م
بحر الخفيف


اغفري لي إذا اتّهمتُكِ بالغَدْ=رِ، فقد كنتُ غائباً عن صوابي
اغفري لي، لعلّ ما كان منّي=صرخةُ الهولِ عند مرأى عذابي
وصدى اليأسِ رجّعتْه ضلوعي=أو بكائي على أماني الشباب
لم تكوني كما زعمتِ، ولكنْ=هالني ما قرأتُه في الكتاب
ولعمري رأيتُ منكِ وفاءً=لم يكن فيه ذَرّةٌ لا رتيابي
اغفري لي ما قلتُه في جنوني=وتعالي أشرحْ إليكِ مُصابي


رُبَّ صَرحٍ مُمَرَّدٍ من أمانيْ=يَ، أظلَّ النجومَ تحت جناحِهْ
قد نَمتْ حوله الأزاهيرُ شتّى=وسقاها الهوى عُلالةَ راحه
فنزلناه آمنين زماناً=نَجْتني من وروده وأقاحه
لم تُحرِّكْ منه العواصفُ ركناً=ولكم خاب مثلُها فـي كفاحه
ثم كانت يدٌ، سأسكتُ عنها=هدَّمتْه إلى سواء الترابِ
أين تلك السماءُ؟ هل كان ذاك الصْـ =ـصَرْحُ فيها مُشيَّداً من سحاب ؟


اغفري لي فإنّ أشقى المحِبّيْـ=ـــنَ مُحِبٌّ حياتُه ذكرياتُ
أينما كنتُ هيّج القلبُ ذكرى=صوَّرتْها آثارُنا الباقيات
ما هنا؟ إنها رسومُ دموعٍ،=وهنا ؟ آهِ إنّها قُبُلات
وهنا؟ طائرٌ يُعيد حديثا=ً لم تغبْ عنه هذه الكلمات:
يا حياتي، لا تغضبي، وتعالَي =عانقيني وأقصري من عتابي
حسبُ قلبي عذابُه، فاغفري لي=يا حياتي فقد لقيتُ عقابي
****




خطرة في الهوى
بحر الطويل



أعيدي إلى المُضْنى وإنْ بَعُد المدى=بُلَهْنيةَ العيشِ الذي كان أرغدا
تَباركَ هذا الوجهُ ما أوضحَ السنى=وما أطيبَ المفترَّ والمتورِّدا
فقدتُكِ فقدانَ الصِّبا، وهلِ امرؤٌ =تولّى صِِباه اليومَ يُرجعه غدا ؟
فقدتُكِ لكنّي فقدتُ ثلاثةً=سواكِ: فؤادي، والأمانيَّ، والهدى
وأبقيتِ لي غيرَ القنوطِ ثلاثةً:=هواكِ، وسقمي، والحنينَ المؤبَّدا
أيا «واديَ الرمّانِ»! لا طبتَ وادياً=إذا هي لم تنعم بظلِّكَ سرمدا
ويا «واديَ الرمّان»! لا ساغ طعمُهُ=إذا أنا لم أمدُدْ لذاك الجَنى يدا
ويا «واديَ الرمّان»! واهاً وعندهم=حرامٌ على المحزون أنْ يَتنهَّدا
كأنيَ لم أنزلْ دياركَ مَرّةً=ولم ألقَ في أهليكَ حُبّاً ولا ندى
ولم تسقِني كأسَ المدامِ حبيبةٌ =وردتُ ثناياها مع الكأسِ موردا
ولم تُوحِ لي شِعراً ولا قمتُ مُنشِداً=ولم يَرْوِ شعري عندليبُكَ مُنشِدا
أخي وحبيبي كنتُ أرجوكَ مُسْعِداً=يسامحكَ الرحمنُ لم تكُ مُسْعِدا
ألم ترني في مصرَ أطلب شافياً=وراعكَ إشفائي على هوّة الردى ؟
ألم ترني في مضجعي مُتقلّباً=أُقلِّب في الأفلاك طَرْفاً مُسهَّدا ؟
ومن عجبٍ أنا شبيهان في الهوى=بمن أنتَ تهوى، هل أطقتَ تجلُّدا!؟
****

الكرماوي
04-04-2007, 11:06 PM
رُمّان كفركنّا
بحر الخفيف



جزتُ بالحيّ في العشيّ فهبّتْ=نفحةٌ أنعشتْ فؤادي المعنَّى
قلتُ: منها، ودرتُ أنظرُ حولي =نظراتِ الملهوفِ يُسرى ويُمنى
.................................=................ ........
وافقتْ نظرتي نداءَ غلامٍ:=«ناصريْ يا رمّانُ!» من «كَفْركنّا»
قلتُ أسرعْ به فِدىً لكَ مالي=وترنَّمْ بذكره وتَغَنَّ
يا رسولَ الحبيبِ من حيثُ لم تَدْ=رِ، لقد جئتَني بما أتمنّى

****



عنتُ الدهر
بحر الخفيف


يومَ كنّا نقول: «عاكسَنا الدَّهْـ=ـرُ»، وجدنا من صَحْبنا من يلومُ
فيقولون: «اتّقِ اللهَ واقنعْ=كم تظلّمتَ طامعاً يا ظلوم
هذه «نزهةٌ» وأنتَ تراها=كلَّ يومٍ، فما عساكَ تروم؟»
ويحَهم لو يَرَوْن ما صنع الدَّهْـ=ـرُ لقالوا: مُعذَّبٌ مشئوم
كنت أرجو لو أن «نزهةَ» أضحتْ=في مكانٍ قد كنتُ فيه أُقيم
لم يكن ما رجوتُ حتى تَرحّلْـ=ـتُ، فمَنْ ظالمٌ ومَنْ مظلومُ؟




*********




إلى ل...

بحر المجتث


أين الرسالاتُ والشَّوْ=قُ؟ فالجوابُ تَأَخَّرْ
كم قلتِ: «شوقي كثيرٌ»=أظنّ شوقيَ أكثر
أسائل البدرَ حَيْرا=نَ عنكِ إنْ هو أسفر
ذكرتُ وجهَكِ فيهِ=والشيءُ بالشيء يُذكَر
كُوني بودّكِ كالبَدْ=رِ، فَهْو يخفى ويظهر

****

إلى م.. أيضاً
بحر المجتث



إلى الحبيب الذي فا=زَ غيرُنا بوصالِهْ
ولم نفز منه إلاَّ =بصدِّه ودلاله
ومن تَعلَّمَ منه الصْـ=صُدودَ طيفُ خياله
هلاَّ تُجرِّب شيئاً =من الهوى واحتماله
عساكَ تعرف ما قد=عرفتُ من أهواله
عساك تسهد، أَفْدِيـ=ـكَ، ليلةً من طواله
لكنْ أراكَ سعيداً=خلِّ الشقيَّ بحاله


****



اقتباسات من القرآن

البسيط - مجزوء الرمل

(1)



مُسَهّدون وهم حيرى محاجرُهم=تنوطها بنجوم الليلِ أسبابُ
إن يَخْبُ للحبّ في أكبادهم قَبَسٌ =سقتْهُمُ من شراب الـمُهْلِ أكواب
وكيف يبغون عن نار الهوى حِوَلاً=«وعندهم قاصراتُ الطَّرْفِ أتراب»


(2)


أنا بالرحمن من حُو=رٍ، يُكسّرْنَ جُفونا
دارجاتٍ كحَمام الْـ=أَيْكِ، يبهرنَ العيونا
قلتُ من هُنّ وقَوْلي=كان جهلاً وجنونا
فانبرتْ منهنَّ حسنا=ءُ، فأذكتْني شُجونا
نحن من سُمناكَ وَجْداً=«وفتنّاكَ فُتونا»


(3)


كبدي من فراقها بينَ بَيْنا=فمتى موعدُ اللقاء؟ وأينا؟
ربِّ طيرٍ مُهاجرٍ غاب عنّا=شاقه وَكْرُه فعاد إلينا
كنتِ تبكين لو رأيتِ بكائي=وقديماً أبكى جميلٌ بُثَيْنا
غيرَ أني ألفتُ همّي وغمّي=«فكُلي واشربي وقَرّي عينا»

****


ما لك والذكريات
بحر المنسرح




ما لكَ والذكرياتُ تذعرها=تثير مكنونَها وتنشرها؟
موءودةٌ في الشجون أدفنها=وفي زوايا السنين أذخرها
أذهل عنها وربّما ذهلتْ=عني وقد جئتَ بي تُذكّرها
يا مُسْعِرَ النارِ كيف أُطفئها=- سامحكَ اللهُ - حين تَسعرها
أما تراني يدي على كبدي=أكاد من زفرٍة أُطيّرها؟
يا رُبَّ نفسٍ للّه مُسْلِمةٍ=قام نبيُّ الهوى يُنصّرها
أعيا على الدهر غَمْزُ جانبها=ما بالُ غمزِ العيونِ يقهرها ؟
كلّفتُها السيرَ والسُّرى شغفاً=ألذُّ حالِ الغرام أخطرها
خلّفتُ بيروتَ مُنعِماً طلباً=للكرمليّات حيث «عِزْورُها»
بلغتُها والظلامُ مُشتمِلٌ=على البرايا والنومُ يُسكرها
ألتمسُ البابَ لا أفوز بهِ=أطوف بالدار لستُ أُبصرها
حتى هداني وميضُ ساريةٍ=أعقبَه قاصفٌ يُفجّرها
سعيتُ للباب ثمّ أطرقهُ=أقفالُه الصلب لو أُكسّرها
ما تنثني نفسُ طالبٍ وردتْ=ظمأى ومرعى الحَمامِ مصدرها
وانفتح البابُ عن مُصلّبةٍ=خيفَةََ شرٍّ هناك يُنذرها
قلتُ: مَسا الخيرِ، هل لملتجئٍ=لديكِ نُعمى هيهات يكفرها؟
قالت: على الرحب! قلتُ: هل نزلتْ=آنسةٌ دارَكم تُعمّرها؟
قالت: أخوها؟ فقلت: «ذاك أنا»=قالت: «أنسعى لها نخبّرها؟
قد أخذ النومُ جفنَها مللاً=بعد انتظارٍ، ترى أنُشعرها؟»
قلتُ: «دعيها غداً أُفاجئها=أحلامُها الغُرّ لا أُنفّرها
أقضي رقادي في غير مضجعها=أخشى إذا استيقظتْ أُسهّرها»
قالت: «ترى الضوءَ؟ ذاك مضجعُها=كنْ جارَها، والصباحَ تبدرها
أراكَ بَرّاً ورُبَّ أخٍ=مُغرىً بأختٍ له يُكدّرها»!
قرابةُ المكرِ أصبحتْ ثقةً=أعشقُ بعضِ القلوب أمكَرُها
يا لَكِ بلهاءَ ودّعتْ ومضتْ=أُثني على لطفها وأشكرها
زَجْراً، وهيهات لاتَ مُزْدجَرٍ=أيّةُ نفسٍ هوجاءَ أزجرها ؟
صبرَكِ يا نفسُ، لاتَ مُصطبَرٍ=ما لم تكن جارتي تُصبّرها
لم أدرِ حين انسللتُ أطلبها=خُطى المحبّين، مَن يسيّرها
حُوريّةٌ في السرير راقدةٌ=وَدَّ «رفائيلُ» لو يُصوّرها
يا معدنَ الحسنِ أنتِ معدنُها=يا جوهرَ الحبِّ أنتِ جوهرها
إنْ أنسَ لا أنسَ وجهَها وبهِ=غِبَّ انتظاري بادٍ تَحيُّرها
عاطفةً جِيدَها، مُوسَّدةً=ذراعَها والدموعُ تغمرها
والوجهُ والصدر باديان سوى=ما انثال من فَرْعها يُخمِّرها
والشوقُ بين الضلوعِ أعرفهُ=من زفرةٍ كالسعير تزفرها
يصيبني لفحُها على كبدٍ=في بُرَح الشوقِ ذاب أكثرها
وثَمّ رمّانةٌ قَدِ اضطربتْ=واقتربتْ تِربُها تُحذّرها
تقول: أختاه تحتنا لهبٌ=يصهرنا دائباً ويصهرها
إن أنسَ لا أنسَ وجهَها وبهِ=غِبَّ انتظاري بادٍ تَحيُّرها
ألمح بين الجفونِ لؤلؤةً=فاز بها النومُ وَهْو يأسرها
أطبقَ أهدابَها فقيَّدها=لولا اضطرابٌ يكاد ينثرها
يا معدنَ الحُسنِ أنتِ معدنُها=يا جوهرَ الحبِّ أنتِ جوهرها
قيدُ ذراعي غصونُ بانَتِها=آوي إلى ظلّها وأهصرها

****

الكرماوي
04-04-2007, 11:07 PM
فرحتي..!
[مجزوء الرمل]
فرحتي يومَ أراها جنّتي نارُ هواها
جنّةُ الحسنِ لديها طيبُها وقفٌ عليها
وَرْدُها في وجنتيها ثَمِلٌ من مقلتيها
هي ريحانةُ قلبي
ليتها كانت بقربي
فرحتي يومَ أراها جنّتي نارُ هواها
ونعيمي في شقائي
كان لي في الحبِّ عهدُ رُبَّ ماضٍ لا يُرَدُّ
فالتقى خَدٌّ وخَدُّ والتقى دمعٌ وشَهْد
جفَّ، يا أيّامُ، دمعي
ضاق بالآلام ذرعي
فرحتي يومَ أراها جنّتي نارُ هواها
ونعيمي في شقائي
بلبلٌ فوق الغصونِ ساحرٌ جَمُّ الفنونِ
يا أخا الصوتِ الحنونِ لستَ تدري ما شجوني
تَتسلَّى، تَتفلّى
وتراني، أتقلّى
فرحتي يوم أراها جَنّتي نارُ هواها
ونعيمي في شقائي
سمع البلبلُ شجوي باكياً أيامَ لهوي
فهفا البلبلُ نحوي هاتفاً: أصغِ لشدوي
قلتُ يا بلبلُ دعني
عُدْ إلى الدوح وغَنِّ
فرحتي يومَ أراها جنّتي نارُ هواها
ونعيمي في شقائي
نُحْ معي فالنوحُ أَوْلى بَعْدَ من أهوى وأحلى
طربَ القلبُ ومَلاَّ أيّها البلبلُ هَلاَّ
بجناحيكَ انقلبتا
وبمن أهوى رجعتا
فرحتي يومَ أراها جنّتي نارُ هواها
ونعيمي في شقائي
الهوى أبلى شبابي جاءني من كلِّ بابِ
من صدودٍ لعتابِ من عذابٍ لعذاب
كلُّ هذا لا يطاقُ
ثم لا يحلو الفراقُ
فرحتي يومَ أراها جنّتي نارُ هواها
ونعيمي في شقائي
عيشُنا ركضٌ بركضِ بعضُنا في إثْر بعضِ
والصِّبا يومٌ ويمضي ليته يمضي ويُرضي
يا فؤادي ما بكائي؟
أتُرى يُجدي ندائي ؟
فرحتي يومَ أراها جنّتي نارُ هواها
ونعيمي في شقائي
****



ذگــرى

بحر الخفيف


جئتَ تتلو عليَّ صفحةَ ماضٍ=مَتْنُها الحبُّ والأسى بين صُحْفي
صاحِ دعْها وخُذْ سواها فإنّي=قد تَبيّنتُها لأول حَرْفِ
صاحِ دعْها؛ فقد دفنتُ أمانِيْ=يَ، ولهوي يا حسرتاه وقَصْفي
وخَلَتْ أضلعي فأمسى خليّاً=غَزَلي في هوى الحسانِ ووصفي
وليالٍ ظفرتُ فيها من الدَّهْـ=ـرِ - على بخله - بنعمةِ عطف
ساهرٌ في ظلامها أقبس النُّو=رَ لقلبي بلثمِ خَدٍّ وكَفّ
وفمٍ كلّما شكا ألمَ الوَجْـ=ـدِ، تَعلَّقْتُهُ بقَطْفٍ ورَشْف
وجُفونٍ ما بين قتلٍ بعنفٍ=أنا منها وبين قتلٍ بلطف
صاحِ يكفي! فقد تولَّتْ ليالٍ=شيّعتْها المنى، بربِّكَ يكفي


****




التفاتـــة
بحر المتقارب



تَلفّتَ قلبي إلى الكَرْمِلِ=وحنَّ إلى عهده الأوّلِ
ومرَّتْ به ذكرياتُ الهوى=رواجعَ من ذلك المنزل
تَلفّتْ كما شئتَ واخفقْ لهُ=سَحائبُ همّكَ لا تنجلي

****





يوم الثلاثاء
بحر المجتث


حسبتُ أنّ الشبابا=وَلّى حميداً وغابا
وما ظننتُ فؤادي=إلا اهتدى وأنابا
هيهاتَ لم يُرضِ قلبي=من الهوى ما أصابا
يا نظرةً لم أُردْها=ساقتْ إليَّ عَذابا
لم أدرِ أنّ الزوايا=يا قلبُ فيها خبايا
رددتَ ماضي عهودي=عليَّ، فاحملْ هوايا
حسبتُ أن دموعي=جفّتْ وأقوَتْ ربوعي
وخِلْتُ نارَ فؤادي=خَبتْ وراء ضلوعي
فأين وجدي وسُهدي=وصبوتي وولوعي؟!
وكان يومُ الثلاثا=شهدتُ فيه العُجابا
اليومُ يومُ الصبايا=روافلاً «بالملايا»
لئن أثرنَ شجوني=ففي الزوايا خبايا
لاحتْ وجوهٌ مِلاحُ=خلف الحجابِ صِباحُ
لكنْ بخلنَ ولـمّا =بخلنَ هبّتْ رياحُ
هذا نِقابٌ، وهذا =شَعْرٌ وهذا وِشاحُ
فانصبَّ نُورٌ وطِيبٌ=على القلوب انصبابا
كم للجمال مزايا=وكم له من سجايا
لولاكِ يا ريحُ كانت=بين الزوايا خبايا



****

حلفت ألاّ تكلميني
مخلّع البسيط



حلفتِ ألاّ تُكلّميني=وسوءُ حظّي قبل اليمينِ
إنْ ترحميني تُعذّبيني =أو تظلميني لا تُنصفيني
يا من هواها أجرى دموعي =وأشعلَ النارَ في ضلوعي
لما تيقَّنْتِ من خضوعي=حلفتِ ألاّ تكلّميني
عرفتِ وجدي وطولَ سُهدي=وكيف أرعى في الحبّ عهدي
اللهُ حسبي، أبعدَ ودّي=حلفتِ ألاّ تكلّميني؟
حملتُ في القلب منكِ غَمّا=أذاب جسمي لحماً وعظما
وكنتِ أقسى عليَّ لـمّا=حلفتِ ألاّ تكلّميني
هذا فؤادي لديكِ رهنُ=ذُهِلتُ عنه فيما أظنُّ
غداً أنادي إذا أحنُّ:=«حلفتِ ألاّ تكلّميني»




****




بعد عام

بحر المجتث

إليها...




هواك أصبح نَسْيا=كلوعتي مَنْسيّا
قد كان شُغْلاً لقلبي=فصار قلبي خليّا
كأنّ حلوَ الأماني=والوصلِ لم تكُ شيّا
مسحتُ آثارَ حُبٍّ=كانت على شفتيّا
فيا جفونُ استقرّي=عاد الرقادُ شهيّا
وارقصْ على حبّ ليلا=كَ، يا فوادُ مليّا



****



هواك جبار
[السريع]
هواكِ جبّارْ على القلب جارْ
أمانْ!! أمانْ!!
من زفرة الليلِ وغمِّ النَّهارْ
أمانْ!
يا أملي يا نورَ مستقبلي أوقعني صمتُكِ في مُشكِلِ
ما خبّأ الدهرُ بعينيكِ لي؟
هلِ ابتسامٌ فيهما أم دموعْ؟ تُذيبُ قلبي كمداً في الضلوعْ
يا ليت مكنونَهما ينجلي
سعادُ لا يهدأ هذا الفؤاد ْ ولن يذوقَ الجفنُ حلوَ الرقادْ
ما لم تصافيني الهوى يا سعادْ
لو كان حظّي منكِ أن تعلمي ما تصنعُ الأشواقُ بالمغرمِ
لرقّ لي قلبُـكِ والدمعُ جادْ
أبصرتُ في جُنح الدجى طائفا كلمحة البرقِ سرى خاطفا
ثم دنا يصعقني هاتفا:
«سعادُ، لم تخطر على بالها ولم تكن موضعَ آمالها..»
ثم تَولّى يسبقُ العاصفا
أصبحتُ لا يَشفي غليلي ابتسام ْ ولا انحناءُ الرأسِ عند السلامْ
أولى بنا لو نتشاكى الغرامْ
يا حبَّذا لُقيا على موعدِ وحبّذا أخذُ يدٍ في يدِ
حتى يقولَ الناسُ هامتْ وهامْ!

ماذا أصاب الروضَ حتى ذوى وا لهفاً والغصنَ حتى التوى ؟
وأيُّ بُرْدٍ للربيع انطوى ؟
الروضُ يُملي يا سعادُ العِبَرْ في زَهَرٍ مثلِ الأماني انتثرْ
يا روضةَ الحسنِ حَذارِ الهوى:

هواكِ جبّارْ على القلب جارْ
أمانْ ! أمانْ !
من زفرة الليلِ وغمِّ النهارْ
أمانْ!

الكرماوي
04-04-2007, 11:07 PM
إلى ذات العصابة الزرقاء
الكامل




رُوحي فداءُ عصابةٍ زرقاءِ=لَمَّتْ شعورَ مليحةٍ حسناءِ
ما زيَّنتْكِ وإنمّا زَيّنْتِها=بجوارها لجبينكِ الوضّاء
ودُنوِّها من مُقلةٍ مكحولةٍ=فتّانةٍ، فتّاكةٍ، حوراء
إنّ الجمالَ إذا تَجمّعَ شملُهُ=فالويلُ كلّ الويلِ للشعراء



****




طيف الأمل
مشطور الرجز





«ألا وما » أعجبَهُ=هوًى بقلبي نزلا
هوًى على عِلاّتهِ=أبني عليه أملا
هوًى لمن لم أرها=يذهب عني مَثَلا
أَقبل عنها راضيا=ً كلَّ حديثٍ نُقِلا
قيل: سمتْ خُلْقاً على=أترابها قلتُ: بلى
قيل: انتهى الحسنُ لها=قلتُ: لها.. واكتملا
قيل: اسمُها «محاسنٌ»=جَلَّ مِنِ اسمٍ وعلا
لا طاب لي عيشٌ إذا=رضيتُ منها بدلا



****



بهاء
مجزوء الوافر




«بَها!» لم تقعِ العينُ=على أبهى ولا ألطفْ
ولا أدنى إلى القلبِ=ولا أشهى ولا أظرف
شُغِفتُ بها ومَنْ يبلُ=غرائبَ دَلّها يُشغَف
وهامَ بها أخي [....]=حتى باع ما أَلّف
وقد صَنّف في الحبِّ=عن العلم الذي صنّف
وقال: الشمسُ والبدرُ=ولا واللهِ ما أنصف
دعِ الشمسَ التي تُكْسَـ=ـفُ، والبدرَ الذي يُخسَف
«بَها» فتنةُ، «رام اللّـ=ـهِ»، مَنْ شَتّى ومن صَيَّف
شفتْ نظرتُها الـمُدْنَـ=ـفَ، لـمّا أوشك المدنف
وكم خالٍ من الأَسْقا=مِ، ردّوه وقد أشرف
«بَها» تطلع والشمسُ=فبادرتُ إلى المشرف
غدتْ معطفُها ازدانَ=بغصن البانةِ الأهيف
صباحَ النّورِ والنُّوّا=رِ والوردِ وما فَوّف
تردّ تحيّةَ الكفِّ=بغمزة جفنها الأوطف
لئن أشغلَها عنّي=طيورٌ حولها تُعلَف
وما تُطعمها الحَبَّ=بَلِ الكرمَ الذي يُقطَف
فبين جوانحي طيرٌ=على أَيْكتها رفرف



****



الغرام الأول
مشطور الرجز



عهدَ غرامي الأَوّلِ=هيهاتَ ما تَرجع لي
أنتَ ومهجتي معاً=أنتَ وحلوُ الأملِ
وليلةٌ زاهرةٌ=سامرةٌ بالقُبَل
وهجعةٌ، أحلامُها=صَحّتْ فلم تُأَوَّل
على ذراعٍ خَضِلٍ=عند فؤادٍ ثَمِل
أنتَ وما أودعتَه=ُ في يد ماضٍ مُسبل
أنتَ وما أضعتَه=ُ بين شِعابِ «الكرمل»
هيهات ما=ترجع لي


****



اشربي
مجزوء الرمل



اشربي أنتِ وحَسبي=نشوةٌ من مُقلتيكِ
اشربي أنتِ وحسبي=نظرة ٌفي وجنتيك
اشربي أنتِ وحسبي=نهلةٌ منٌ شفتيك
اشربي أنتِ ومالي=وحياتي في يديك
نَقَل الكأسُ حديثاً=عن ثناياكِ العِذابْ
أَنّه لولا شذاها=لم يكن لذَّ وطاب
لم يكن يُسكِر لولا=أنّه مَسَّ الرُّضاب
اشربي أنتِ وحَدّثْ=أنتَ عنها يا شراب
أنشديني، أطربيني=بهوى الأندلسِ
أرسلي اللحنَ شجيّاً=كالصَّبا في الغَلَس
هو يا روحي لروحي=كالندى للنرجس
إن أنفاسَكِ فيهِ=لَـحَياةُ الأَنْفُس


****



قصيدة بلا عنوان
المجتث



يا حُسنَها من «رياضٍ»=ملءُ العيونِ نضارهْ
شهدتُها في ديارٍ=تُنسي الغريبَ دياره
أهدى الربيعُ إليها=على المدى آذاره
نسيمُه وشذاهُ تبدو=بكلّ إشاره
وزاد ما شاء فيها=من عِفّةٍ وطهاره
وقال لم أُعطِ هذا=إلا لأمّكِ «ساره»


****



قصيدة بلا عنوان
الكامل




يا كوثرَ الظَّرفِ النَّمير ومصدرَ اللْـ=ـلُطْفِ الغزير وأهلَ كلِّ ثناءِ
هل يستحقّ المدحَ منكِ شويعرٌ=مثلي وأنتِ أميرةُ الشعراء؟
القربُ منكِ إمارةٌ وكفى بهِ=شرفاً أتيه به على الأمراء
ما زرتكم إلا وفزتُ بغبطةٍ=ورجعتُ أحملُ أجملَ النَّعْماء
فالسمعُ من سحر الحديثِ بمعزلٍ=عن كلّ ذاتِ صوادحٍ غنّاء
والعينُ من بِشْر الوجوهِ غنيّةٌ=عن كل بدرٍ مُشرِقٍ وذُكاء
والقلبُ أطربُ ما يكون خفوقُهُ=لزيارةٍفي أهله ولقاء
فلكلّ جارحةٍ لديَّ نصيبُها=في داركم من هذه الآلاء
وشمائلٌ لو كنتُ أبلغ غايةً=من عدّها لعُدِدتُ في البُلَغاء
جُمِـعَ التليدُ إلى الطريف بها فما=زان البنينَ تراه في الآباء
المجدُ منها والمروءةُ والندى=وغريبُ حُسْنٍ في عجيب ذَكاء


****


قصيدة بلا عنوان
البسيط


صدقتِ، ما أنتِ كالخنساء في شَبَهٍ=شتّانَ ما بين دنياها ودنياكِ
أين الشقاءُ من النُّعمى إذا انتسبا؟=هيهات ذاكَ، أدام اللهُ نُعماك
أم ابنُ «صخرٍ» إذا قستِ «الرياضَ » بهِ=وانضمّ ذائعُ ريّاها لريّاك
أم أين وجهٌ أزال الحزنُ رونقَهُ =إلى ابتسامة بِشْرٍ في مُحيّاك؟
وأفضلُ الشعرِ عندي ما يفيض بهِ=سرورُ قائله لا المدمعُ الباكي
وأنتِ كاسمكِ «سارةُ» لا بل أنتِ مصدرهُ=«السرورُ» وسِرّه وأجلُّ الناسِ سَمّاك
بنتَ الخطيبِ، وهل بيتُ الخطيبِ سوى=أَرُومةٍ فَرْعُها عالي السنا زاكي ؟
فداؤكِ المحصَناتُ الغِيدُ مُحصَنةً=روائعُ الحسنِ أضحتْ من رعاياك
لبنانُ يحسد فيكِ الغوطتين على=طرائفٍ نالتاها من مزاياك
ما شئتِ شاعرةً ما شئتِ ناثرةً=ألفاظُكِ الغُرُّ تروي عن ثناياك
أديبةٌ لا يملّ الدهرُ مجلسَها=فإن تقضّى يَنُبْ عنكِ الصدى الحاكي
خطيبةٌ كُشِفَ الخَطْبُ الجليلُ بما=ألقيتِ من عظةٍ، والوحيُ لَبّاك
وحكمةٌ هي بنتُ الدهرِ ما نزلتْ=صدراً كصدركِ أو مغنًى كمغناك
وشعلةٌ من ذكاءٍ لو يؤانسها=موسى على طور سيناءٍ لناجاك
ولا أُحدّث عن روحٍ أخفَّ ولا=نفسٍ أعفَّ، وما تفنى سجاياك
لا زلتِ في ظلّ عزٍّ وارفٍ أبداً =ودمتِ مَغداكِ في النعمى ومَسراك


*****

الكرماوي
04-04-2007, 11:07 PM
أعجب الهوى
الطويل




تَعلّقها قلبي ولم أدرِ ما اسمُها=وفي عينها ما بي وما سمعتْ باسمي
وما كان إلا في الطريق لقاؤنا=ولَحْظٌ - كباقي الناسِ - يرمي ولا يُصمي
أَمَا عجبٌ - والأرضُ ملأى بمثلها=هُيامي بها دونَ الحِسانِ على رغمي؟
وما بالُها لم تحملِ الوجدَ والهوى=لغيري؟ له روحي ولم يعدُهُ جسمي
أراها فلم أملك تَهالُكَ واهنٍ=بجنبيَّ مسلوبِ الجراءةِ والعزم
فيخطف لوني فَرْطُ ما أنا واجدٌ=بها وبما يُلقي هواها على وهْمي
يُخيَّل لي أنّي دنوتُ فأعرضتْ=فأصرفُ وجهي مُثْقَلَ الصدرِ بالغمّ
ظننتُ بها سوءاً ولم تجنِ بَعْدُ ما=يُظنُّ به، ما أشبهَ الظنَّ بالإثم
ويُعربُ عن سرِّ الضلوعِ شحوبُها=إذا ما تلاقينا، فبئس إذن زعمي
وأقسمُ لو حدّثتُها وتكشّفتْ سرائرُنا=ما شذ َّعن همّها همّي
هوىً ألَّفتْ شتّى القلوبِ يمينُهُ=وكم قطّعتْ يُسراه من صلة الرحم
إذا كان في دنيا الهوى مثلما=أرى فأيُّ عجيبٍ في هوى العُمْي والصُّمّ


****



غادة إشبيلية
السريع




أفدي بروحي غِيدَ إشبيليَهْ=وإنْ أذقنَ القلبَ صابَ العذابْ
علقتُ منهنَّ بتِرْبِ النهارْ=وجهاً، وصِنْوِ الليلِ فَرْعاً وعَيْن
في مثلها يخلعُ مثلي العِذارْ=ولا يبالي كيف أمسى، وأين
أشربُ مِنْ فِيها وكأسِ العُقارْ=معاً، فكيف الصحوُ من سكرتين ؟
لهفي عليها يومَ شطَّ المزارْ=وساقها البينُ إلى «النَّيْرَبين »
وَدّعتُها، ومُهجتي مُشفيَهْ=لم يشفني رشفُ الثنايا العِذابْ
وودّعتْ بالنظـرة المــغريه=تصحبُ لُبّي معها في الرِّكاب
يا أعصُرَ الأندلسِ الخالياتْ=قد فاز من عاش بتلك الربوعْ
أهكذا كانت هناك الحياةْ=مُتْرَفةَ الأيامِ ملءَ الضلوع ؟
أهكذا الفتنةُ في الغانيات=ونشوةُ الوصلِ، وَحَرُّ الولوع ؟
لئن مضى عهدُ ذوينا وفاتْ=ولم يَعُد من أملٍ في الرجوع
فذمّتي بعهدهم مُوفِيه=أردّ ماضيهم ببذل الشبابْ
أنا «ابنُ زيدونَ» وتصبو لِيَهْ=«وَلاّدةٌ » في دمها والإهاب
أولُ عهدي بفنون الهوى=بيروتُ، أَنْعِمْ بالهوى الأوّلِ
وقيل هل يرشد قلبٌ غوى=والرشدُ غيٌّ في الصِّبا المقبل
مددتُ - لما قلتُ قلبي ارتوى=يدي، فردّتْه عن المنهل
بيروتُ، لو شئتُ دفعتُ النوى=طوعاً، ولم أهجركِ، فالويلُ لي
في ذمّة اللهِ مُنىً مُودِيَه=باسقة ٌخضراءُ، لُدْنٌ رِطابْ
لعلَّ في أختكِ يا سُورِيَه=حُسْنَ عزاءٍ عن جليل المصاب
يلذّ لي يا عينُ أن تسهدي=وتشتري الصفوَ بطيب الكرى
لي رقدةٌ طويلةٌ في غدٍ=لِلّه ما أعمقَها في الثرى
ألم تَرَيْ طيرَ الصِّبا في يدي ؟=أخشى مع الغفلةِ أن ينفِرا
طال جناحاه وقد يهتدي=إلى أعالي دوحِه مُبْكِرا
أرى الثلاثين ستعدو بِـيَهْ=مُغيرةٌ أفراسُها في اقترابْ
وبعد عشرٍ يلتوي عُودِيَه=وينضب الزيتُ ويخبو الشهاب
لا بدَّ لي إن عشتُ أن أعطفا=على رُبا الأندلسِ الناضره
وأجتلي أشباحَ عهدِ الصَّفا=راقصةً فتّانةً ساحره
هناك لا أملك أن أذرفا=دمعي على أيامنا الغابره
عساكَ يا دمعَ مُحبٍّ وفى=تردّ جنّاتِ المنى زاهره
يومئذٍ أُلقي على عُودِيَهْ=لحنَ الهوى أمزجه بالعتابْ
أفدي بروحي غِيدَ إشبيليه=وإن أذقنَ القلبَ صابَ العذاب


****


عاش كلانا بالمنى
مجزوء الرجز



كان هزاراً طَرِبا=بالحسن مُفْتَنّا
فابتسمَ الحبُّ لهُ=فأحسنَ الظنّا
ثُمَّ رماه بالتي=تُبدِّلُ اللحنا
بات يهيمُ نائحاً=وطالما غنّى
حُكْمٌ به الحبُّ قضى=ما أظلمَ القاضي
حسبُكَ أن ترضى بهِ=فإنني راضِ
دَعْكَ من الماضي فلو=عُدتَ إلى الماضي
وجدتَ وصلَ ساعةٍ=ودهرَ إعراض
صَحّ الذي جرّبتُهُ=عند «أبي سلمى»
الحبُّ يقتادُ الفتى=وقلبُهُ أعمى
يسمو به حتى إذا=بَوّأهُ النجما
رمى به من حالقٍ=يحطِمُهُ حطما
عاش كلانا بالمنى=نُرسلُها شِعرا
تلك رُفاتٌ بليتْ=تبعثها الذكرى
نصوغُها ابتسامةً=أو دمعةً تُذْرى
نشقى به حتى تَحيـ=ـنَ الراحةُ الكبرى


****




طير الصبا

طيرُ الصِّبا ولّى وكان لي جارْ
قلتُ له: «هلاّ تعود للدّار؟»
فقال لي: «كلاّ كلاّ» وطارْ
أظنّه مَلاّ
منِّي الجوارْ
خلَّفني أبكي عهدَ الهوى
خُلِعتُ من مُلْكي عرشي هوى
عاش على الفتكِ قلبٌ غوى
واليومَ في ضَنْك واهي القوى

قال «أبو سلمى » زَيْنُ أترابي:
«صِباكَ قد هَمَّا.. خَلِّ التصابي»
فهاج لي غَمّا أقتلَ مِمّا بي
قلتُ: «نَعم حتما وَشاب أحبابي»



*****


المغامرة
الخفيف



رُبَّ يومٍ كأنما كرع البَحْـ=ـرَ، فغطّى السماءَ بالـمُعْصِراتِ
يتزاحمنَ في الفضاء الهُوَينى=مُسبِلاتِ الذيولِ مُنهمِرات
جَمّد القَرُّ معشرَ الطيرِ حتى=بكمتْ في الوُكون مرتكمات
عصف الشوقُ يومَذاك بأَضْلا=عي، فأزرى بثورة العاصفات
لم يزل بي حتى تجشّمتُ هولَ السْـ=سَيْرِ عَدْواً إلى الحبيب المؤاتي
أَتَقرّى بين الهضابِ طريقي=مستنيراً مَقادحَ الزفرات
أترعتْ لي كأسَ المدامِ وقالتْ:=هاكِ، لا ترفضنّها بحياتي!
قلتُ: منها اشربي قليلاً فلمّا=مزجتْها بِرِيقها، قلتُ: هاتي!

*****


ذكرى عشية زهراء
الكامل



هل «كَفْرُكَّنةَ» مُرجِعٌ لي ذكرُها=ما فاتني من عنفوان شبابي؟!
أم في صباياها وفي رُمّانها=ما يبعث المدفونَ من آرابي
لو تنفعُ الذكرى ذكرتُ عشيّةً=زهراءَ بين كواعبٍ أتراب
فيهنّ آسرةُ القلوبِ بحسنها=ودلالها وحديثِها الخلاّب
روحٌ أخفُّ من النسيم وخاطرٌ=كالبرق مقرونٌ بحُسن جواب
غُرٌّ ثناياها وأشهد أنها=ممزوجةٌ رَشَفاتُها بشراب
نُلقي أحاجي بيننا فتُثيرنا=للضحك خاطئةٌ وذاتُ صواب
ونُردّد الألحانَ، بين شجيّةٍ=تُمري مدامعَنا، وبين عِذاب
ولقد نُعرِّضُ باللقاء لموعدٍ=فيها، ونُسلكها طريقَ عتاب
قمنا وقد سقط الندى وتزاحفتْ=سُجُفُ الغمامِ ثقيلةَ الأهداب
تُخفي مُحيّا البدرِ ثمَّ تُبينهُ=عبثَ المليحةِ دوننا بنقاب
وجفتْ مضاجعَها الجنوبُ وملؤها=خفقانُ مضطرمِ الهوى وثّاب
بتنا على صفوٍ وخوفِ تَفرُّقٍ=للعاشقين مُهَيَّئِ الأسباب
«نيسانُ» هان عليَّ حكمُـكَ بالنوى=لـمّا تحطّمتِ المنى في «آب..»
يا ليت من فَجعتْ فؤادي بالمنى=لم تُبقِ لي ذكرى تُطيل عذابي

****

الكرماوي
04-04-2007, 11:07 PM
هدية رمان
الخفيف



قد فهمنا مِنَ الهديّة معنى=غيرَ معنى الرمّانِ من «كفركنّا»
فأثارتْ ذكرى وهاجت جراحاً=تركتْني من الصبابات مُضْنَى
قريةٌ يُقرَن اسمُها باسم «إبْرا=هيمَ»، ممّا تفيض حُبّاً وحُسْنا
ملعبٌ للصبا وقد كان يُوحي=كلَّ يومٍ مهما أفاض وأَثْنى

****

صورتها المكبّرة
السريع




بَرّحَ بي الشوقُ فلمّا طغى=فزعتُ للرسم فكبّرتُهُ
وما شفى داءً، ولكنّما=قلبي شكا البعدَ فعلّلته
ولم أجدْ في الرسم أخلاقَها=جَرّبتُها حيناً وجَرّبته
منتظري في غرفتي دهرَهُ=جُودُ بخيلٍ ما تَعوّدتُه
ظلّ وقد ناجيتُه باسماً=ولـم يمانــعْ حــــين قبّلتُه
عرفتُ للرسّام إبداعَهُ=وعدتُ للرَّسم فأنكرتُه
قد فاته دلٌّ تعرّفتُه=فيها، ومَطْلٌ كم تذوّقته
لو جاءني الرسّامُ بالمشتهى=كفرتُ................... وأشركته

*****

بعد أعوام... للذئب، لا للحب، رباها
السريع



كم قائلٍ لو كنتَ تلقاها=لأنكرتْ عيناكَ مرآها
ذابلةً، ناحلةً، قد محتْ=يدُ الأسى القاسي مُحيّاها
لا تلقَها، لا تَرَها، إنها=مَرَّ بها الموتُ فأخطاها
وسائلٍ هل بقيتْ فضلةٌ=لديكَ من حبّها وذكراها!
قد مرَّ عامان وها ثالثٌ=وواحدٌ كافٍ لتنساها
وأنتَ كالنحلة من زهرةٍ=لزهرةٍ تُسليكَ إياها
أخطأتما لم تعرفا ما الهوى=كلاكما عن كنهه تاها
السقمُ لا يصرف وجهَ امرىءٍ=عن وجه محبوبه وإن شاها
كلا ولا يُقصيه يوماً ولو=كان من الأسقام أعداها
والموتُ ما أبلى هوى عاشقٍ=ومهجة المعشوقِ أبلاها
دونكَ قيساً مثلاً إنّهُ=إن جئتَ بالأمثال أعلاها
ما زال يغشى قبرَ ليلى إلى=أن أسلم الروحَ فلبّاها
ألا ترى النحلةَ مهما حلا=زهرُ الرُّبا لم تنسَ مأواها
تَطلّبتْ عيني سواها، وقد=تَعلّقَ القلبُ بمغناها
نعم، تذوّقتُ هوى غيرها=فلم يطبْ للقلب إلاّها
وإنْ أجدْ حُسْناً فمن حُسْنها=أو نفحةً فتلك ريّاها
أو قلتُ في شكوايَ (آهاً) سَرَتْ=وردّدَ الوادي صدى آها
مظلومةٌ سِيقتْ إلى ظالمٍ=نَغّصَ مَغداها ومَسراها
كان أبوها راعياً غاشماً=للذئب لا للحبّ ربّاها
****

إلى الممرضة الروسية
السريع


يا حلوةَ العينين يا قاسيَهْ=سَرعانَ ما أصبحتِ لي ناسيَهْ
أمّا أنا فلستُ أنسى يداً=ناعمةً تجود بالعافيه
لئن شفى الطِبُّ ضَنىً عارضاً=فمهجتي أنتِ لها شافيه
وإبرةُ الآسي على نفعها=أفعلُ منها نظرةٌ ساجيه
تبعثها عيناكِ في أضلعي=فيّاضةً بعطفها، آسيه
تلأم قلباً نكأتْ جرحَهُ=فعاد يهوى مَرّةً ثانيه
وتُطفئ النّارَ التي حُرِّكتْ=فأرجعتْها زفرةٌ حاميه
قيصرةَ الحسنِ، ألا أشتكي=إليكِ من جَوْركِ يا طاغيه؟
هل كان نسيانُكِ لي هفوةً=أم خُطّةً أشراكُها خافيه ؟
سيّدتي، ذنبُـكِ مهما يكنْ=تغفره أعذارُكِ الواهيه


****


ناشدتكِ الإسلام
السريع


إلى فوز...




يا «فوزُ» ويلي منكِ يا قاسيَهْ=عَذّبتِني ظلماً، كفى ما بِيَهْ
أراكِ في اليوم ثلاثاً ولا=أنالُ إلا النظرةَ الجافيه
واللهِ لو تدرين ما قصّتي=ما كنتِ عن حالي إذن راضيه
بل كنتِ لي عوناً على غربتي=وكنتِ لي راحمةً آسيه
مرضتِ أياماً ولم تطلعي=ظللتُ فيها مهجتي داميه
أسأل عنكِ الناس مستخبِراً=ولهانَ أدعو لكِ بالعافيه
حتى إذا أبللتِ يا منيتي=خَفَّفَ عني اللهُ بلوائيه
بشراكَ يا قلبي فقد أصبحتْ=تغدو إلى مَلْعبِها ثانيه
مليكةٌ ما بين أترابها=يا ليتني كنتُ مع الحاشيه
يا وردةً تُرسلُ أنوارَها=فيضاً على الكونْ من الرابيه
يا ربّةَ المنديل مِنْ تحتِه=نَبْعَةُ حُسْنٍ ثَرَّةٌ صافيه
ناشدتُكِ الإسلامَ لا تقتلي=أخاكِ في دينكِ يا قاسيه


****

إلى ذات السوار
الهزج




هبيني لا أُسمّيكِ=ولا أُظهر حُبّيكِ
وتُلقى بيننا الحُجْبُ=فأحيا لا أُلاقيك
هبي ما شئتِ؛ إنّ القَلْـ=ـبَ، ما انفكّ يناجيك
ويرتاح إلى النجوى=وفي النجوى يُحيّيك
ويطغى الليلُ والشوقُ=فيدعوكِ ويبكيك
ويستأنس بالصبحِ=لما يرويه عن فِيك


****

بلا عنوان
الرمل




لم تزل تهجرني منذ سنينْ=ليتني أنعم يوماً برضاكْ
كنتُ في روضٍ أنيقٍ فإذا=بحبيبين من الطير هناك
إنْ هما طارا يكونان معاً=ومعاً لفّهما دوحُ الأراك
ليتنا يا هاجري مثلَهما=في تعاطينا الهوى، لكنْ أراك
لم تزل تهجرني منذ سنينْ=ليتني أنعم يوماً برضاك
ههنا نرجسةٌ قَبَّلها=عاشقٌ هام بها يُدعى نسيمْ
منحتْه طيبَها يُشفى بهِ=كلُّ ذي قلبٍ من الهجر سقيم
ليتنا يا هاجري مثلُهما=في تساقينا الهوى، لكنْ أراكْ
لم تزل تهجرني منذ سنينْ=ليتني أنعم يوماً برضاك
في ظلام الليلِ لاحت نجمةٌ=وهفا نجمٌ إليها مُطرِقا
يا حبيبَ الروحِ ها إنهما=في عتابٍ وانقضى، فاعتنقا
ليتنا يا هاجري مثلُهما=في تشاكينا الهوى، لكنْ أراك
لم تزل تهجرني منذ سنينْ=ليتني أنعم يوماً برضاك
شملَ الكونَ الرضا حتى غدا=وَهْو طِيبٌ وجمال وصَفا
يا ملولَ القلبِ ما في الكون من=عاشقَيْنِ اثنين إلا ائتلفا
فمتى يا هاجري منكَ الرضا؟=ومتى يصفو الهوى؟ لكنْ أراكْ
لم تزل تهجرني منذ سنينْ=ليتني أنعم يوماً برضاك


****

مآتم في حنايا القلب
مجزوء الوافر




ألا لا تذكرِ الناسا=لصبٍّ شارفَ الياسا
لقد غطّى على عيني=هواها ومحا الناسا
فيا من ذَوّبَ القلبَ=ويا من شيَّبَ الراسا
لقد أمعنتَ بالخافِـ=ـقِ إيلاماً وإتعاسا
ويا للّه ما لاقى=ويا لله ما قاسى
ألم يأنِ لهذا القَلْـ=ـبِ، أن يعرف إيناسا؟
ألا تملأ يا حبُّ=بغير الدمعِ لي كاسا
يلومون دعوا اللوم=َ فلا أسمع وسواسا
ومن يبقى له عقلٌ=إذا ما قَدُّها ماسا؟
مآتمُ في حنايا القَلْـ=ـبِ، هل تُصبح أعراسا؟


*****

بلا عنوان
مجزوء الكامل



إنّ التي عانقتُها=أخذتْ عن الروضِ الشمائلْ
ألفتْ منادمةَ الغَديـ=ـرِ، وحاورتْ ظلَّ الخمائل
وتعلّمتْ من طيرها=لحنَ العنادلِ والبلابل
تاللهِ لم تترك غرا=ئبُ حُسْنِها قولاً لقائل


****


بلا عنوان
المجتث



كفاكَ يا قلبُ شكوى=من حبّ سلمى و«سلوى» !
واحترتَ يا قلبُ فانظرْ=بأيّ نارَيْك تُكوى ؟!
تُذيقني الحبَّ «مُرّاً»=تخاله أنتَ «حُلْوا»
إني لأَجزعُ إنْ قِيـ=ـلَ : عاد قلبُكَ يهوى !
فقد وقعتُ ببلوى !=نهضتُ منها لبلوى !
وفي الزوايا بقايا=أبغي إليها سُلُوّا !
يا قلبُ وحدَكَ فاخفقْ=لا أستطيع رُنُوّا !

*****

بلا عنوان
الرجز



لم تدرِ ماذا قد أصاب قلبي=أصابه بعضُ شُواظِ الحبِّ
رمتْه عن بُعْدٍ معاً وقُرْبِ=إحدى غواني «جِلَّقٍ » وحسبي
فراح خفّاقاً شديدَ الضربِ=يُنذر بالويل وطول الكَرْب
فجئتُ أستشير «أهلَ الطِبِّ»=إنْ شاء يُذكي نارَه أو يُخبي

****

الكرماوي
04-04-2007, 11:07 PM
لا تهبْ قلبكَ الكريمَ لئيماً ... تحت رجليه عابثاً يُلقيهِ




الشعر الاجتماعي




*******



بلا عنوان
الطويل




لعمركَ إن جار الزمانُ وفَرّقا=وهذا زمانٌ غدرُه ليس يُتّقى
فيا رسمُ كنْ ضدَّ الزمانِ وغدرهِ =بضمّـكَ جسمَيْنا فإنّ لكَ البقا
كلانا صديقٌ والفؤادان واحدٌ=ولو كان دَيْنٌ عن أخيه تفرّقا
وأُدعى كما يُدْعى وأشقى شقاءَهُ=ويشقى شقائي إن ألمّ بيَ الشَّقا
ستجمعنا هذي الوُرَيقةُ إن قضتْ=علينا النوى في الأرض أن نتفرّقا


*****

ملائگة الرحمة
مجزوء الكامل



بِيضُ الحمائمِ حسبُهنَّهْ=أنّي أُردّدُ سجعَهنّهْ
رمزُ السلامَةِ والوَدا=عةِ منذ بدءِ الخلقِ هُنَّه
في كلِّ روضٍ فوق دا=نِيَةِ القطوفِ لهنَّ أنَّه
ويملْنَ والأغصانَ ما=خَطَرَ النسيمُ بروضهنَّه
فإذا صلاهنَّ الهَجيـ=ـرُ هببْنَ نحو غديرهنَّه
يهبطنَ بعد الحَوْم مِثْـ=ـلَ الوحيِ، لا تدري بِهنَّه
فإذا وقعنَ على الغَديـ=ـرِ، ترتَّبتْ أسرابُهنَّه
صَفَّيْنِ طولَ الضّفَّتَيْـ=ـنِ، تَعرَّجا بوقوفهنَّه
كلٌّ تُقبّلُ رسمَها =في الماء ساعةَ شُربهنّه
يُطفئنَ حَرَّ جُسومِهِنْ=ـنَ بغمسهنَّ صدورَهنَّه
يقع الرّشاشُ إذا انتفضْـ=ـنَ لآلئاً لرؤوسهنّه
ويطرْنَ بعد الابترا=دِ إلى الغصْونِ مُهودِهنَّه
تُـنبيكَ أجنحةٌ تُصَفْـ=ـفِقُ كيف كان سُرورُهنّه
ويُقرُّ عينَكَ عَبْثُهُنْ=ـنَ، إذا جثمنَ، بريشِهنَّه
وتخالهنَّ بلا رؤو=سٍ حين يُقبلُ ليلُهنَّه
أخفَيْنَها تحت الجَنا=حِ ونمنَ ملءَ جُفونهنَّه
كم هِجْنَني ورويتُ عَنْـ=ـهُنَّ الهديلَ، فديتُهنَّه !
المحسناتُ إلى المريـ=ـضِ، غَدونَ أشباهاً لهنَّه
الرَّوضُ كالمستشفيا=تِ، دواؤها إيناسُهنَّه
ما الكهرباءُ وطِبُّها=بأجلَّ من نَظَراتِهنَّه
يشفي العليلَ عناؤهنْ=ـنَ وعطفهنَّ ولطفُهنَّه
مُرُّ الدواءِ بفِيكَ حُلْـ=ـوٌ من عذوبة نُطقِهنَّه
مهلاً، فعندي فارقٌ=بين الحَمامِ وبينهنَّه
فلربّما انقطع الحَما=ئمُ في الدُّجى عن شدوهنَّه
أمَّا جميلُ المحسنا=تِ، ففي النهار وفي الدجنَّه


*****

مناجاة وردة
السريع


جنى عليكِ الحسنُ يا وردتي

وطيبُ ريَّاكِ فذقْتِ العذابْ

لولاهما لم تُقطفي غَضَّةً

بل لا نْطوى في الروض عنكِ الشباب

لولاهما مرَّ بكِ العاشقونْ

لا ينظرونْ

وربما أعرضَ عنكِ الندى
وجازكِ الطيرُ فما غرَّدا
عُرفتِ بالفضل وكم فاضلٍ
جنى عليه الفضلُ يا وردتي

****
روضتُكِ الغنَّاءُ يا وردتي
قد أنبتتْ من كلّ زوجٍ بهيجْ
تنفَّسَ الصبحُ بأزهارها
عن ضاحكِ اللَّونِ زكيّ الأريج
نَسرينُها، ورَنْدُها، والأقاحْ

كلٌّ مُباحْ

تَنْقلُ عنها نَسَماتُ الصَّبا
تحيّةً لكلِّ قلبٍ صَبا
وطوَّفَ الناسُ بأرجائها
فوقَّفوا عندكِ يا وردتي !

****
للّهِ ما أصدقَها حكمةً
فاه بها «المجهولُ في عهدهِ »
«تشتاقُ أيارَ نفوسُ الورى
وإنَّما الشوقُ إلى وردِهِ»
تعزيةٌ أودعَ فيها الضَّريرْ

حُكْمَ البصيرْ

ألم يكنْ في قومِه كوكبا
لاحَ ليمحو نورُه الغيهبا
فما لهم آلمهُمْ فضلُهُ
حتى لقد آذَوْه يا وردتي

****
تَحكُّمُ الناسِ بمُسْتضعَفٍ
سِرٌّ من الأسرار لا يُدرَكُ
يا وردتي ورُبَّ سهْلٍ بدا
طريقُه يُهلِك من يسلُكُ
هل حسبوا غُصْنَكِ لـمّا دنا

سهلَ الجنى ؟

كلاّ، بَلِ النَّفسُ التي تضعُفُ
تصطنعُ البأسَ فلا تعرفُ
والسرُّ في بطشِ الورى خوفُهمْ
منْ هذه الأشواكِ يا وردتي

****

حرب بالاس أوتيل البسيط



لا تعبأنَّ بطيف الهمِّ إنْ طافا =واقصدْ مصايفَ رام اللهِ مُصطافا
وانزلْ بفندق «حربٍ» إن نزلتَ تجد=ْ جنّاتِ عدنٍ على جنبَيْه ألفافا
لكلّ حُسنٍ نصيبٌ من بدائعهِ:=شاقت عيوناً وأسماعاً وآنافا
غرائبُ الحسنِ، أنّى شئتَ، ماثلة=ٌ تحار فيهنَّ أنواعاً وأصنافا
نزلتُ فندقَ «حربٍ» فانثنتْ هربا=ً عني الهمومُ وعاد الصفوُ أضعافا
ذكرتُ فيه لآذارٍ فواضلَهُ=من بعدما سامني تمّوزُ إتلافا
قصرٌ أطلّ على «الوديان» مرتفعا=ً لو كان ينطق نادى: «هذه يافا»
تخاله، وهو رأسٌ في قواعدهِ=إذا دجا الليلُ، بالأنوار رجّافا
لي ليلةٌ من ليالي الأنسِ واحدةٌ =ما ضرَّ لو أصبحتْ في العمر آلافا
شهدتُ فيها وجوهَ البِشْرِ باسمةً=وفي «مَحاربَ» روضَ الأُنسِ مئنافا
والغِيدُ لؤلؤةٌ في جنب لؤلؤةٍ=جعلنَ من غُرفٍ في القصر أصدافا
برزنَ بعد طوافِ الكأسِ مترعةً=يَجُبْنَ عازفةً تشدو وعَزّافا
وهبّ للرقص فتيانٌ فلستَ ترى=إلاّ مَعاصمَ قد رنّحنَ أعطافا
أقبلْ على كلّ مشروعٍ رأيتَ به =ِ خيراً لنفسكَ والأوطانِ قد وافى
والمالُ ما دام للأوطان مرجعُهُ =لا تدعُ إنفاقَه في اللهو إسرافا


*****

ليلى كوراني
الرمل




بين ليلى وسعادٍ ومُنى=حار «إلياسُ» كما حِرتُ أنا
غيرَ أنّي لا أرى من عجبٍ=أن يكون الاسمُ قد حيّرنا
تكثر الأسماءُ في شيءٍ إذا=كَثُرُ المعنى به أو حَسُنا
طفلةٌ عن والديها نسخةٌ=كرمتْ أصلاً وطابت معدنا
قل لوجه البدرِ إن قابلتَها=جاءكَ الحسنُ انعكاساً من هنا
لكنِ البشرى بليلى أنها=أولُ الازهارِ في روض الهَنا
أَطعمِ العُزّابَ ربّي مثلَها=ربِّ ما ضرّكَ لو أطعمتَنا ؟
ربِّ أطعمْني غلاماً شاعراً=لدواعي الحُسْنِ مثلي مُذعِنا
وليكنْ مجنونَ ليلى وليكنْ=طيّبَ القلبِ ظريفاً لَسِنا
وليكنْ مثلَ أبيه: إننا=لم نوفِّر غادةً في شِعرِنا

*****

الحبشي الذبيح
.. هذه الديكة الحبشية أو الديكة الهندية - إذا شئت - التي يذبحونها على رنين الأجراس وأفراح المعيّدين لتكون (عروس المائدة) تعمل فيها المدى تقطيعاً وتشذيباً لتمتلئ بها البطون مروية بكؤوس الخمر من بيضاء وحمراء..
كذلك هي الأمم المغلوبة على أمرها كانت، وما برحت «عروس الموائد» شأن «الحبشي الذبيح» أما ريشه فتُحشى به الوسائد، وأما لحمه فتحشى به البطون.
«جريدة البرق البيروتية»



الحبشي الذبيح
الكامل


برَقتْ له مسنونةً تتلهَّبُ=أمضى من القدرِ المتاحِ وأغلبُ
حزَّتْ فلا خَدُّ الحديدِ مُخضَّبٌ=بدمٍ ولا نحرُ الذبيحِ مُخضَّب
وجرى يصيحُ مُصفِّقاً حيناً فلا=بصرٌ يزوغُ ولا خُطىً تتنكَّب
حتى غَلَتْ بي رِيبةٌ فسألتُهم :=خان السلاحُ أَمِ المنيَّةُ تكذب ؟
قالوا حلاوةُ روحه رقصتْ بهِ=فأجبتُهم ما كلُّ رقصٍ يُطرِب
هيهاتَ، دونَكَهُ قضى، فإذا بهِ=صَعِقٌ يُشرّق تارةً ويُغرِّب
وإذا به يَزْوَرُّ مختلفَ الخُطى=وزكيّةٌ موتورةٌ تَتصبَّب
يعدو فيجذبه العياءُ فيرتمي=ويكاد يظفر بالحياة فتهرب
مُتدفّقٌ بدمائه مُتقلِّبٌ=مُتعلّقٌ بذِمائه مُتوثِّب
أعذابه يُدعى حلاوةَ روحِهِ ؟=كم منطقٍ فيه الحقيقةُ تُقْلَب
إنّ الحلاوةَ في فمٍ مُتلمّظٍ=شَرَهاً ليشربَ ما الضحيّةُ تسكب
هي فرحةُ العيدِ التي قامت على=ألمِ الحياةِ، وكلُّ عيدٍ طَيّب

*****

آل عبدالهادي
الكامل
(بمناسبة افتتاح ناديهم في نابلس)


عهدَ الجدودِ سقاكَ صَوْبُ عِهادِ=ورجعتَ للأحفاد بالإسعادِ
ماضٍ تَحصّنتِ البلادُ بظلّهِ=من كيد مُنتدَبٍ وصولة عاد
المشرفيّةُ في الوغى خطباؤهُ=تعلو منابرَ من مُتون جِياد
وشَبا الأسنّةِ فيه ألسنَةٌ إذا=نطقتْ فمنطقُ سؤددٍ وسَداد
وطنيّةٌ إن لم يكن عُرِف اسمُها=لم يَخْفَ جوهرُها على الأجداد
وتحرّجوا أن لا يمسَّ حروفَها=قلمُ الجبانِ يخطُّها بمِداد
حمراءُ أوردها الدماءَ حفاظُهم=كدراءُ لم تنفض غبارَ جهاد
سائلْ بها «عزّونَ » كيف تخضَّبتْ=بدم الفرنجةِ عند جوف الوادي
دعتِ الرجالَ ولم تكد حتى مشتْ=هِممٌ إلى الهيجاء كالأطواد
ثم التقوا تحت السيوفِ وبينهم=كأسُ الحتوفِ تقول هل من صاد
كسروا من النسر الكبير جناحَهُ=ذي التاجِ والأعلام والأجناد
تركوه يجمع في الشعاب فلولَهُ=ويصبّ لعنتَه على القُوّاد
رجع الأباةُ الظافرون وليس من=مُتبجّحٍ فيهم يصيح: بلادي
هل أهلكتْ «فرّوخَ » إلاَّ نخوةٌ=منّا لعسفٍ فيه واستبداد؟
لِمَ يا دعاةَ السوءِ يُطمَس فضلُ مَنْ=أضحى غداةَ الظلمِ أوّلَ فادي ؟
ثارت «بصالحَ» نخوةٌ قذفتْ بهِ=في وجه أقبحِ ظالمٍ مُتََماد
ومضتْ به صُعُداً إلى كرسيّهِ=والموتُ في يده وراءَ زناد
ألقى به وبظلمهِ من حالقٍ=مُتضرِّجَيْن بحُمرة الفِرْصاد
هل عهدُ «إبراهيمَ» غيرُ صحيفةٍ=قد أشرقتْ بالعِلْيَة الأمجاد ؟
أهلُ الفَعال الغُرِّ من أنجادهِ=وذوي الحفاظِ الـمُرّ من أنداد
كَرُمتْ نحيزتُهم فهم نبلاءُ في=أهوائهم نبلاءُ في الأحقاد
قالوا: أتمدح؟ قلتُ: أهلَ فضائلٍ=وفواضلٍ من آل عبدالهادي
أصفيتُكم ودّي وأعلم أنّهُ=ثقل ٌ على اللؤماء من حُسّادي
لم يبتهجْ قلبي كبهجته بكم=لما تَجمّعَ شملُ هذا «النادي»
شمختْ بطارف مجدكم أركانُهُ=وتوطّدتْ منكم بخير تِلاد

*****

سر يا أبا الغيث
المتقارب




فراقُكَ في المطلب الطيّبِ=فشَرِّقْ إذا شئتَ أو غَرِّبِ
وسرْ يا أبا الغيثِ عن منزلٍ=رحيبٍ إلى منزلٍ أرحب
وماذا يضّركَ ألا يكونَ=دمشقَ وعصفورةَ النَّيْرب
فلسطينُ بعضُ دمشقَ الشآمِ=ووادي الكنانةِ من يثرب
ولكنْ فراقُكَ أشجى المحبَّ=وشقَّ الوداعُ على المعجَب

*****
مصرع بُلبُل
هذه حكاية رمزية تمثل ناحية من الواقع في حياة المدن الكبرى حين يدخل غمارها الشاب قادماً من البلدة الصغيرة أو القرية البسيطة.. هذه الحياة الصاخبة تخلب ذلك الشاب بزخرفها وفنون لهوها وألوان عبثها، تجتذبه فيرتمي بين أحضانها ويلقي بقياده إليها فتذهب به في مزالق الضلال كل مذهب.
ثم تُسفر هذه الحياة عن وجه كالح، وتنقشع نشوتها عن صحو مضى أوانه.. فإذا هنالك إفلاس في أحد ثلاثة: في المال، أو الصحة، أو المستقبل. وكثيراً ما أُعلن الإفلاس في الثلاثة جميعاً، وهناك الفاجعة الأبدية.. أما «البلبل» في هذه الحكاية فرمز الشاب المخدوع، وأما «الوردة» فترمز إلى بائعة اللهو والعبث.. وأما «الروض» فهو رمز الحانة أو الملهى



مصرع بُلبُل
الخفيف





قدَرٌ ساقه فآواهُ روضاً=لم يكن طار فيه قَبْلاً وغنّى
فاستوى فوق أيكةٍ ورمى عَيْـ=ـنَيْهِ فيما هناك يُسرى ويُمنى
وإذا الروضُ بهجةُ الروحِ طيباً =وظلالاً، وفتنةُ العينِ حُسنا
وكأنَّ الغديرَ بين ضلالٍ=وهُدىً كلّما استوى أو تثنَّى
تنحني فوقه كرائمُ ذاك الدْ=دَوْحِ، منها الجَنى، وكم يتجنَّى
مطمئنٌّ يسيرُ تِيهاً، فإنْ را=مَ عناقَ الصخورِ صدّتْ فجُنَّا
هكذا يصبح الحبيبُ الـمُعَنِّي=بعد حينٍ وَهْو المحِبُّ الـمُعَنَّى
ومضى البلبلُ الغريبُ يطوف الرْ=رَوْضَ حتى انزوى مُحيَّا النهارِ
راح يأوي إلى الغصون، ولكنْ =كيف يغفو مُشرَّدُ الأفكار ؟
كان في الروض فوق ما يتمنّى =من فنون الأثمار والأزهار
غيرَ أنْ ليس فيه طيرٌ يُغنّي=أيُّ روضٍ يحلو بلا أطيار ؟
وسَرتْ فيه رِعدةٌ حين لم يَلْـ=ـقَ سوى دارسٍ من الأوكار
وبقايا نواقفٍ رَخَم الـمَوْ=تُ عليها مُخضَّبَ الأظفار
أيُّ خطبٍ أصابكم معشرَ الطَّيْـ=ـرِ؟ وماذا في الروض من أسرار؟
طلع الفجرُ باسماً إثْرَ ليلٍ=دونه وحشةً كهوفُ المنيَّه
تتنزّى أشباحُه صاخباتٍ=عارياتٍ، أكفُّها، دمويَّه
ورُجومٌ تفري الغيومَ وتهوي=كلُّ رَجْمٍ من الجحيم شظيَّه
وخُسوفٌ تحدَّثَ البدُر فيهِ بفم=الحوتِ مُنذِراً برزيَّه
ذاك ليلٌ قضى على البلبل المنْـ=ـكودِ، لولا يدٌ تصدَّتْ عَليَّه
مَلْكَةٌ عرشُها المشارقُ والتّا=جُ سناها، أَعْظِمْ بها شرقيَّه
أنقذتْه فهبَّ يشدو شَكوراً=مَرِحاً، هاتفاً لها بالتحيَّه:


مليكةَ النيّراتِ =إلهةَ المشرِقَيْنْ
الناسُ في الغابراتِ=إليكِ مدّوا اليديْنْ
وأحرقوا في الصلاةِ=نُضارَهم واللُّجَيْن
وقرَّبوا الأعناقْ
زُلفى تُراقْ

يا ليلُ إن الصباحْ=رمز ُحياةِ الورى
أنفاسُه في البطاحْ=وروحُه في الذرى
أما رأيتَ الأقاحْ =أفاقَ بعد الكرى
وضوَّع الآفاقْ
لما أفاقْ

هناك راعي الغنم=ْ جذلانُ، حيُّ الفؤادْ
يرتع بين الأَكَم=ْ يهيم في كلّ واد
والنايُ صبَّ النّغم=ْ وبثّه في الوهاد
كزفرة الأشواقْ
غِبَّ الفراقْ
****

نسي الطيرُ همَّه حين غنَّى=قلّما يستقرّ همُّ الطروبِ
ألف الروضَ مُفرَداً وتَولّى=عنه في دوحه شعورُ الغريب
مُستقِلٌّ في الـمُلْك، لا من شريكٍ=طامعٍ يُتَّقى، ولا من رقيب
مُطلَقٌ، يستقرّ عند نَميرٍ=تارةً أو يقيل فوق رطيب
وإذا «وردةٌ» تفيض جمالاً=تتهادى مع النسيمِ اللعوب
قد حمتْها أشواكُها مُشرَعاتٍ=حولها دون عابثٍ أو غَصوب
تمنح العينَ حين تبدو وتُخفي=من ضروب الإغراءِ كلَّ عجيب
كلُّ قلبٍ له هواه.. ولكنْ=ليس يدري متى يجيء زمانُهْ
هو إمّا في ظلّ جفنٍ كحيلٍ=كامنِ السحر، راقدٍ أُفعوانه
أو وراء ابتسامةٍ حلوةِ الثَّغْـ=ـرِ نقيٍّ، مُفلَّجٍ أُقحوانه
أو على الصدر يستوي فوق عَرْشَيْـ=ـينِ.. مكيناً مُؤيَّداً سلطانُه
فإذا كان لفحةً من جحيم الر=ْ رِجْسِ، أملى أحكامَه شيطانه
وإذا هبَّ نفحةً من نعيم الطْـ=ـطُهْرِ، قامت ركينةً أركانه
هو ذا الحبُّ فليكنْ حين يأتيـ=ـكَ بريئاً من كلّ عيبٍ مكانه
صارتِ الوردةُ الخليعة للبُلْـ=ـبلِ همّاً ومَأْرباً يُشقيهِ
حسرتا للغرير أصبح كَرْبا=ً ما يلاقيه من دلالٍ وتِيه
شفّه السُّهدُ واعتراه من الحُبْ=بِ سَقامٌ مُبرِّح يُضنيه
من رآها وقد تَحاملَ يهفو=نحوها، كيف أعرضتْ تُغريه
من رأى روحَه تسيل نشيداً=لاهباً، لوعةُ الأسى تُذكيه
هي «حوّاءُ» ذلك الخلدُ فاحذرْ=لا تكونَنَّ أنتَ «آدمَ» فيه
لا تهبْ قلبكَ الكريمَ لئيماً =تحت رجليه عابثاً يُلقيه
هل يرى في ظلال وردته الحَمْـ=ـراءِ سِرّاً بدا وكان خفيّا؟
هل يرى للطيور فيها قلوباً=نبذتْهنَّ يابساً وجنيّا ؟
هل يرى اليومَ ما الذي جعل الرَّوْ=ضَ كئيباً من الطيور خليّا؟
كم نذيرٍ بدا لعينيه حتَّى=قام شخصُ الردى هناك سويّا
سامه حبُّه شقاءً ولكنْ=نعمةُ الحبِّ أنْ يكونَ شقيّا
والهوى يطمس العيونَ ويُلقي=في قرار الأسماعِ منه دويّا
هكذا يسلك المحبُّ طريقَ الْـ=ـخَوفِ أمْناً ويحسب الرشدَ غيّا
من تُرى علَّم البخيلةَ حتى=سمحتْ أن يُقبِّل الطيرُ فاها
لم يصدِّق عينيه حتى أطلَّتْ=وأطالت في ختله نجواها
زُلزلَ الروضُ عند ذلك بالألْـ=ـحانِ، فاسمعْ روايتي عن صداها:

نشيد البلبل للوردة



أَنشدي يا صَبا=وارقصي يا غصونْ
واسقني يا ندى=بين لحظِ العيون
فيكِ يا وردتي=قد حلا لي الجنون
أنا مني الهوى=أنتِ منكِ الفتون
انشري ما طوتْ=من غرامي السنون
كان في أضلعي=فروَتْه الجفون
اقربي من فمي=فحديثي شُجونـهِ
ضمَّها الطيرُ مُطبقِاً بجناحَيْـ=ـهِ، وهمَّتْ بثغره شفتاها
لم يُمتَّع بنشوة الحبِّ حتى=أَشرعتْ شوكةً تلَظَّى شَباها
أوردتْها قلباً، إذا رفَّ يوماً=خافقاً للهوى فذاك هواها
كرعتْ في الدم البريءِ فلمّا=عكستْه وهّاجةً وجنتاها
نظر الطيرُ نظرةً أعقبتْها=روحُه طيَّ شهقةٍ معناها:
وردةٌ تُبهِر العيونَ ولكنْ=كثرةُ الشمِّ قد أضاعتْ شذاها
****

الكرماوي
04-04-2007, 11:07 PM
مرابع الخلود
الرجز


توطئة



لَمّا انجلتْ من حُجُب الزمانِ=مرابعُ الخلود والمغاني
ضاق على النفس الكيانُ الفاني=وعالمٌ يَغَصُّ بالأشجان

ويفجع القلوبَ بالأماني


لاحَ لها من الخلود ما استترْ=وامتلك السَّمعَ عليها والبصرْ
وامتزجتْ مع النسيمِ في السَّحرْ =وارتفعتْ على أشعّة القمر

شفّافةً عُلْويّةَ الألحانِ


ولم يَطُلْ بها المدى حتى دنا=أبعدُ ما ترجوه من غُرِّ المنى
هنا هياكلُ الخلودِ، وهنا=كلُّ عظيمِ القدرِ وضّاحُ السّنى

فانطلقتْ مُرسلَةَ العِنانِ

الخالدون


طافتْ على الملوك والقياصره=فانقلبتْ تقول وَهْي ساخر
أضخمُكم أسطورةٌ أو نادره=وإنّما الخلودُ للعباقره

جبابرِ النفوسِ والأذهانِ


للأنبياء أرفعُ المقامِ=يُحَفّ بالجَلال والإكرامِ
وعندهم روائعُ الإلهامِ=فيها الهدى والنُّورُ للأنام

وغايةُ الكمالِ في الإيمانِ


والشهداءُ بعدهم في المرتبَهْ=أهلُ الفِدى في الأمم المعذَّبه
صَبَّ الشهيدُ دمَهُ وقرَّبَهْ=يقولُ: إنَّ المهجَ المخضَّبه

أَدْفَعُ للضيم عن الأوطانِ


واجتمع السِّحْرُ إلى الفُتونِ=بين رُبا الخلودِ والعيونِ
قرائحٌ من جوهرٍ مكنونِ=تَشِعُّ بالعلوم والفنون

وتغمرُ العالمَ بالإحسانِ


أولئك الشموسُ والبدورُ=دائمةُ الإشراقِ لا تغورُ
أفلاكُها، ما كرَّتِ الدهورُ،=الحبُّ والجمال والسرور

والخيرُ والحكمة في الإنسانِ

في حضرة المتنبي


أصغيتُ للنفس تقـول: ما ليَهْ=طَوّفتُ في الخلود كلَّ ناحيَهْ
فما وجدتُ مثلَ تلك الرابيه=مشرفةً على الوجود عاليه

عاتيةً وطيدةَ الأركانِ


رأيتُ ظلاً شاملاً ظليلا=يضمُّ صَرْحاً ماثلاً جليلا
فارتدَّ طَرْفي عنهما كليلا=إذا طلبتُ لهما تمثيلا

فـ «الحَدَثُ الحمراءُ» في «بَوَّانِ»


رأيتُ بِيضاً يعتنقنَ سُمْرا=هُنَّ النجومُ يأتلقنَ زُهْرا
في يد كلّ فارسٍ أغرّا=يلتمس المجدَ الأثيلَ قسْرا

والمجدُ لن يكونَ للجبانِ


رأيتُ غِيداً من أعاريب الفلا=حُمْرَ الجلابيب غرائبَ الحِلى
خُلِقنَ من حُسنٍ وفتنةٍ فلا=تطريةً ترى ولا تَجمُّلا

وهكذا فلتكنِ الغواني


ذاك الذي وقفنَ عن جنبيْهِ=خِلتُ ملوكَ الأرضِ في بُرديْهِ
أو الأنامَ تحت أخمصيْهِ=قيل اسْجدي خاشعةً لديه

فالمتنبي سيّدُ المكانِ


إنْ كنتِ مِمّنْ يصحبُ الكتابا=ويهجرُ النديمَ والشرابا
ويهجرُ النديمَ والشرابا=جئتِ أعزَّ خالدٍ جنابا

وفُزتِ بالإكرام والأمانِ


نَكَسْتُ رأسي ودنوتُ أعثرُ=فأين كسرى هيبةً وقيصرُ ؟
بين يديهِ أسدٌ غضنفرُ=عليه من ضربةِ سوطٍ أثر

يُغْني «ابنَ عمّارٍ» عن البيانِ

كافور خالد؟!



ومُضحِكٌ مُشقَّقُ الكعبينِ=أسودُ، لابيٌّ ، بمِشْفريْنِ
عهدتُه يُشَدّ بالأُذنَيْنِ=وقَدرُهُ يُرَدُّ بالفَلْسين

يومَ تروجُ سلعةُ الخِصْيانِ


كان لمصرَ سُبَّةً وعارا=يومَ أثار الشاعرَ الجبَّارا
لم أدرِ هل كان الهجاءُ نارا=أم عاصفاً هُيِّجَ أم تيّارا

أم شُقَّ ذاك الصدرُ عن بركانِ؟

والحسد خالد؟!



وثَمَّ وحشٌ فمُه دامي الزَّبَدْ=في جِيده حبلٌ غليظٌ من مَسَدْ
قلتُ: ألا أسأل ما هذا الجسدْ؟ =قال: بلى؛ هذا غريمُنا الحسدْ

مرتبكُ الأخلاطِ في شيطانِ



رأيتُه يطمس عينيه العَمى=سعيرُ قلبه طغى عليهما
قلتُ: وهذا خالدٌ أيضاً؟ فما=أعجبَ أن يبقى الأذى ويَسْلما

وينعمَ الشرُّ بعُمْرٍ ثانِ !!


تَبّسمَ الشاعرُ، ثُمَّ ردَّدا=في الوحش نظرةً كأنها الرَّدى
قال: لئنْ نَكَّدَ عيشي بالعِدى=حتى دعوتُ ولدي «مُحَسَّدا»

فإنه خُلَّدَ في الهوانِ


تَقدّمي، يا نفسُ واسأليني=عن أثر المفتاحِ في جبيني
بدّلني بكيده اللعين =ذُلَّ الوِجارِ من حِمى العرين

حَمى الملوكِ من (( بني حمدانِ))


وما ابتلى الحسودُ إلا جوهرا=يَتمّ نوراً ويطيبُ عنصرا
والفضلُ لا بدَّ له أن يظهرا=تُحدِّثُ الأَعْصُرُ عنه الأعصرا

وللحسود غمرةُ النسيانِ


خاتمة



عُودي إلى دنياكِ، دنيا العَرَبِ=بجذوةٍ تُضرِمُ روحَ الأدبِ
وتغمرُ الشرقَ بهذا اللهبِ=قد يستردّ الحقَّ بعضُ الكُتُب


وقد يكونُ المجدُ في ديوانِ
****



توكيد الذكرى
الخفيف



هذه نفحةُ «البحيرةِ» هبّتْ=سَحَراً أم هناكَ نفثةُ ساحرْ؟
تلك ذكرى سُويعةٍ شملتْني=فأرتْني شمائلَ الشيخِ طاهر
قد حباني بمدحه وَهْو أهلٌ=أن يُغنّي بمدحه كلُّ شاعر
ليَ طَوْقانِ منكَ رحتُ أباهي=بهما الدهرَ سيّدي وأُفاخر
حول عُنْقي من جوهر الشكرِ طوقٌ=ولقلبي طوقٌ من الودّ آسر


****

الكرماوي
06-04-2007, 06:23 PM
لكَ ما شئتَ يا طبيبُ ولكنْ .... أعطني من دمٍ يكونُ خفيفا


مداعبات



***********




البقّة والبرغوث
مجزوء الرجز


البقة:


نحن بناتُ الخشبِ=نشرب دَمَّ العربِ
نمشي ببطءٍ عجبِ=نقرص مثلَ العقربِ

البرغوث:


نحن الذين نقفزُ=مكانُنا مُعزَّزُ
بينا ترانا ننخر=ُ حتى ترانا نُزهر


كلاهما:



عشنا على الأبدانِ=في سالف الأزمانِ
لو كان في الإمكانِ=عشنا على الأوطانِ


****

الدم الخفيف
الخفيف



وطبيبٍ رأى صحيفةَ وجهي=شاحباً لونُها وعُودي نحيفا
قال لابدَّ من دمٍ، لكَ نُعطيـ=ـهِ نقيّاً ملءَ العروقِ عنيفا
لكَ ما شئتَ يا طبيبُ ولكنْ=أعطِني من دمٍ يكون خفيفا !

****


بلا عنوان
الخفيف



إنّ «عبدَالكريمِ » ردَّ حياتَيْـ=ـنِ، بلُقيا ضنَّتْ بها الأيامُ
إنه في فَعالهِ مثلُ «عيسى»=أين منه «عيسى» عليه السلام ؟!
يا رسولَ الهوى صحابتُكَ العُشْـ=ـشاقُ طُرّاً وحزبُكَ الآرام !
شيعةٌ لو حشدتَ يوماً تراها=هلكَ العاذلون واللُّوّام !

*****

ذكرى عشية زهراء
الكامل



احبسْ يراعكَ يا «أبا الخطّابِ »=قد حلَّ بي ما لم يقع بحسابي
تلك القصيدةُ لم أقل أبياتَها=لكنّها لمزوِّرٍ نَصّاب
هذا «أبوسلمى» ولا واللهِ ما=نكأَ الجروحَ سواه من أصحابي
هيهات أن يخفى عليَّ، وكلُّهُ=قلبٌ، بلا بابٍ ولا بوّاب
ويلٌ له ما انفكّ يوقظ راقداً=ويثير أشواقي إلى أحبابي

****

الشاعر المعلم
الكامل



«شوقي» يقول - وما درى بمصيبتي -=«قُمْ للمعلِّم وَفِّهِ التبجيلا»
اقعدْ، فديتُكَ، هل يكون مُبجَّلاً=من كان للنشء الصغارِ خليلا.؟!
ويكاد «يفلقني» الأميرُ بقولهِ:=«كاد المعلم أن يكون رسولا..!»
لو جرّب التعليمَ «شوقي» ساعةً=لقضى الحياةَ شقاوةً وخُمولا
حسبُ المعلّمِ غمَّةً وكآبةً=مرأى «الدفاترِ» بُكْرةً وأصيلا
مئةٌ على مئةٍ إذا هي صُلِّحتْ=وجد العَمى نحو العيونِ سبيلا
ولَوَ انّ في «التصليح» نفعاً يُرتجى=وأبيكَ، لم أكُ بالعيون بخيلا
لكنْ أُصلِّحُ غلطةً نَحْوِيّةً=مَثَلاً، وأتّخذ «الكتابَ» دليلا
مُستشهِداً بالغُرّ من آياتهِ=أو «بالحديث» مُفصَّلاً تفصيلا
وأغوص في الشعر القديمِ فأنتقي=ما ليس مُلْتبِساً ولا مبذولا
وأكاد أبعث «سيبويه» من البِلى=وذويه من أهل القرونِ الأولى
فأرى «حماراً» بعد ذلك كلِّهِ=رفَعَ المضافَ إليه والمفعولا !!.
لا تعجبوا إنْ صحتُ يوماً صيحةً=ووقعتُ ما بين «البنوكِ » قتيلا
يا من يريد الانتحارَ وجدتَهُ=إنَّ المعلِّمَ لا يعيش طويلا !

*****

إعلان الشعراء
المجتث




صابونُنا يا عذارى=حيّا الهوى والديارا
شتّى الضروبِ يحاكي=زهرَ الرُّبا والثمارا
يا من رأى التينَ في الرَّوْ=ضِ، عانقَ الجلّنارا


طِيبُ القرنفلِ عندي=يا ناسُ بل طيبُ ليلى
فمن تَنشّقَ منهُ=يَمِل إلى العشق مَيْلا
يهدي القلوبَ نهارا=ً ويُرسل النورَ ليلا



أبا شفيقٍ تَقدّمْ=قُمْ والتمسْ طلباتِكْ
لولاكَ يا نورَ عيني=لا لم أبعْ وحياتك
إني سأقصر طَرْفي=فنادِ لي ظَبَياتِك


لم يبقَ لي من غرامي=إلا المنى يا صبايا
قد ذبتُ غيرَ بقايا=فلا تُذِبْنَ البقايا
«قدري » أعنّي عليهنْ=نَ، يا رفيقَ صِبابا


****

مداعبة قدري طوقان
الرجز



لم يجرِ في بالي ولا حسابي=أنْ أحتفي بالجبر والحسابِ
درسان كانا في الصِّبا عذابي=ويحَهما كم شنّجا أعصابي


وخلّفا قلبيَ في اضطرابِ




ما هذه الحروفُ والأعدادُ ؟=ما هذه السينُ، أخي، والصادُ ؟
وكيف يا وفودُ يا بلادُ=تجتمع الأشباهُ والأضداد


مِثْلَ الرياضيّاتِ والآدابِ ؟




يا مُحتفين بابن عمّي «قدري»=إنْ أنا قصّرتُ فهذا عذري:
أكفرُ إن غازلتُه بالشعرِ=فحسبُكم منّا جزيلُ الشكرِ


يا خيرة َالأصحابِ والأحبابِ


****

وليمة المعكرون
الوافر



أتُغريني بحبّ المعكرونِ=وتنصب لي الحبائلَ في صحونِ؟
وتطعمني الأفاعي ناهشاتٍ=فقل لي كيف تُهضَم في البطونِ
فلا تركيبُ أمعائي حديدٌ=ولا في مِعْدتي بعضُ الحصونِ
ولا هي منظرٌ فنقول.. ساءتْ=مذاقتُها وسرّتْ للعيونِ
وما التزليقُ والزوغانُ منها=سوى طبعِ المراوغِ والخؤونِ
دعونا من وليمتكم فإنّا=سمعنا عن ولائم «موسوليني»
فإنّ الجوع خيرٌ من طعامٍ=يجيء الموتُ منه على فُنون


****

بلا عنوان
الرمل



أنتَ يا أستاذُ أدهشتَ الأناما=أنتَ يا أستاذ طوّقتَ الحَماما
إيهِ نهرَ الكلبِ يا بردَ الحَشا=إيه نهرَ الكلب يا نهرَ اليتامى
وقفةٌ عندكَ تشفي كبدي=وقفةٌ عندكَ تشفي المستهاما
لستُ أنساكَ خطيباً قاصفاً=فتذكّرْ إن للذكرى مقاما
يا لَذكراكَ وما أبردَها=نزلتْ في القلب برداً وسلاما
حفلةٌ بالشكر زانوها وقد=جعلوا من «جنّة العلمِ» ختاما
أنتَ قد علّمتَني عشرين عاما=أنت قد فرّحتَ لي بابا وماما
قعدوا لـمّا الأغاني قعدتْ=ثم قاموا عندما الأستاذُ قاما
ومشَوْا ثم أتَوْا وانصرفوا=عندما الساعةُ قد دقّتْ تماما
ركبوا «التكْسِيّاتِ» لما علموا =أنهم لن يجدوا ثَمّ «تراما»
كيف لم يُعطِ بطاقاتٍ لنا= عَمِيَ الأستاذُ عنّا أم تعامى
سامح اللهُ ذوي العلمِ الأُلى=ملأوا القاعةَ لَغْواً وكلاما
قد تسلّقنا على شُبّاكها=فرأينا أكثرَ الناسِ نياما
وشربنا «لِـمُـنادا» نفحُها=زَهَرُ الليمونِ أو نفحُ الخزامى
وهربنا بعدما طاردنا=نفرُ البوليسِ خَلْفاً وأماما
واحدٌ غاب فلما سُئلوا=عنه قالوا: إنه مات غراما
والذي مات أتتْ أقوالُهُ=فرَوَوْها مثلَما جاءت تماما
نسمةُ النيلِ سلاماً عاطراً=من نُهَيرِ الكلبِ نثراً ونظاما


****

بلا عنوان
الخفيف




مرحباً بالرئيس بعد الغيابِ=مرحباً بالرئيس شيخ الشبابِ
منشئ التفتزانِ ذي المجد والشّا =نِ، مليكِ الزمانِ والأحقاب
صاحبِ التّاجِ - ضاربِ الخصمِ بالكُرْ=باجِ - مثل النعاجِ يومَ الضراب
ومُبيدِ الألوفِ لا بسيوفٍ=بل كُفوفٍ ترنّ فوق الرقاب
قد دعاه الأعداءُ راسمْ أفندي=ذاك شأنُ المعاندِ الكذّاب
لُعِنوا - إنّه لَبيكٌ وباشا=ألكريمُ الأحسابِ والأنساب
وهو خالي وتاجُ رأسي وروحي=وحبيبي ونعمتي وعذابي
أنا محسوبُه ومحسوبُ مَحْسو=بِ رئيسي هذا ليوم الحساب
ذاب شوقاً إليه لُبّي وقلبي=ويْحَ لُبّي وويحَ قلبي المذاب
إنّ ما بي يكاد يُزهق روحي=وقليلٌ واللهِ نحوكَ ما بي
كلُّ خصمٍ بغى عليكَ فكسّرْ=رأسَه بالكلوش والقِبْقاب


****

بلا عنوان
الرجز



مُرَّ على «مُسلَّمٍ» وسَلِّمِ=وقلْ له علامَ لمْ تَكَلّمِ
وقل له أصبحتَ يا معلّمي=تلميذَ صوّافِ الخليلِ الـمُـكْرَم
يُقدَّر الإنسانُ بالتقدّمِ=لا بالنزول عن أعالي السُّلَّم
لا تَعبسنْ في الفحص بل تَبسَّمِ=من كان عبّاساً فذاك أعجمي
وانظرْ إلى الأشياء باردَ الدمِ=مثلَ أبي سعيدٍ الـمُعظَّم
وانظرْ إلى أبي الرضا المفخَّمِ=يدفع خيرَ المالِ للمقدَّم
شاردة من الكلام المبهمِ=فعشْ منيعاً في عُلاكَ واسلم
مُشقْلحٍ، مُمَقْرعٍ مُبرْطمِ=شَنشنةٌ نعرفها من أخزم


****

ثقلاء الثقلين، صقعاء الخافقين
الخفيف




باسم آلِ الخيّاط أبدأُ شكوا=يَ، وذكرى جمعيّةِ الشبّانِ
باسمِ عكّاءَ، باسم صُورٍ وصيدا=وضهورِ الشُّوَيْر من لبنان
وإذا ما وزنتَهم، خَلّفَتْهم=«صَفَدٌ» شائلين في الميزان
أَوَ ليس البرادعيُّ فتاها=ذاك من فضلها على البلدان
أو ما أنجبتْ «سميرَ بنَ شمّا»=لتُباري به ذُرى كنعان
و«نَصوحاً» ومَن دَرى مَنْ نصوحٌ ؟=لا تسلني واصْحبْه بضعَ ثوان
وفتًى ينتمي إلى النحو كالنّحْـ=ـوِ بغيضٍ لمعشر الصبيان
والذين ادّعَوْا أميّةَ والعَبْـ=ـباسَ فيها وسائرَ الإخوان
واحدٌ مُبَرمٌ فكيف بجمعٍ بل=تَأمَّلْ إذا التقى الجمعان
باسمِ «خُرْشيدَ» والجليدِ المقفى=منذ قحطانه إلى عدنان
وعزيزٌ عليَّ ألاّ أرى البِيْـ=ـكَ «نَعيماً» في زُمرة الأَقْران
وتذكّر بأن آل كمالٍ=نقباءٌ في كلّ حالٍ وآن
والحسيبُ النسيبُ فيهم جميعآً=«أكرمٌ» وَهْو سيّدُ العِرْسان
يومَ قالوا زُفّتْ إليه ثُريّا=قلتُ أَرِّخْ: تَناكحَ الفرقدان
لا تُطيق النفوسُ مَنْ جَمَعَ الدّا=ءَيْنِ، داءَيْ غلاظةٍ وامّحان

الكرماوي
06-04-2007, 06:24 PM
يا جنّةً تبعث الأشجانَ دوحتُها .... ما جئتُ إلا لأنسى فيكِ أشجاني



متفرقات



************



الشعر والشباب
مجزوء الكامل



يا شعرُ لا راقتْ لعيْنَيَّ المحاسنُ والمناظرْ
يا شعرُ لا طرق المسامعَ في الحدائق صوتُ طائر
يا شعرُ إنّي قد سئمْتُ الطَّرْفَ في الظلماء ساهر
واحسرتا بَليَ الشّبابُ وأنتَ لا تنفكّ ثائر
طاب الرقادْ نَمْ يا شعورْ
إنّ الفؤادْ أهنا سريرْ
*****
أنا إنْ نظرتُ إلى السّماء،سبحتَ بين نجومها
أو للجبال الشامخاتِ، هببتَ إثْرَ نسيمها
أو للزهور، ثملتَ من ألوانها وشميمها
أحسبتَ أنّك قد ظَفِرْتَ من الدُّنا بنعيمها؟
أو ما كفاكْ هذا الجنونْ
هلا دعاك داعي السكونْ
*****
عثر الشبابُ بصخر آلامي فآلَ إلى الدمارْ
فسقيتُه دمعي فما اندملتْ جراحاتُ العِثار
وسألتُ: من يهب الدموعَ لجَبْر هذا الانكسار
وإذا الوفيُّ من الأحبّة قد تناساني وسار
يا للوفاءْ أين الخليلْ
وإلى العزاء كيف السبيلْ
*****
بَلِيَ الشّبابُ أيا شعورُ وكنتَ أُسَّ بلائِهِ
كدّرتُه لصفائه! وثلمتُه لمضائه
هيهات أن يأتي الزمانُ مُبشِّراً بشقائه
فلأسلونّكَ يا شعورُ كرامةً لوفائه
آن الوداعْ قفْ يا يراعْ
نَمْ يا شعورْ نَمْ يا شعورْ


************


الجنة
البسيط




وجَنّةٍ من عُقود الطلِّ حاليةٍ=باكرتُها وجنى أغصانها دانِ
فيها فواكهُ أيلولٍ مُهَدّلةٌ،=من كلّ فاكهةٍ زوجانِ زوجان
والعندليبُ يناغي بنتَ أيكتها=والماءُ يلطم غُدْراناً بغُدران
تهفو بها نسماتُ الفجرِ دانيةً=سجواءَ مثقلةً من كلّ رَيْحان
ريحانِ وردٍ على آسٍ على أَرَجٍ=من الخزامى على أنفاس رُمّانِ
يا جنّةً تبعث الأشجانَ دوحتُها=ما جئتُ إلا لأنسى فيكِ أشجاني


****

نعمة العافية
المتقارب




إليكَ توجَّهتُ يا خالقي=بشكرٍ على نعمة العافيهْ
إذا هي ولَّتْ، فمن قادرٌ=سواكَ على ردّها ثانيه ؟
وما للطبيب يدٌ في الشفاءِ=ولكنّها يدُكَ الشافيه
تباركتَ، أنتَ مُعِيدُ الحياةِ=متى شئتَ في الأعْظُم الباليه
وأنتَ المفرّجُ كَرْبَ الضعيفِ=وأنتَ المجيرُ من العاديه

****

بلا عنوان
الخفيف




يا ضفافَ «القُوَيْقِ» في «الشهباءِ »=حَدِّثينا بطيّب الأنباءِ
ذكّرينا بأحمدِ المتنبي=ذَكّرينا بسيّد الشعراء
ذكّرينا بآل حمدانَ بالفَضْـ =ـلِ، بأهل الندى، بأهل الوفاء
بالملوك الكرام بالأنجم الزُّهْـ=ـرِ على الأرض، بالشموس الوضاء
كلُّ مدحٍ لولاهمُ لم أجدْهُ=وُصِلتْ ميمُه بدالٍ وحاء
يا لَذكرى العُلا وذكرى المآتي=تتراءى على ضفاف الماء
طأطئِ الرأسَ باحترامٍ وطالعْ=صفحاتِ التاريخِ عند المساء
وكأنّ القويقَ منها بخيعٌ=يا لَتلك المناظرِ الحمراء
أيها القومُ خَـلِّدوا خيرَ ذكرى=لأبي الطيّب العظيمِ الإباء
خَلّدوه بالشعر والنثر والنَّحْـ=ـتِ، ولوح التصويرِ بل بالغناء
خلّدوه في مصرَ والشام وبَيْرو=تَ، وأرضِ الحجازِ والزوراء
وفلسطينَ والجزائرِ أيضاً=ثُمّ في تونسٍ وفي صنعاء
وكأني به قد احتجّ غيظاً=حين سَمّوْا به دروبَ البِغاء
ألفُ عامٍ مرّتْ على المتنبي=كان فيها ألشعرُ رمزَ البقاء
ألفُ عامٍ ولا أرى ألفَ عامٍ=غيرَ يومٍ في العالم اللانهائي
ألفُ عامٍ ولم يزل شِعرُكَ السّا=ئرُ فينا للعقل خيرَ غذاء


*****


بين ابتسامتها وزفرة صدرها ... جندٌ من الأفراح والأحزانِ


أبيات ومقطوعات



***********



أبيات ومقطوعات

اليومُ يومُ (الأحدِ) ومهرجانُ البلدِ
الزهرُ في كلّ يدِ
حِسانُه وا كبدي مثلُ طيورِ الغُرَّدِ
يا مرحباً بـ (الأحدِ)!
****
من طبيبٍ الى طبيبٍ فقُبْحاً لحياةٍ على الأطبّاء وَقْفُ
****
يا غادةَ المتروبولِ بحقّ حسنكِ قُولـي :
متى شفاءُ العليلِ؟ متى إليكِ وصولي؟
يا غادةَ المتروبولِ!
بحقّ رأسِ (أنيسِ ) وشَعرِه والفلوسِ
بحرمة (القاموسِ) متى تصيري عروسي
يا غادة المتروبولِ!
*****
فأقبلَ الساقي يَزِفْ فُ الخمرَ في الأقـداحْ
يا مرحباً بالراحْ تجلو كؤوسَ الراحْ
****
يا من رآنا ليلةَ الخميسِ نطارد الهمومَ بالكؤوسِ
حتى إذا استولتْ على الرؤوس وحلّقتْ تنهض بالنفوس
لم يبقَ للهموم من مَجالِ
مُدامةٌ عجيبةُ المعاني لم تَتّصل بالحَسَنِ بن هاني
جاءتْكَ سَكْسونيّةَ الأوطانِ موسومةَ الزجاجِ بالحصانِ
تُصان بالبذل عن ابتذالِ
****
بين ابتسامتها وزفرة صدرها جندٌ من الأفراح والأحزانِ
****
«بَها» يا جنّةَ الحُسْنِ ويا كوثرَه الصافي
ويا أفضلُ بين الغِيــ ــدِ من عشرة آلافِ
****
قُعوديَ طولَ اليوم فوق دفاترٍ أُصلِّحُها شيءٌ يفيضُ على الفيْضِ
****
كان الوفاءُ فضيلةً في الناسِ حتى تعهّده ضميرُ سياسي
فغدا مُريباً لا يُصدِّقُ عهدَهُ أحدٌ على شَفَةٍ ولا قرطاسِ
****
لكنهم وعذابُ اللهِ يمحقهم للبطن والفرجِ دونَ الخيرِ نُزّاعُ
*****
فإلى الأمام بني الكرام تَـقدّموا وابنوا حصونَ المجدِ كالأجدادِ
والعزُّ في ناديكمُ ما زلتمُ متضامنين لكم عُلاه ينادي
*****
«دَمّوس » شِعرُكَ هذا واللهِ غيرُ نفيسِ
خَبِّرْ إذا شئتَ عنّي دوائرَ البوليسِ
****


لما التقينا والعيونُ سوابقٌ وَدّ الفؤاد لَوَ انّه لكِ أسْبقُ
































**************



بلا عنوان
مجزوء الوافر



لقد طارت إلى «حلبٍ »=قلوبٌ شفّها الوجدُ
لِلُقيا من له حُسْنٌ=على الأكوان ممتدّ
كنور الشمسِ لا تخلو=وِهادٌ منه أو نَجْد
للقيا من بدتْ أَنْفا=سُهُ الريحان والنَّدّ
لقد عبقتْ فإن بَعُدتْ=يزدْ في طيبها البُعْد
للقيا من بدتْ «بَرَكا=تُهُ» الهِجرانُ والصَّدّ

****


حدائق الشام
البسيط



يا تينُ، يا توتُ، يا رمّانُ، يا عِنَبُ=يا دُرُّ، يا ماسُ، يا ياقوتُ، يا ذهبُ !
اللهُ، اللهُ، ما هذا الدلالُ؟ وما=هذا الصدودُ؟ وما للقلب يضطرب ؟


يا تينُ، يا توتُ، يا رمّانُ، يا عنبُ


الشمسُ، ما الشمسُ، إن الشمسَ تنكسفُ=البدرُ، ما البدرُ، إن البدر ينخسفُ !
والدمعُ، ما الدمعُ، إن الدمع ينذرفُ=يا منيةَ القلبِ، هل وصلٌ وأنصرف ؟!


يا تينُ، يا توتُ، يا رمّانُ، يا عنبُ !


يا تينُ، يا ليتَ سَرْحَ التينِ يجمعنا=يا توتُ، يا ليتَ ظلَّ التوتِ مضجعنا
وأنتَ ليتكَ يا «رمّانُ» تُرضعنا=والكرمُ، يا ليت بنتَ الكرمِ تصرعنا

يا تينُ، يا توتُ، يا رمّانُ، يا عنبُ !



يا يومَ أقبلنَ أمثالَ التماثيلِ=مُكلَّلاتٍ بهالات الأكاليلِ
تبعتُ «لِيلي»، و«ليلي» ذاتُ تضليلِ=«لِيلي» فديتُكِ ما أقساكِ يا «ليلي» !


يا تينُ، يا توتُ، يا رمّانُ، يا عنبُ !


يا جارةَ القلبِ يا قُمريّةَ الوادي=يا غادةً لا عداها رَيِّقُ الغادي
لئن ظفرتُ بقربٍ بعد إبعادِ=يوماً فإني من الزُّلفى بميعاد !

يا تينُ، يا توتُ، يا رمّانُ، يا عنبُ !


يا نفحةَ الآسِ يا وردَ البساتينِ=ويا شذا نرجسٍ غَضٍّ ونَسرينِ!
ويا هزاراً شدا بين الأفانينِ=أراحلٌ أنتَ، أم باقٍ إلى حينِ ؟


يا تينُ، يا توتُ، يا رمّانُ، يا عنبُ !


يا كوكبَ الحُسْنِ يزهو في العشيَّاتِ=ويا ربيبةَ أترابِ السمواتِ
يا مطلعَ الفجرِ وضَّاحَ الثنيّاتِ=طُوفي علينا بأكوابِ الحُميّاتِ

يا تينُ، يا توتُ، يا رمّانُ، يا عنبُ !


باكرتُ يا تينُ، نحو التينِ أجنيهِ=وأذرفُ الدمعَ من عيني وأسقيهِ
أسندتُ رأسي إلى فَرْعٍ أُناجيهِ=فرجَّعَ الطيرُ نَوْحي في أعاليه


يا تينُ، يا توتُ، يا رمّانُ، يا عنبُ !


هل «نظرةٌ» لعميد القلبِ مفتونِ؟=أم «نهلةٌ» من لَـماكِ العذبِ ترويني ؟
أوّاه أبكي على من ليس يبكيني =يا مَنْ رأى «نرجساً» يبكي على «تينِ» ؟


يا تينُ، يا توتُ، يا رمّانُ، يا عنبُ !


حدائقَ الشامِ، عينُ اللهِ ترعاكِ=ولا سَرَتْ نسمةٌ إلا بريَّاكِ !
يا مرتعَ العربِ الأترابِ نُعماكِ=تفترّ عن مهجة الدنيا ثناياكِ


يا تينُ، يا توتُ، يا رمّانُ، يا عنبُ !

****

وادي الرمّـان
الكامل




يا رُبَّ «وادٍ» قد تفتّح وَردُهُ=واخضلَّ فهو بطَلِّه مُغرورِقُ !
وتأنّقَ الوسميُّ في ترصيعهِ=بالدُّرّ، فَهْو المبدعُ المتأنّق !
ترنو إليه مَحاجرٌ من نرجسٍ=خَجِلٍ يغالبه الحياءُ فيُطرقُ !
والغيمُ يضحك للجَنوب إذا مَرتْ=وتناله كفُّ الشمالِ فيُغدق !
والبَيْلسانُ أكفُّه ممدودةٌ=والطَلُّ ذاك المنعِمُ المتصدِّق
والياسمينُ كواكبٌ ومواكبٌ=شتّى تَألّفَ شملُها المتفرِّق
وكأنما الخَيْريُّ نوعُ تحيّةٍ=يسعى إليكَ بها حبيبٌ شَيِّق
والماءُ بين مُماطِلٍ ومُواصِلٍ=ينأى ويدنو سيلُه المتدفِّق
وغرائبُ الريحانِ حول ضفافهِ=منضورةٌ تطفو عليه وتَغرق
وانظرْ إلى نَيْلوفرٍ ألوانُهُ=شتّى تُحيط به المياهُ وتُحدق
وعيونُه رفّافةٌ أجفانُها=فوق الغديرِ، وكلُّ عينٍ زورق
وادٍ يهيم به الجمالُ وإنّهُ=ليكاد يُنطقه الجمالُ فيَنطق
جَرّ النسيمُ عليه فضلَ ردائهِ=وبفضله أضحى يفوح ويعبق
قد فَوّفتْه يدُ الربيعِ بوشيها=فعليه من حُلل الطبيعةِ رونق
باكرتُه فلقيتُ عند غديرهِ=هيفاءَ ترقص والغديرُ يصفِّق
النَّوْرُ في جنباته مُتألّقٌ=والنُّورُ في وجناتها يتألّق
يا جارةَ الوادي الرحيبِ وإنّه=نِعْمَ الجِوار لمن يهيم ويعشق
لما التقينا والعيونُ سوابقٌ=وَدّ الفؤادُ لَوَ انّه لكِ أسبق
يا يومَ جاوزتِ الخميلةَ في الضحى=والشمسُ مُشْرِقةٌ ووجهُكِ مُشرِق
كم ظلّلتْنا دوحةٌ أغصانُها=أحنى من الأمّ الرؤومِ وأشفق
والطيرُ هاتفةٌ بألحان الهوى=تعلو وتهبط تارةً وتُحلِّق
حامت على «الرمّان» تشدو فوقهُ=يا من يُقبّل في الصباح وينشق
والكرمُ ناءَ بحمله فبناتُهُ=منها طريحٌ في الثرى ومُعلَّق
«أقلوبُنا» في الروض أم «رمّانُهُ»=أضحى على أغصانه يتفلَّق
تَتلهّبُ النيرانُ في أحشائه=والماءُ تحت ظلالهِ يترقرق
لم أدرِ حين جنيتُه، أرحيقُهُ=أم ريقُكِ المعسولُ ما أتذوَّق
ثم انثنيتُ عن الرياض ومقلتي=عَبْرى وقلبي في حِبالكِ مُوثَق
والشمسُ تجنح للأصيل كأنها=وجناتُنا، والبينُ صاح: تَفرَّقوا
أوحيتِ لي من آي حسنكِ آيةً=إني بما أَوحيتِه لمصدِّق

****

بلا عنوان
مجزوء الوافر




رعاكَ اللهُ ما تَصْنَـ=ـعُ، لو لاقيتَ سمسارا ؟!
إذا ألفيتُهُ في الدا=رِ، أهدمُ فوقه الدارا
وأجعلُ فوقه الأحجا=رَ، لا أترُكُ أحجارا !
وأجمعه بمِلقاطٍ=وأُضرِمُ فوقه النارا
أُصوِّبُ بين عينيهِ=أدقُّ هناك مسمارا
أُعلّقُ «لوحةً» فيها:=«ألا قُبِّحتَ سِمسارا!»




****


تم بحمد الله
اعداد ماجد الحكواتي
مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري
نقل واخراج اخوكم الكرماوي

faresshehadeh
23-06-2007, 05:05 PM
اخي كرماوي

كنت أتمنى أن تمرر لنا قصائد الكبير طوقان رويدا رويدا .... لنقرأه ونتذوقه

ولابأس في كل مرة أن تزيد لنا الجرعة

لكن بهذه الصورة ..... تتعذر القراءة لكل ما جاء في الموضوع.

ولك جزيل الشكر والامتنان

الكرماوي
07-07-2007, 05:06 AM
لست ادري لماذا تتعذر القراءة لك اخي الكريم .. ولكن اطمئن

فستجد اعمال هذا الشاعر العملاق منثورة بكل ارجاء القسم الادبي ان شاء الله

انما وضعتها هنا للتوثيق فقط

تحياتي واحترامي لك

عاشقة الوطن
22-08-2007, 01:06 AM
سلمت يدااااااك اخي الكرماوي
اختيار موفق للشاعر الكبير ابراهيم طوقان
لم اتم القراءة لكن بالتاكيد سيكون لي عودة
مشكور

أبوجنين الفتحاوى
18-11-2007, 02:43 PM
اخى كرماوى
مشكووووووور ع طرحك الجميل
ويعطيك العافية
وننتظر المزيد من فعالياتك بالمندى

الشاعر لطفي الياسيني
24-05-2008, 04:35 AM
الاستاذ الكبير الفاضل الكرماوي
تحية الاسلام
جزاك الله خيرا وبارك الله لك وعليك
ان كل مفردات ثقافتي اللغوية لا تفيك
حقك من الشكر والتقدير يا امير المنتديات
والملتقيات ونوارة الاقسام لك مني عاطر التحية
والتقدير واطيب المنى واجمل ورود فلسطين وتحايا
المسجد الاقصى المبارك الاسير
وما انا الا نقطة في بحر ابداعك
وطفل يحبو على اعتاب جامعتك الشعرية
دمت بخير
باحترام تلميذك
لطفي الياسيني
ابي مازن

فـارسة القسام
19-08-2008, 10:41 AM
والله كفيت ووفيت الله لا يحرمنا من هيك مواضيع